الرصيد الروحي السلبي

في هندسة الخلاص كما تتصوّرها التقاليد السامية التي دشّنها سيّدنا إبراهيم الخليل، تتصدّر منزلةُ الإيمان المشهد. غير أنّ الإيمان، في معناه العميق، لا يُختزل في تصديقٍ ذهنيّ أو انفعالٍ وجداني، بل يحيل إلى سرّ الكينونة نفسها، بوصفها في آنٍ معًا محلّ الإرادة الإلهية وأداتها: أمر الله.

وإذا اتخذنا الحالة الإنسانية مرجعًا، ضمن أفق الأرثوذكسية التقليدية، أمكن تمييز وضعين رئيسيين للإيمان. الأول هو حال الرسل والأنبياء، حيث يكون الإيمان امتلاكًا فعليًا وحاضرًا لفورية سرّ الوجود، متجاوزًا كل تعاقبٍ سببيّ خطّي، ومستندًا إلى الوحي بوصفه إلهامًا ميتافيزيقيًا، وإلى الكشف بوصفه حدسًا عقليًا مباشرًا. هنا تتنزّل النعمة الإلهية على الإنسان، فتتجلّى إمّا منذ ميلاده، أو تتأخّر عن قصدٍ حتى اللحظة المقدَّرة لإعلان الرسالة.

ومقام النبوّة – فضلًا عن مقام الرسالة – يستبطن مرتبة آدم القديم، حيث تكون “معرفة الأسماء” تعبيرًا عن اندماجٍ شامل في أحوال العالم وقوانينه. وهذه المرتبة، التي يشير إليها أيضًا وصف “خليفة الله”، تجسّد الحقيقة التقليدية القائلة إن المعرفة أسمى من الفعل، لأنها تحتويه وتمنحه معناه قبل أن يتعيّن في حركة.

أما الحال الثاني فهو حال عامة البشر، حيث يظهر الإيمان في صورة نعمةٍ كامنةٍ وسلبية، إمكانيةً قابلة للتحقّق، لا تتحوّل إلى فعلٍ إلا بقدر ما يلتزم صاحبها بمبادئ التقليد ويُطابق سلوكه عليها.

هنا ينقلب نسق العلاقة بين الفعل والإيمان: فالفعل – سواء أكان شعائريًا أم مندرجًا في سائر مظاهر الالتزام بالتقليد – يغدو الشرط الضروري والكافي لانتقال الإيمان من طور القوّة إلى طور التحقّق. فإذا غاب هذا الترتيب عن وعي الإنسان، أو التبس عليه، حدث انحدارٌ في الملكة العقلية العليا، وتكوّن ما يمكن تسميته بـ“الرصيد الروحي السلبي”. ومعه يأفل البعد فوق الطبيعي، ليُفسح المجال للفردانية والنزعة الطبيعية.

في الغرب، حيث تبلور هذا المسار وتجذّر تاريخيًا واجتماعيًا حتى أفضى إلى العالم الحديث، لم يكن الرصيد الروحي السلبي ثمرة عاملٍ واحد، بل حصيلة عوامل متعدّدة، تبدو متناقضة في ظاهرها، غير أنها تصبّ جميعًا في مجرى استراتيجية مناهضة للتقليد.

ومن بين هذه العوامل، يمكن عزل ثلاثة محاور رئيسية، سنفرد لكل منها بيانًا مستقلًا، اقتضاءً لمنهج العرض، على أن يجمعها خيطٌ ناظم واحد: تحويل الإمكان الروحي من طاقةٍ معدّة للتحقّق، إلى عبءٍ مؤجَّل، ثم إلى غيابٍ يُعاد تعريفه بوصفه “تقدّمًا”.

1 – يتمثّل العامل الأول في وهن الروح التقليدية داخل المؤسسة الكنسية ذاتها، حيث خفتت وظيفة صيانة المقدّس وتعليمه تدريجيًا أمام استفحال بيع المناصب، والجبن، والانحلال الأخلاقي. والحق أنّ هذا الاحتجاب لم يكن طارئًا محضًا، بل كان كامنًا بذرةً منذ اللحظة التي نُقلت فيها حقائق ميتافيزيقية – ولا سيما في صيغتها الهلّينية البولسية – إلى الخارج في هيئة عقائد وأسرار، فاصطدمت بأصفى ما في العقل من قابليةٍ للفهم المباشر.

فالصراعات المذهبية التي عرفتها الكنيسة حتى مجمع نيقية في القرن الرابع للميلاد لا تنفصل عن هذا الإخراج الخارجي للمسيحية، وهو إخراجٌ اقتضته وظيفتها الخلاصية لتخاطب أوسع جمهور، خصوصًا في بيئاتٍ كانت تقاليدها الإغريقية-اللاتينية، والجرمانية-النوردية، والكلتية قد أصابها الانحلال منذ زمن. ومع ذلك، ظلّ الانتظام التقليدي محفوظًا ما دامت هناك استمرارية بين التهيئة – أي التعليم الميتافيزيقي الباطني – وبين الكنيسة التي ليست في حقيقتها إلا واجهته الظاهرة وجهاز تنفيذه.

غير أنّ الكنيسة، كلما ضعفت قابليتها لتلقّي التأثير التعليمي للتهيئة، فقدت قدرتها على الحسم في القضايا المصيرية، بل انخرطت أحيانًا في دوّامة الخارج، فصارت أداةً غير واعية لما يجاوزها، قبل أن تنقلب لاحقًا ضحيةً له. وتسارَع انهيار التقليد – عبر من يُفترض أنهم ممثلوه النظاميون – مع القضاء على النظام التهيئي للهيكل، ثم مع انتقال مركز التأثير انتقالًا حاسمًا.

وعندما يصيب داءٌ كهذا جسد حضارةٍ تقليدية، فإنه يعلن سحب “تفويض السماء” من أيدي من لم يعودوا أهلًا له. عندئذٍ لا ينهار التقليد في مبدئه، بل في صورته المعاشة؛ فيتحوّل أولًا إلى جملة أفعالٍ خارجية منتظمة، ثم يغدو بمرور الزمن إرثًا آليًا فاقد الروح، قبل أن ينحدر إلى خرافة، لأن معناه لم يعد مفهومًا. وهنا تُفسح الساحة لقوى سفلية كانت كامنة، مروَّضة، بل ومصعَّدة في سُلَّم المراتب الاجتماعية.

2 – وكأثرٍ ملازم لما سبق، برزت النزعة العقلانية والطبيعية من خلال الظاهرة الإنسانية التي أشرنا إليها من قبل، فلا حاجة إلى إعادة بسطها. لقد ارتفعت مقولة “الإنسان” بوصفها مرجعًا مكتفيًا بذاته، فانفصل العقل عن جذره الماورائي، واستقلّ العالم الطبيعي بقوانينه دون إحالةٍ إلى مبدأٍ أعلى، فكان ذلك تمهيدًا نظريًا لانسحاب المقدّس من أفق الوجود العام.

3 – ثم جاءت القطيعة الداخلية في الكنيسة ذاتها، المعروفة تاريخيًا بالإصلاح البروتستانتي. النظرة الخارجية السطحية ترى في البروتستانتية ردّ فعلٍ مشروعًا لإعادة المسيحية إلى نقائها الأول، وتجاوز ما راكمته الكنيسة الرومانية من أسباب السخط. غير أنّ الواقع أعقد من هذه الصورة التبسيطية. فحيثما انتصرت البروتستانتية، لم نشهد انتعاشًا روحيًا حقيقيًا، بل تسارعًا في علمنة الدولة والحياة.

هذا التباين بين تطلّع البروتستانتية إلى استعادة المنبع الروحي، وبين مآلها الاجتماعي-التاريخي الدنيوي، يثير مسألة الأهلية الروحية لمن اضطلعوا بمسؤولية الإصلاح. فإذا اقتصر النظر على الغاية المسيحية المعلنة في احتجاجات ويكليف ولوثر وكالفن، بدا التشكيك في أهليتهم طرحًا عسير القبول. لكن حين تُوزن هذه الاحتجاجات بميزان المبادئ العامة لكل وحي، يظهر عليها أثر الانحطاط الإنساني الذي لازمها منذ انبثاقها.

ومن هنا يكتسب الشك في تأهيلهم الروحي وجاهته، ويتضح لماذا أخفقت البروتستانتية في أداء مهمة التصحيح التي كان يمكن أن تكون من نصيبها. بل إن خضوعها لمقولات الإنسانية يفسّر كيف تحوّلت، رغم مظهرها الإصلاحي، إلى أداةٍ – في جانبٍ واسع – لتكريس تقويض الدولة لصالح المنطق التجاري، بل ولإنتاج صورةٍ مزيّفة من الروحانية نفسها.
ومهما يكن، فإن ثلاثة موضوعات كبرى تهيمن على الأفق البروتستانتي:

“الفحص الحرّ” وإنكار كل سلطة روحية.

رفض الجدل الذي يحكم العلاقة بين الدنيا والآخرة في تحديد مصير الإنسان بعد الموت، بما يُسقط مفهوم المطهر وطريق الأعمال كسبيلين محتملين للتطهير وإعادة الاعتبار.

أولوية الإيمان في نظام الخلاص.

ينبغي النظر إلى أنّ شعار “الفحص الحرّ” مثّل، عبر البروتستانتية، أول اختراق فعّال للعقلانية داخل الحقل الديني. وكانت هذه أخطر نتائج تسرّب الاسمية الأوكامية إلى الفكر اللاهوتي. فالاسمية، في جوهرها، موقف عقلاني لا يعترف بالواقع إلا لما يقع ضمن ثنائية “الزمان – المكان”، ويختزل حقائق العوالم الوسيطة والروحية في مجرّد تجريدات ذهنية.

ويُعدّ لوثر المثال الأوضح على تصادم الاسمية مع قابلية روحية كانت قائمة لكنها محدودة العمق؛ إذ وجّه نقده لانحرافات واقعية نحو نقض مبادئ التقليد نفسها، بدل أن يجعله ذلك النقد بابًا للعودة إلى منابعها. وكانت النتيجة المباشرة لهذا الانفصال العقدي إقامة العقل البشري معيارًا أوحد لتفسير الكتب المقدسة، وإبطال كل ما يتجاوز فئاته الإدراكية. فاستُبعد الرمز الديني الذي يحيل إلى حقائق عليا، والذي هو في الأصل أداة لمعاونة العقل على تجاوز حدوده ونقل معارفه النسبية إلى أفق ميتافيزيقي أوسع.

وأبرز مثال على هذا الانقطاع هو تفريغ رمز المناولة (الإفخارستيا) من معناه الروحي العميق، وتحويله إلى مجرد تذكار عادي للعشاء الأخير.

ومع ذلك، إذا كانت العقلانية الإنسانية تُنتج ربوبيةً جوفاء، وتنتهي في أقصاها إلى عنفٍ تاريخي وشعورٍ بالخيبة الوجودية، فإن إلغاء الرمز التقليدي أفضى – مع لوثر – إلى تصور إلهٍ بعيد، منفصلٍ عن خلقه، تاركٍ العالم لنفسه. ومن هذا التصور نشأت وحدةٌ وجودية خانقة، غذّت لدى لوثر عقدة ذنبٍ وحالة رعبٍ روحي اشتدّا بقدر ما أخفقت محاولاته الرهبانية في تجاوزهما، لأنها كانت تفتقر إلى الأثر الباطني الحقيقي.

غير أنّ المأساة تكمن في أنّ لوثر، بدل أن يفسّر إخفاقه باعتباره تعثّر إنسانٍ ضلّ مساره منذ البداية تحت تأثير الاسمية، وسلك طريقًا رهبانيًا لا يوافق طبيعته، عمّم تجربته الخاصة على الإنسانية جمعاء. ومن هنا التصوّر التشاؤمي الجذري للإنسان عنده: كائن ملوَّث بالخطيئة، ساقط سقوطًا لا رجعة فيه. وبناءً على ذلك رفض مبدأ الخلاص عبر الأعمال، كما رفض المطهر، وهما مبدآن حاضران في مختلف التقاليد المنتظمة.

وبإنكاره المطهر واعتباره الأعمال عديمة الجدوى، ربط لوثر الخلاص بالإيمان وحده. وهنا يبرز السؤال: ما معنى الإيمان في سياقٍ لا يعترف إلا بالعقل الخطابي وسيلةً لفهم المعاني الدينية والروحية؟ فمتى أُبطلت سلطة الروح، وأُقصي الرمز الذي يُجذّر التعالي في النظام الإنساني، غدا الإيمان – من حيث هو استعداد روحي – محكومًا عليه بأن يذبل في صورة تديّنٍ غائم.

وينطبق هذا حتى على الأجيال البروتستانتية الأولى، التي كان انضباطها الديني مدينًا أكثر لإشعاع العصور الوسطى القريب عهدًا، لا للقيمة الذاتية للإصلاح ذاته. ومع تعاقب الزمن وتلاشي الأثر الروحي للقرون الوسطى، وترسّخ عقيدة “فصل المملكتين”، تحوّل الإيمان إلى مبدأٍ فارغ، محصورٍ في جملة سلوكيات أخلاقية خارجية، أو مُزاحٍ إلى الحيّز الخاص للأفراد.

ومن هذه المرحلة من تدهور الإيمان، أصبحت البروتستانتية منصة انطلاق للعقلية الحديثة، إذ فصلت الفعل السياسي والاجتماعي عن كل مرجعية دينية، ومهّدت الطريق لقيام الدولة العلمانية ذات الطابع التجاري. وفي أحضانها أيضًا انحدر مبدأ الوحي من مقام الحقيقة المتعالية إلى مجرّد إشكال فلسفي. وهنا فقد الإنسان الإحساس بالدين باعتباره تعبيرًا عن ما فوق الإنسان ووسيلةً للاتصال به، حتى بات لا ينظر إليه إلا كظاهرة نفسية أو اجتماعية يُسوّغها أو يرفضها بحسب مقتضيات العقلانية.

ومن هذا المنبع انطلقت مجمل التأملات الزائفة ذات الطابع “الروحي” التي أُنتجت في الوسط البروتستانتي على أيدي جان جاك روسو وكانط وهيغل، والتي غذّت لاحقًا لا عقلانية نيتشه المتوارثة، ثم – في تلاقٍ مع يهودية منحرفة – المادية الجدلية لدى ماركس، والاتجاه الشيطاني عند فرويد.

بقلم حمزة بن عيسى

Related posts

* الانقلاب الاستتجاري للدولة

الفعل-التعالي- الانحطاط-

الحداثة في ميزان حضارة الكينونة