في ضجيج « سوق عكاظ » الفكري العربي المعاصر، حيث يهرول « المستغربون » ببدلاتهم الأنيقة استجداءً لقبول الغرب، وحيث يصرخ « الماضوِيون » بشعارات جوفاء، يدخل حمزة بن عيسى بهدوء الجرّاح الذي لا يساوم. إنه ليس مجرد باحث، بل هو « دخيلٌ سيادي » جاء ليفكك صنم الحداثة من أساسه. هو لا يسعى لـ »تبيئة » مفاهيم الغرب أو « أسلمتها »، بل يأتي ليُعرّي الحداثة من ادعاءاتها الكونية، معتبراً إياها انحرافاً وجودياً و »خطأً حسابياً » في مسيرة البشرية.
إليكم الركائز السبع لثورته الميتافيزيقية:
١. التمييز الحاسم: التقنية ليست هي الحداثة
يكسر بن عيسى الابتزاز الفكري القائل « إما الحداثة وإما التخلف ». هو يؤكد أن المسلم يمكنه تطويع أدوات العصر (من علوم وتقنية) ضمن إطار « التقليد » (Tradition) دون التنازل عن شبر واحد من ثوابته. فالحداثة عنده ليست « محركاً احتراقياً » أو « رقاقة إلكترونية »، بل هي أيديولوجيا تجعل من الإنسان غاية ذاته. التقنية أداة، أما الحداثة فهي عقيدة مادية.
٢. الربا: سرطان القيمة الحقيقية
بينما يرى الاقتصاديون في الربا « آلية سوق »، يراه بن عيسى نظاماً « شيطانيًا » بامتياز. تحريم الربا ليس مجرد وعظ أخلاقي، بل هو قانون بقاء للجنس البشري. إن تحويل المال إلى سلعة تولد مالاً من العدم هو محرك « الرأسمالية المتوحشة » التي « الطبيعة لتغذي أرقاماً وهمية. إنه تمرد « الكمّ » على « الكيف
٣. محاكمة النزعة الإنسانية: الإنسان « الإله المزيف«
هنا تبلغ جرأة بن عيسى ذروتها بمهاجمة « النزعة الإنسانية » (Humanism)، تلك البقرة المقدسة التي صدرها الغرب كصك تحرر. يرى بن عيسى أن وضع الإنسان في مركز الكون بدلاً من الخالق قد أدى إلى « يتم ميتافيزيقي ». الإنسان الذتحرر » من الإله لم يصبح عملاقاً، بل صار عبداً لغرائزه البيولوجية وحاجاته المادية ».
٤. فخ « الانحطاط »: تشخيص غربي مغرض
يرفض بن عيسى عقدة النقص العربية تجاه مصطلح « الانحطاط ». الغرب يقيس « الرقي » بميزان حرارة مادي صرف: كم تنتج وكم تستهلك؟ بالنسبة لبن عيسى، المجتمع الذي يقدّم نجاة الروح على تراكم الرأسمال ليس مجتمعاً « متخلفاً »، بل هو مجتمع متزن. السؤال الحقيقي هو: من هو المنحط؟ من يفتقر إلى الآلات، أم من فقد معنى وجوده؟
٥. خيانة الرسالة المسيحية: من الروح إلى المنطق
يقدم بن عيسى قراءة مذهلة للمسيحية الغربية، معتبراً أن تكييف الإيمان مع المنطق اليوناني (الأرسطي) كان بمثابة « انتحار روحي ». لقد انتصر التيار « الهيليني » العقلاني على التيار « الأورشليمي » العرفاني، فتحول « السر الإلهي » إلى مجرد دُغما منطقية جافة، مما جعل الدين هشاً أمام ضربات العلموية الحديثة.
٦. وهم « التقدم »: الإسكاتولوجيا الأرضية الزائفة
فكرة أن التاريخ يسير في خط مستقيم نحو « الأفضل » هي عند بن عيسى مجرد « دين أرضي » بديل. هذا الوهم انهار في دماء الحروب العالمية وفي الدمار البيئي الشامل. يعيد بن عيسى الاعتبار للرؤية « الدائرية » للزمان في التقاليد الروحية: الحضارات لا « تتقدم » مادياً للأبد، بل تسمو أو تسفل بمقدار وفائها للأصل والمبدأ.
٧. التحليل النفسي: أفيون الحداثة والنزول إلى القبو
هذا هو المشرط الأكثر حدة عند بن عيسى. يرى في مدرسة فرويد ويونغ « ممارسة مضادة للاستبصار ». فبينما يسعى الدين لرفع الإنسان نحو « فوق الوعي » (الروح)، يجبره التحليل النفسي على الغوص في « اللاوعي »، أي في أقبية النفس المظلمة ومجاري الغرائز. إن اعتبار الدين « عصاباً » أو « تسامياً للغريزة » هو جريمة ميتافيزيقية؛ إذ تجعل الحقيقة تنبع من « الجيفة النفسية » للإنسان لا من نوره الإلهي. التحليل النفسي عنده هو أداة التفكيك النهائي لكرامة الإنسان، محولاً إياه إلى حيوان مريض منشغل بنبش صدماته الجنسية.
الخاتمة: خيار السيادة الروحية
إن قراءة حمزة بن عيسى هي بمثابة صدمة كهربائية توقظنا من سباتنا الفكري. هو لا يطلب منا كراهية الغرب، بل يطلب منا التوقف عن اعتباره سقف المعرفة البشرية. الغرب ليس إلا « قوساً عرضياً » أو خطأً في حسابات التاريخ؛ حضارة توهمت أنها تستطيع بناء عالم مع نسيان السماء. بين أيدينا اليوم أداة لـ « فصل التيار » عن هذه الآلة المستلبة، والعودة إلى النبع الأسمى لاستعادة سيادتنا الميتافيزيقية.