الفعل-التعالي- الانحطاط-

في جميع الحضارات التقليدية، كان الفعل خاضعًا للدافع الروحي، يستمدّ مشروعيته منه ويستمدّ قيمته به. لم يكن الفعل غايةً في ذاته، بل وعاءً تتجلّى فيه الشخصية الإنسانية، ووسيلةً لارتقاء الذات وتحوّلها الروحي. فالعلاقة بين الفعل والتحقق الباطني، في عالم التقاليد، لم تكن علاقة عرضية، بل كانت مؤسَّسة ومُنظَّمة عبر نظام التهيئة أو “الاصطفاء الروحي” الملائم لكل طبيعة.

هكذا نجد التهيئة الكهنوتية التي يتمحور فعلها حول أداء الشعائر، والتهيئة الملكية والفروسية التي يمتدّ مجالها إلى الحقلين السياسي والعسكري، ثم تهيئة الحِرف والفنون التي يغلب عليها البعد الاقتصادي. وحين يسري الروح التقليدي في جسد الجماعة كلّه، يُقاس الفعل دومًا على مثالٍ روحيّ أعلى، حتى في المواطن التي تغيب فيها طقوس الاصطفاء المنظَّم، كما في الوظائف التبادلية غير الإنتاجية.

غير أنّ هذا التوازن، في أوروبا، بدأ يتصدّع مع أواخر العصور الوسطى، وكانت نقطة ارتكازه النظامَ السياسي، أي مركز الحركة في الكيان الاجتماعي. وقد تمّ هذا الانزياح سريعًا في إيطاليا تحت تأثير النزعة الإنسانية، وفي إنجلترا في ظلّ الأنجليكانية والبروتستانتية، بينما أخذ في فرنسا مسارًا أبطأ، متدرّجًا، عبر بوابة الملكية المطلقة.

ونحن نختار الحالة الفرنسية مثالًا لتوصيف هذا الانفصام، لما اتّسم به من خفاءٍ وتدرّج، ولما احتفظ به من مظهر احترامٍ للتقليد، حتى اللحظة التي أُلغيت فيها الملكية ذاتها.

في فرنسا، كان رافعة هذا التحوّل ما عُرف بـ“الشرّاع” أو فقهاء القانون، وهم، من بعض الوجوه، أشبه بتكنوقراط عصرنا. كانوا مثقفين متشبّعين بالثقافة الإنسانية، متضلّعين في المعارف القانونية والإدارية، غير عابئين بأولوية الروحي، منصرفين إلى تدبير العاجل، غير مكترثين بما قد يخلّفه هذا المنحى من أزماتٍ أعقد من تلك التي يزعمون معالجتها.

أوّل ما انصرفوا إليه كان تثبيت أسبقية الدولة على الدين، مستندين إلى حجة تاريخية مفادها أنّ ملك روما أو إمبراطورها كان يجمع بين السلطتين الزمنية والروحية. غير أنّ الروح الإنسانية، بما هي نزعة مناهضة للتقليد في جوهرها، لم يكن بوسعها أن تمنح الملك سلطة روحية حقيقية، بل أقصى ما أمكنها هو إحياء أثرٍ نفسيّ باهت سرعان ما يذوب في حسابات الواقع الأرضي.

ومن هنا نفهم أنّ الملكية المطلقة التي دافع عنها هؤلاء لم تكن تروم خدمة التقليد، بل استخدامه أداةً. إذ حين استحوذوا على موقع الدولة، ذلك الموقع الاستراتيجي في البنية الاجتماعية، فتحوا الباب لتحويل الدافع الروحي للفعل إلى دافع مادي اقتصادي. وما إن آلت الدولة إلى قبضتهم حتى كفّت عن أداء دورها في حفظ مراتب المجتمع، وراحت تتعالى على الشريعة التقليدية التي يُفترض بها أن تجسّدها وتصونها عبر مؤسساتها.

وهكذا انحسر البعد المقدّس الملازم لوظيفة الملك أو السيد، ليحلّ محلّه اندفاع القوى الغريزية التي كانت تلك الوظيفة تكبحها وتهذّبها، بل وتسمو بها. وصار الفعل مجرّد وسيلة لإشباع نوازع أولية، وتكريس ما يُسمّى اليوم بـ“الأصالة” الفردية، وهي في حقيقتها تحلّلٌ من كلّ مرجعية عليا.

أما اللحظة التأسيسية لهذا الانقلاب في قطبية الفعل ورمزية الدولة، فتعود إلى عهد فيليب الرابع الملقّب بـ“الجميل”، حيث لم تكن حربه المعلَنة على الإلحاد سوى ستارٍ لممارسات من بيع المناصب الكنسية، والتشهير، وتزوير الوثائق. ومع هذا العهد انطلقت في فرنسا عملية تفكيك منهجي للنظام التقليدي.

بدأ ذلك بتعميم بيع المناصب والامتيازات لإشباع نهم الخزينة الملكية، بعد أن كانت هذه الممارسات استثنائية أو مضبوطة بحدودٍ مقبولة في المجتمعات التقليدية. ومع هذا التعميم، أُضفيت شرعية على وظائف كانت التقاليد الدينية تتعمّد تهميشها اتقاءً لما تنطوي عليه من قابلية للانحراف.

ومن أبرزها النقابات المنظمة أو “الجوراندات”، التي كان نشاطها قائمًا على التجارة التبادلية غير الإنتاجية وعلى المتاجرة بالنقود. وحين اكتسبت هذه الهيئات شرعيتها عبر الشراء، شرعت في قلب سلّم القيم، فمجّدت نزعتها المضارِبة على حساب العمل المنتج، مستندةً إلى قراءة معكوسة للمبدأ التقليدي القائل بتفوّق المعرفة على الفعل.

ذلك المبدأ، الذي يشير في أصله إلى “الفعل الذي لا يُفعل”؛ أي إلى مقام الإنسان المستعيد لعلم الأسماء وامتيازاته الأولى، جرى تشويهه وإنزاله قسرًا إلى الحقل العاطفي والنفسي. وهكذا، بفضل طابعها التجريدي النفسي، تُوِّجت المضاربة زيفًا قيمةً فكرية، بينما هي في حقيقتها تعبير عن نزعة امتلاكية هاضمة تُركت لشهواتها دون رادع.

وهكذا تحوّل ما كان ينبغي أن يكون معرفةً مُحرِّرة إلى حيلةٍ تبريرية، تُسبغ على الجشع مسحةً ذهنية، وتكسو النهم لباس “الذكاء”. فالمضاربة التي لا تُنتج شيئًا سوى تضخيم الأرقام، راحت تُقدَّم بوصفها نشاطًا راقيًا، يتفوّق على العمل اليدوي والإنتاج الفعلي، لا لسموّها الحقيقي، بل لأنها تُجيد لعبة التجريد، وتُحسن التخفي وراء لغةٍ ملساء.

ومن هنا بدأ انقلابٌ عميق في مفهوم الفعل ذاته: لم يعد الفعل طريقًا إلى التعالي، بل صار أداةً للتراكم؛ ولم يعد التراكم وسيلةً لخدمة غايةٍ أعلى، بل أصبح غايةً قائمة بذاتها. فالمعرفة التي كانت في التقليد نورًا يكشف مراتب الوجود، غدت حذقًا حسابيًا يُحسن اقتناص الفرص. والسلطة التي كانت وظيفةً رمزية لحفظ التوازن، تحوّلت إلى جهازٍ إداريّ يُدبّر المصالح ويُحكِم السيطرة.

في هذا المناخ، تلاشت الفروق الدقيقة بين ما هو مشروع وما هو نافع، بين ما هو سامٍ وما هو مربح. صار معيار القيمة هو القدرة على التداول، لا القدرة على الإشراق؛ هو السرعة في الدوران، لا الثبات في المعنى. وهكذا، حين يُختزل الفعل في مردوده الاقتصادي، تنفصل الحركة عن غايتها، ويغدو النشاط دورانًا في الفراغ، مهما بدا صاخبًا.

ومع مرور الزمن، لم يَعُد هذا التحوّل يُدرَك بوصفه انحرافًا، بل صار يُعدّ تطورًا طبيعيًا. فالوظائف التي كانت في الأصل هامشية، أضحت مركزية؛ وما كان يُحتاط منه خوف الانزلاق، صار يُحتفى به بوصفه محرّك المجتمع. وبذلك انتقل مركز الثقل من البعد الرمزي إلى البعد الكمي، ومن الإشارة إلى المعنى إلى الرقم المجرد.

هذا التحوّل لم يكن مجرّد تبدّلٍ في السياسات أو النظم، بل مسّ البنية العميقة للنظر إلى الإنسان ذاته. فالإنسان الذي كان يُفهم باعتباره كائنًا مُكلَّفًا بالتحقق، صار يُرى بوصفه فاعلًا اقتصاديًا قبل كل شيء. ومجال السياسة الذي كان انعكاسًا لنظامٍ كونيّ متدرّج، غدا ساحة تنافسٍ على الموارد والنفوذ.

إنّ ما حدث لم يكن سقوطًا فجائيًا، بل انزلاقًا بطيئًا، يَستبقي الأشكال ويُفرغها من مضامينها. فالألقاب بقيت، والطقوس استمرّت، لكن الروح التي كانت تمنحها معناها تراجعت. وهكذا نشأت مفارقةٌ لافتة: حضورٌ كثيف للرموز، يقابله غيابٌ للمرجعية التي تُبرّرها.

وعندما تُفقد الغاية المتعالية، يتكاثر الفعل بلا معيار. فيغدو النشاط معيارًا لنفسه، وتُقاس الحياة بكمّ الإنجاز، لا بنوعيته. ومن هنا يتولّد شعورٌ دائم بالافتقار، لأن ما يُراكم لا يُشبِع، وما يُمتلَك لا يُغني. فالدافع الذي كان في الأصل موجَّهًا إلى العلوّ، انقلب نحو الأسفل، واستُبدلت فكرة الارتقاء بفكرة التوسّع.

ذلك هو جوهر الانحطاط: ليس في كثرة الأفعال، بل في انقطاعها عن مصدرها العلوي؛ ليس في غياب النظام، بل في فقدان معناه. وعندما يُختزل الإنسان في وظيفته الاقتصادية، تُختزل أفعاله في نتائجها المادية، وتُختزل الدولة في جهاز إدارة، لا في رمزٍ جامع.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الفعل حين ينفصل عن التعالي، يتحوّل إلى حركةٍ بلا قبلة. قد تزداد سرعته، وتتضاعف أدواته، لكنّه يفقد اتجاهه. وحين يفقد الاتجاه، يصبح كل تقدّمٍ احتمالًا لسقوطٍ أعمق، لأن الحركة التي لا تستند إلى مبدأٍ أعلى، لا تجد ما يردّها إذا تجاوزت حدودها.

وهكذا تكتمل دائرة التحوّل: من فعلٍ يخدم الروح، إلى فعلٍ تُستَخدم فيه الروح ذريعة؛ من سلطةٍ تتقوّى بالرمز، إلى رمزٍ يُستنزف لخدمة السلطة؛ ومن معرفةٍ تقود إلى التحرّر، إلى معرفةٍ تُبرّر الامتلاك. وعند هذه العتبة، لا يعود السؤال عن كثرة الإنجاز، بل عن نوع البوصلة التي تُوجّهه: أهي متجهةٌ إلى العلوّ، أم مستغرقةٌ في حسابات الأرض؟

ومهما يكن من أمر، فإن نزع القداسة عن الفعل السياسي عبر فقهاء القانون، وعن الفعل الاقتصادي عبر النقابات التجارية، أفضى إلى قيام قطبٍ مزدوجٍ في مجاله أخذت الحياةُ التقليدية تختنق شيئًا فشيئًا. في البداية تجلّت هذه المساوقة الموضوعية في تمدّدٍ غير طبيعي للمجال الملكي، من حدودٍ لازمةٍ لكفاية أهله، إلى مجموع المملكة بأسرها. وذلك هو الاستبداد بمعناه الدقيق: اختزال الجماعة إلى كتلةٍ رقمية، لا غاية لها إلا إرضاء نزوة العاهل.

كان الاستبداد، في هذا السياق، درعًا يحمي المضاربة، متيحًا لها تجاوز القيود التي تفرضها التقاليد الدينية على الفعل حفاظًا على وجهته الروحية. وبالتسلّل إلى مفاصل الدولة مقابل المال المدفوع للملك، استردّت المضاربة لصالحها الامتياز السياسي الذي كان من نصيب النبلاء، إذ دفعت الملك إلى استقدامهم إلى البلاط لمراقبتهم وتعطيل فاعليتهم. وفي موازاة ذلك، شنّت هجومًا على التنظيمات التقليدية للحِرف والفنون، حيث كان الفعل، الخاضع لدافعٍ روحي، يُكرّس الألفة والتضامن بين المعلّم والصانع والمتدرّب، ويقصي المضاربة والمنافسة الغادرة والاحتكار.

ولمّا تعذّر عليها تحطيم هذه البنى التقليدية مواجهةً، بادرت أولًا إلى تقنين النشاط الدنيوي، ورفع دافع الإثراء المادي إلى مرتبة المعنى الأوحد للوجود الإنساني. لم يعد الإنسان يُرى ككائنٍ يتوسّل بالفعل لتحويل قدره الراهن وتزكيته، بل صار مجرّد منتِجٍ ومستهلكٍ لسلعٍ تُحدَّد قيمتها في سوق المضاربة، بمعزلٍ عن كل مرجعيةٍ روحية.

ثم انتقلت المضاربة في طورٍ ثانٍ إلى الاستيلاء على إطار التنظيمات ذات الطابع التهيئي عبر ما عُرف بـ“الماسونيين المقبولين”، فاشترت مراتب الإتقان، وعرقلت ترقّي الصنّاع والمتدرّبين، وأخضعت كل تقدّمٍ – كان من المفترض أن يكون روحيًا صرفًا مرتبطًا بأهلية صاحبه – لسلطان النقد الرنّان. وبفضل المال، غدت مراتب الإتقان وراثية، وأفضت إلى قيام احتكاراتٍ تخنق الدعوات الصادقة، ما لم ترضَ بخدمة تلك الاحتكارات.

أما التنظيم التهيئي الذي صمد أطول زمن، فكان نظام الرفقة الحِرَفية، بحكم ما يتصل بوظيفة أعضائه من ترحالٍ وتنقّل. وأينما كان العمل مستقرًا سكونيًا، انهارت المقاومة تباعًا، كلما خبا الروح التقليدي في نفوس القائمين عليه، وكلما صار الدافع المادي الغاية الوحيدة للعيش.

وبعد لويس الرابع عشر، الذي بلغ معه الاستبداد ذروته، أخذ يبدو للقوى المالية التي نصبته حاجزًا ينبغي إسقاطه لتستكمل منطقها إلى نهايته. ومن هنا انطلقت حركة الاضطراب الفلسفي باسم “المساواة الطبيعية بين البشر” و“الحرية” و“التقدّم”؛ شعاراتٌ استثمرتها المضاربة بلا هوادة عبر قنوات التنويرية السياسية والأدبية، فحرّكت أوتار العاطفة واللاعقل في الجماهير تمهيدًا لإضفاء الشرعية العلنية على تخريبٍ تجاريٍّ كان قد استقرّ في عمق الدولة منذ أمد بعيد. وكان إعلان الجمهورية بعد 1789 – جمهورية التجّار ولأجل التجّار – مقترنًا بوثيقة إسباغ الشرعية في صورة “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” بصيغته التجارية، التعبير الأبرز عن هذا التحوّل.

هذا المسار من تقويض الدولة لصالح منطق السوق، الذي جرى في فرنسا طويلًا وخفيًا حتى 1789، كان قد اكتمل في إنجلترا منذ القرن السابع عشر، في ظل الأنجليكانية ولا سيما البروتستانتية التي وفّرت له غطاءً نفسيًا قويًا. وفي أمريكا، وُلدت الديمقراطية تجارية النزعة منذ نشأتها بفعل تطهّريتها الصارمة، وكانت السكينة الظاهرة لتأسيسها تجد متنفسها في إبادة السكّان الأصليين باسم “حرية المبادرة”، حتى غدا الأمر مألوفًا. والأمر نفسه يصحّ على إيطاليا، حيث جرى تتويج القيم التجارية تحت رعاية قسوةٍ ساخرةٍ نشوانة، صاغها ميكيافيللي في صورة دليلٍ تمهيدي – إن لم نقل تقني – للهوّاة والمحترفين.

وهكذا، في جميع النماذج المتقدّمة، أدّى فصل الفعلين السياسي والاقتصادي عن دافعهما الروحي إلى انحدار الدولة من كيانٍ سياسيٍّ ذي رمزية عليا إلى دولةٍ تجارية، وأخضع الوجود كلّه لقيمةٍ وسيطة هي الاقتصاد، بدل القيم الأسمى التي تتمثل في التأمّل والسياسة بمعناها النبيل. ومن ثمّ فإن الملكية البرلمانية في إنجلترا، والديمقراطية التطهرية في أمريكا، وجمهورية التجّار في فرنسا، والمدن التجارية في إيطاليا، ليست سوى تجلياتٍ متعدّدة لصيغة “الإنسان الاقتصادي”، أي ارتهان الإنسان لقيم السوق.

وفي هذا المناخ، يُخلط بين المعرفة والعلم النفعيّ العملي، ويُقصى – بدعوى اللاواقعية – كل فكرٍ لا يُفضي إلى ربح. وفي عالمٍ لم يعد الإنسان فيه مالكًا للاقتصاد، بل مملوكًا له، يتبدّل معنى العمل ذاته: لا يعود أداة تحرّر، بل يصير قدرًا دائمًا وحكمًا لا انفكاك منه، تتضح معالمه أكثر مع بزوغ المجتمع الصناعي، حيث يغدو الإنتاج قيدًا، لا معبرًا إلى السموّ.

بقلم حمزة بن عيسى

Related posts

* الانقلاب الاستتجاري للدولة

الرصيد الروحي السلبي

الحداثة في ميزان حضارة الكينونة