في كل حضارة تقليدية، تستمدّ مؤسسة الدولة مشروعيتها من تعاليها وسيادتها. فهي، في تمام صلاحياتها، ليست جهازاً إداري بارداً، بل رمزٌ عاملٌ لمبدأٍ أعلى. إنّها مُستثمَرة من علٍ وإلى العلو، عبر الوحي؛ قائمة في الأرض، لكنّ معناها مشدودٌ إلى السماء. هي في آنٍ واحد موضعُ الوجود الدنيوي ووسيلتُه، غير أنّ هذا الوجود لا يُفهم إلا بوصفه متوجّهاً إلى ما وراءه، متلقّياً منه الدافع والتبرير.
وليس عبثاً أن يحمل لفظ “الدولة” في جذره الإيحائي معنى الوحدة والثبات والانسجام؛ فهي، في التصوّر التقليدي، تعبيرٌ عن الفعل المُثبِّت والمنسِّق لتأثير الروح ــ البركة ــ في النظام الإنساني والكوني معاً. وحين تكون الشرعية مؤسسة من فوق، فإن الدولة، بهذا المعنى، تنأى عن كل اختزال عدديٍّ يُسوِّقه الخطباء والديماغوجيون تحت لافتة “الاقتراع العام”. فالحقيقة، في أصلها، كيفيةٌ لا كمية؛ تنحدر من العلو، وتفلت من التباس الأرقام. ومن ثمّ تُناط بالدولة، المستمدّة قوّتها من ذلك المصدر المتعالي، مهمةُ السهر على أن تتحقّق قابلية كل فرد، داخل الهرمية الاجتماعية، في أفق الرؤية التقليدية.
بهذا وحده يُصان عبر تقلّبات الزمان والمكان قدرٌ من الثبات والانسجام في المجالين الاجتماعي والتاريخي، ويُتاح نقلُ الحالات الموافقة لذلك إلى المجال الميتافيزيقي. غير أنّ الأمر ينقلب حين تصيب الانحطاطات الروحية قمة الهرم الاجتماعي، عبر أولئك الذين أُوكلت إليهم صيانة المقدّس وتعليمه، أو حين يبرز في الجماعة ذلك الروح النمرودي المتعالي على كل حدّ. عندئذٍ تتعرّض مؤسسة الدولة لانقلابٍ في قطبيتها.
فتغدو مُستثمَرة بقوى السُّفل، تنحرف بها عن مهمتها إلى الأسفل. وتكفّ عن أن تكون محركةً بالمافوق-إنساني، لتغدو، في أقصى صورها، الأداةَ الأبرز في علمنة الوجود وتسطيحه.
وقد كان في أوروبا، عند أواخر العصور الوسطى، أن تمّ هذا المسار التخريبي للدولة على نحوٍ بدا غير قابلٍ للارتداد. ومن هنا ينبغي دراسته لفهم ما تحمله الحضارة الحديثة من شذوذٍ واعتلال. غير أنّ إدراك المسألة على وجهها الصحيح يقتضي التذكير بمعطى أساس: إن المسيحية، لكي تنغرس في الغرب وتعبّر عن نفسها فيه، ولا سيما في صيغتها الهيلّينية البولسية، اضطرت إلى الاتكاء على المؤسسات والرموز التي ورثتها عن التقاليد الهندوأوروبية التي خلفتها.
وتتجلّى هذه الملاءمة للذهنية الغربية في احتفاظ المسيحية بمبدأ الطبقات الهندوأوروبي، حيث يتدرّج البناء من القمّة إلى القاعدة: طبقة الIكهنة، ثم الطبقة الملكية والمحاربة، فطبقة التجّار، وأخيراً طبقة الأتباع والأقنان.
مهما يكن، فإن العجز الروحي الذي ساد أوروبا، وظهور النزعة الإنسانية، والسقوط في صيرورةٍ منفلِتة ــ كما أشرنا من قبل ــ قد كرّس تسرّب ميولٍ تخصّ في أصلها الطبقة التجارية إلى كامل الجسد الاجتماعي: حبّ الراحة، والارتهان للدافع المادي، وقياس الأشياء بميزان المنفعة. والسياق الروحي المُنهك الذي وُلدت فيه هذه الميول حرّرها من كل كابح، فغدت الطبقة التجارية مركز ثقل التاريخ الحديث، وفرضت القيم الاقتصادية معياراً أوحد للكرامة الإنسانية، وغايةً قصوى للإنسان في الكون.
:وتتبدّى وجوه هذا الانقلاب التجاري في أكثر من مشهد
إيطاليا: من رمزية العمل إلى هوس التملك
يُنظر إلى إيطاليا، في سرديات مؤرخي القرنين التاسع عشر والعشرين، بوصفها مهد النزعة الإنسانية. وهناك، تحت ضغط الغريزة التجارية، ما لبثت البُنى الاجتماعية التقليدية أن غدت ظلالاً باهتة لأنفسها. فالعمل، الذي كان تعبيراً عن روحانيةٍ ما، وحاملاً لمعنى يتجاوز المنفعة، انحدر إلى مجرّد وسيلة للثراء.
وحين تسلّلت هذه الغريزة إلى أروقة بازيليك القديس بطرس، غذّت “الاستعراضات المتفاخرة” للتماهي مع العصور الإغريقية-اللاتينية، وأطلقت شهية الترف، والدسيسة، والممارسات الفاضحة. وفي السياق نفسه، كفّ السيّد الإقطاعي عن أن يكون الذراع الزمنية لنظامٍ إلهي، وتحوّلت قوّته، في خواء بطالته، إلى مصدر قسوة وتدمير.
هنا يستولي حرص البقاء والجشع على الإنسان، فيصير أداة لإشباعهما: إمّا في صورة بطشٍ بدائيٍّ فجّ، أو في صورة جبنٍ محسوبٍ يستأجر المرتزق للتخلّص من الخصم. وكثيراً ما كان “الكوندوتييري” ينقلب، بعد وفاء العقد، على من استأجره، فيغتصب أملاكه وألقابه. هذا التوق إلى السيطرة، لا لشيء إلا لإرواء حاجة مادية، سيجد له تنظيراً منهجياً عند Nicolas Machiavel، الذي صاغ للأمراء دليلاً عملياً في إدارة القوة بمنأى عن أي معيار متعالٍ.
وعلى الحدّ الأقصى، تحوّلت إيطاليا إلى فسيفساء من إمارات ودويلات تتشكّل وتتفكك تبعاً لموازين القوى، لتبلغ ذروتها في الجمهوريات التجارية مثل Venise وFlorence، حيث استحال البحر والبنك معاً معبداً جديداً.
إنجلترا: من علمنة الملك إلى جمهورية التاجر
في إنجلترا، اتخذ الانحراف الروحي مساراً آخر: تحوّلت القوانين والممتلكات، التي كان يُفترض أن ترسّخ البنية الخارجية للمسيحية، إلى أدوات تعسّف. ولم تعد الجماهير ترى في الكنيسة سوى ثقلها المادي، فاستحال السخط الشعبي ــ وقد اختلط بشيء من النفور الأجنبي ــ وقوداً جاهزاً.
استثمرت السلطة الملكية هذا التآكل، بتحالفٍ ضمنيّ مع الطبقة التجارية، لتقويض مؤسسة الكنيسة ونقل ممتلكاتها إلى الملك والنبلاء والتجّار. لم يكن ثمة مشروع إصلاح روحي؛ كان الامتعاض الشعبي ذريعةً أكثر منه مبدأ. وغدا الحكم الزمني أداةً في يد النزعات التجارية.
وجاء الحسم يوم أضفى Henry VIII الطابع الرسمي على خضوع الروحي للسياسي عبر “قانون السيادة”، مُكرّساً ما عُرف بالأنغليكانية، التي مثّلت تتويجاً لروحٍ تمرّدت طويلاً على كل تعالٍ. ومنذئذٍ، صارت إنجلترا، الخاضعة للأنغليكانية الملكية والمنفتحة على النزعة الإنسانية، أرضاً مهيّأة نفسياً لاستقبال البروتستانتية، حيث وجدت الطبقة التجارية تبريراً غير مسبوق لطموحاتها.
فالأنغليكانية، بإقرارها أولوية السياسي على الروحي، مهّدت ــ من حيث لا تدري ــ لانزلاقٍ أسرع نحو المنطق البروتستانتي. وهنا استُخدمت مقدمات البروتستانتية كغطاءٍ نفسي وأخلاقي لتوسيع ادعاء الطبقة التجارية بأن الشرعية السياسية ينبغي أن تُبنى على الملكية العقارية والتجارية، بعد إقصاء المبدأ الديني المؤسِّس.
وقد أفضى هذا الصراع إلى إلغاء الحكم المطلق عبر إعدام الملك، وقيام الجمهورية التجارية بقيادة Oliver Cromwell. شكّل انتصاره هدنةً استغلّتها الطبقة التجارية لتكريس تفوّقها وإغلاق منافذ الاعتراض. واستُعيد مفهوم الهرمية الاجتماعية ــ الذي كان يعني تدرّج الطبائع والوظائف ــ ليُعاد توجيهه نحو هرمية الثروة المادية.
كما أُخضعت الشرعية السياسية حصراً لمفهوم “الملكية”. غير أنّ هذا الادعاء لم يمرّ بلا مقاومة؛ إذ اعترض التيار البيوريتاني، رافضاً كل هرمية قائمة على الحق الإلهي أو الملكية العقارية، ومطالباً بأن يكون العمل وحده مصدر الشرعية. لكن ميزان القوى حُسم، مؤقتاً، لصالح الطبقة التجارية، حين أعدم كرومويل أبرز قادة التمرد في الجيش، فاضطر البيوريتانيون إلى الانكفاء، ثم الهجرة إلى أمريكا الشمالية، أرضهم الموعودة.
أما تهميش الكاثوليكية في أعقاب فشل آل Maison Stuart، فقد سرّع انحلال الطبقة الملكية والمحاربة في أفقٍ تجاريٍّ خالص، وكرّس عالم القيم الاقتصادية والمالية نموذجاً يُحتذى، وأفضى إلى انحدار الرؤية الميتافيزيقية والدينية إلى أخلاقٍ خاصة، فردية، منزوعٍ عنها بعدها الكوني.
وخلاصة الأمر: إن الأنغليكانية، ثم البروتستانتية، فجمهورية كرومويل، فالملكية البرلمانية التي أعقبتها، ليست إلا مراحل متعاقبة تغلغلت خلالها الطبقة التجارية في مفاصل الدولة التقليدية، لتجعلها قناةً لبثّ ميولها في المجتمع، وأداةً لتحييد كل عائق أمام تمدّدها. ومنذ القرن السابع عشر، ولا سيما الثامن عشر، ترسّخت في إنجلترا عادةُ النظر إلى السياسة والحرب والنشاط والعدالة من زاويةٍ واحدة: زاوية خضوعها الكامل للأفق التجاري ومصالحه. وهكذا لم يعد الإسان يتحقّق وفق طبيعته، بل وفق دافعٍ تجاريٍّ طليق، لا يعترف بسقفٍ ولا بسماء.
فرنسا: من نزع القداسة إلى جمهورية التاجر المقنّعة
في فرنسا، تبلور مسارُ التخريب التجاري للدولة حول نزع القداسة عن الفعلين السياسي والاقتصادي، تمهيداً لإضفاء الشرعية على الأنشطة المضارِبة، وذلك في مقابل تثبيت الحكم المطلق. غير أنّ الفارق الجوهري عن إنجلترا أنّ استمرار الكاثوليكية حافظ، في وجدان الشعب والنبلاء، على بقايا حيّة من قيم الهرمية والسلطة الروحية. لذلك لم يجرؤ الحكم المطلق على إعلان القطيعة مع المرجعية الدينية صراحةً، بل مارسها في الوقائع أكثر مما صاغها في المبادئ.
وفي هذا السياق، بلغ Philippe IV le Bel حدّ التذرّع بإنقاذ الإيمان والكنيسة لتبرير سحق تنظيم فرسان الهيكل، بينما كان فعله، في الحقيقة، توقيعاً على إطفاء جوهرٍ مسيحيٍّ كان ما يزال يقاوم.
مهما يكن، فإن القوى المنخرطة في علمنة الوجود، وبمباركة الملك، شرعت في تفريغ الفعل من محرّكه الروحي عبر خلق قطيعة لا رجعة فيها بين الشعب والنبلاء، وكلاهما مشدودٌ ــ نظرياً ــ إلى احترام التقليد. البداية كانت مع فيليب الجميل الذي عمّم بيع الامتيازات لصالح التاج، مقابل إدخال الطبقة التجارية في مفاصل الدولة وتجريد النبلاء تدريجياً من وظائفهم السياسية الطبيعية.
ولإزاحة السيّد الإقطاعي، الذي كان ازدراؤه للانحطاط التجاري على الطريقة الإنجليزية عقبةً أمام المشروع، جرى استدعاؤه منهجياً من أقاليمه إلى البلاط. وهناك، في متاهة الترف والبطالة، تحوّل إلى طفيليٍّ مترف، أسيرِ حاجاتٍ مادية متضخّمة. ومع الزمن، رهن أملاكه، ثم باعها، قبل أن ينتهي عبداً لمعاشاتٍ تمنحه إيّاها الخزينة لتُبقيه في حالة تبعية مهينة.
عشية 1789، كان النبيل قد جمع بين الانحطاط السياسي، والفقر الناتج عن بيع ممتلكاته، والسخط الشعبي بسبب امتيازاتٍ جوفاء مكلفة للخزينة. في المقابل، كانت الطبقة التجارية قد استولت على الدولة، وأنهت الوحدة العضوية التي كانت، منذ العصور الوسطى، تمكّن كل فئة من تحقيق ذاتها، وكل إقليم من إدارة شؤونه، بل ومقاومة تعسّف الملك عند الحاجة.
وبدل المؤسسات التقليدية، أُقيمت مركزية إدارية حديثة تفرض خضوعاً مطلقاً عبر مجلس الملك، والمراقب العام، والمفوّض، ونوّابه. مؤسساتٌ مجهولة الوجوه، اعتباطية الفعل، تعمل في خدمة الطبقة التجارية، فيما تُحمَّل نتائجها ــ عمداً ــ على نبلٍ منزوع المخالب، قُدِّم للرأي العام كبشَ فداءٍ مثالياً.
والحال أنّ الدولة بمعناها التقليدي كانت قد كفّت عن الوجود منذ زمن، إذ أُخضعت لمعيارٍ اقتصادي صار هو المرجع الأوحد. النبلاء، وقد استنكفوا بدايةً عن طاعة من كانوا يُعدّون أدنى مرتبة، لم يستطيعوا، مع الوقت، أن يستعيدوا الروح التي تبرّر وظيفتهم. لم ينحدروا تماماً كما حدث لنظرائهم الإنجليز، لكنهم فقدوا الطاقة الروحية التي كانت تمنحهم معنى. وهكذا عجزوا عن خلق شروط إصلاح سياسي حقيقي، فسقطوا في الفخ الذي نسجته لهم الطبقة التجارية: جسداً من العاطلين الباذخين، صالحاً فقط لإشعال نقمة الجماهير.
وحين اندلعت الثورة عام 1789، لم تفعل سوى إضفاء الشرعية على وفاة حضارة تقليدية كانت في طور التعفّن منذ أن هجرتها القيم الروحية عقب سياسات فيليب الجميل. وهنا ينبغي تمزيق الأسطورة التفسيرية التي تُرجع الثورة إلى “البُنى الإقطاعية”. فالواقع أنّ الفلاح، وقد تحرّر إلى حدّ بعيد من أعباء القرون الوسطى، أصبح مالكاً قبل الثورة. كما أنّ البرجوازي لم يزدهِر كما ازدهر حين صار يحكم ويشرّع ويقضي لمصلحته.
ولو كانت الإقطاعية هي المحرّك، لوجب تفسير لماذا لم تقع ثورة مماثلة في Prusse حيث استمرّ ثقلها طويلاً، ولماذا كانت المقاومة للجمهورية أشدّ في Vendée حيث بقيت البُنى التقليدية أكثر رسوخاً.
في الحقيقة، إن كان للثورة الفرنسية من معنى، فينبغي استخلاصه وفق قانون الفعل وردّ الفعل المتوافقين في المنظور التقليدي. فإعدام Louis XVI وإلغاء الملكية يمكن قراءتهما تعويضاً رمزياً عن الجريمة التي ارتكبها التاج نفسه بحق فرسان الهيكل وبحق الروح المسيحية. أما الدلالة الثانية فدورية: فخلف شعارات المساواة والتحرّر، التي زيّنها العقلانيون وأنصار “الاستنارة” السياسية، كانت تعمل شهوةٌ تجارية محكمة التنظيم، استخدمت الشعب سلّماً لتثبيت جمهورية التجار في وضح النهار.
لم تكن الثورة الفرنسية تحريراً للإنسان؛ كانت إحدى الصيغ التي أُعيد بها إخضاعه لاقتصادٍ صار قدَراً، ولسوقٍ تنكّر في هيئة خلاص.
_____________________
*La subversion mercantile de l’Etat
بقلم حمزة بن عيسى