الاستقلاب التاريخي للمجتمع المسلم: الإشكالية والآفاق

ي دراسة نُشرت في الصحافة الأسبوعية تحت عنوان «العِلم واللا-معنى»، يحاول الدكتور مهند طاهر بلعروسي تنبيه الرأي العام الوطني إلى اتساع الهوّة القائمة بين القرار في مجال البحث العلمي وبين النتائج، التي تأتي – على الدوام – مخيّبة على مستوى المردودات العملية. وما يزيد الوضع هنا بؤسًا ليس شُحّ الموارد المالية، الذي قد يُخطئ البعض في اعتباره سبب هذا المأزق، بقدر ما هي الشروط العامة التي تُتَّخذ في ظلّها الخيارات منذ البداية. فكما يوضّح الكاتب، مستشهدًا بمثال «الميكروإلكترونيات والتقنيات النانوية»، تُرصد أحيانًا مبالغ ضخمة من المال العمومي دون أن تُفضي عمليًا إلى الأثر المرجو، لأن الاختيارات تكون في غير محلّها. في حين أن ميزانية متواضعة، إذا اقترنت منذ البدء بخيار بحثي سليم، كفيلة – في ظل التسهيلات التي أتاحها التطور العلمي والتقني – بمضاعفة النتائج ميدانيًا.

هذا الاختلال بين ما يُخطَّط له في بلدٍ مسلم وما يتحقّق فعليًا في مجال البحث العلمي، لا يقتصر في الواقع على هذا المجال وحده، بل يطال مختلف مستويات النشاط الاجتماعي. وإذا كانت هذه العاهة تعود – كما يشير الدكتور بلعروسي – إلى إشكال «حضاري في جوهره»، فإن ملاحظتها تتأكد لا في الجزائر فحسب، بل في كامل المجال الجغرافي والبشري الممتد «من طنجة إلى جاكرتا»، وفق التعبير البنّابي. وعلى النقيض من ذلك، يلفت الكاتب إلى ما يميّز الغرب من استمرارية وتنسيق بين النظام العلمي والنظام السياسي، الأمر الذي أفضى – بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 – إلى تصغير وسائل تخزين المعلومات عقب اكتشاف الترانزستور، وما ترتّب عن ذلك من تحوّلات جذرية في الحياة اليومية للبشر منذ تسعينيات القرن الماضي، مع بروز الحاسوب على المستوى الاجتماعي.

ويُظهر هذا التشخيص المزدوج أن ثمة وعيًا آخذًا في التبلور، في العالم الثالث عمومًا وفي العالم الإسلامي خصوصًا، بشأن الاندماج في المسار التاريخي الجاري. كما يدلّ أيضًا على أن الأفكار التقنية ليست غريبة عن ذهن الإنسان المسلم، بل إنه يستوعبها في تصوّرها، بل وقد يكون حاملًا محتملًا لأفكار أخرى من الطبيعة ذاتها، قابلة للتثمير والإخصاب.

ومن مجموع هذه الاعتبارات يتبيّن أن الإشكال الجوهري، المتصل بموضوع استقلابنا التاريخي الفاعل، لا يعود إلى دعوى وجود عيب بنيوي مزعوم يشلّ قدراتنا، بقدر ما يعود إلى فحص الشروط العامة التي تُتّخذ في إطارها الخيارات دون أن تُفضي إلى الأثر المنشود. ففي تحليل هذه الشروط يكمن عُقدة الإشكالية المفسِّرة لضعف أدائنا التاريخي إلى اليوم، وفيها أيضًا يكمن مفتاح الحل الملائم.

إن المقارنة التي يقيمها الدكتور بلعروسي بين مجالين حضاريين-تاريخيين، أفضت نتائجهما إلى مسارين متعاكسين، تثير على الأقل سؤالين:

لماذا يؤدّي الخيار في مجال من مجالات الوجود، كالبحث العلمي، في الغرب، إلى فعل اجتماعي منسَّق وإلى النتائج المرجوّة؟

ولماذا تُرتهن الإرادة ذاتها، كلما وُضعت في سياق المجال الإسلامي والعالم الثالث عمومًا؟

ومن خلال فحص معطيات هذين السؤالين في ضوء رؤية كونية ملائمة، يستطيع الملاحظ أن يحدّد أسباب تعثّر الاستقلاب التاريخي للمجتمع المسلم عمومًا، والذي لا تمثّل إخفاقات البحث العلمي فيه سوى حالة خاصّة. ومن جهة أخرى، يمكن للملاحظ ذاته أن يضع – ابتداءً – الفكرة، ثم معالم استراتيجية نهوض تتلاءم مع خصوصيات المجتمع المسلم.

وعند الشروع في تحليل الحضارة الغربية الحديثة، يلاحظ المتأمّل الواعي أنها مسار معقّد انطلق في أواخر العصور الوسطى، بدفعٍ ذاتيٍّ داخلي، تحكمه منطقه الخاص. وقد قاده ذلك تدريجيًا إلى إعادة توجيه المعنى الوجودي، عبر القطيعة مع التعالي اليهودي-المسيحي، وإحلال الدافع المادي محلّ الدافع الروحي.

إن تتويج الدافع المادي في صميم الوجود، ليغدو محدِّدًا للسياسة والقانون والحرب والثقافة، هو ما أضفى الشرعية – منذ نحو ستة قرون – على قيام «الدولة التجارية» وإمكان قيام «الدولة العنصرية» في الغرب.

وهذان النمطان من الدولة الحديثة، اللذان تستند مشروعيتهما على نظريتي «العقد الاجتماعي» و«الشعب المُنتدَب برسالة»، غذّيا داخل حدودهما التاريخية ظاهرة التفقير الاجتماعي في القرن التاسع عشر، كما غذّيا الحربين العالميتين في القرن العشرين. وخارج تلك الحدود، شرّعت هاتان الصيغتان للدولة الحديثة – القائمة على دوافع غرائزية وطبيعية – على نطاق واسع ممارسة الاستعمار والحماية، وهي ممارسات استمرّت حتى بعد الاستقلال الشكلي للبلدان الخاضعة، عقب سنة 1945.

وفي هذا السياق، تلعب النخب السياسية في البلدان المتضرّرة، بوعي أو من دونه، دور صدىً للنموذج الغربي السائد، عبر إعادة إنتاجه محليًا بوصفه متنفسًا طرفيًا للتوترات المتولّدة أو الكامنة في المركز الغربي المهيمن. وتتيح لنا هذه الملاحظة الولوج مباشرة إلى تحليل السؤال الثاني، المتعلّق بإشكالية الاستقلاب التاريخي للمجتمع المسلم والعالم الثالث عمومًا.

إن المعطيات الخام التي تواجه الملاحظ للمجتمع المسلم، كما تشكّل خلال قرنين تقريبًا، يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:

إن أدنى درجات الانحطاط التاريخي لمجتمعنا تزامنت مع القرن التاسع عشر وبداية الاستعمار المباشر أو غير المباشر، وهي مرحلة انتهت بإقصاء المعطى الإسلامي قسرًا من المجال السياسي، بوصفه دافعًا وجوديًا مغايرًا للنموذج الغربي الحديث.

إن ما يُسمّى بالنهضة (النهضة) كان في جوهره ردّ فعل على التوغّل الأجنبي في دار الإسلام، أكثر منه دفعة ذاتية لإعادة تفعيل النموذج الإسلامي اجتماعيًا، عبر تكييفه مع وسائل عصره. وهذا الطابع التفاعلي يفسّر لماذا أنتجت النخبة المسلمة خطابًا يفترض ضمنيًا أن النموذج الغربي السائد هو المثال الواجب تقليده.

أما المحور الثالث فيتعلّق بالصراع السياسي الذي أفضى، بعد أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، إلى قيام دول مستقلة شكليًا، حاملة للنزعة القومية وإقصاءاتها، وللدولة التجارية بصيغها الرأسمالية والاشتراكية، ثم النيوليبرالية.

لقد كرّست هذه المراحل التاريخية، بأشكال شتّى، إخضاع المجتمع المسلم سياسيًا وإيديولوجيًا من الخارج، أي من الفضاء الغربي الحديث، وهو ما سمّاه مالك بن نبي «الاستراتيجية الطرفية»، الرامية إلى إبقاء العالم الإسلامي والعالم الثالث عمومًا في موقع المتنفّس الطرفي لتوترات الغرب، المرتبطة بالمنطق الحيواني للدولة التجارية، وأحيانًا للدولة العنصرية.

ويزداد هذا التشخيص وجاهة إذا لاحظنا أنه بعد خمسة إلى سبعة عقود من الاستقلال السياسي، لم ينجح الوزن الاستراتيجي الكامن للعالم الإسلامي في التعبير عن نفسه دوليًا. كما أن هذه المدّة الزمنية كافية – وفق الرؤية البنّابية – للقول إن إخفاقات استقلابنا التاريخي لا تعود إلى نقص في الكفاءات العلمية والتقنية، ولا إلى عجز مالي حقيقي، بل إلى غياب استراتيجية إيديولوجية وسياسية.

فالكفاءات العلمية والتقنية للمسلمين ثابتة بآلاف الباحثين المندمجين في البحث الغربي، فضلًا عن مئات الآلاف ممن يرزحون في بلدانهم. كما أن الوفرة المالية ليست الضامن الحاسم للاستقلاب التاريخي؛ فدول الخليج، التي تكدّس تريليونات الدولارات، تفضّل إيداعها في المصارف الأنغلوساكسونية بدل تسخيرها لتحرير طاقات الإنسان المسلم، لتغدو مجرد ملحق في الاستراتيجية الأمريكية-الصهيونية.

وإذا لم يكن الإخفاق ناجمًا عن نقص الكفاءة أو المال، فإن الإشكال يتحدّد في غياب استراتيجية إيديولوجية وسياسية. فالنموذج الغربي الحديث، القائم على إقصاء الروح وتقديس المادة، قدّم مثالًا متكاملًا لانسجام الدافع الوجودي مع الدولة والثقافة والمجتمع، منتجًا فعلًا اجتماعيًا فعّالًا. أمّا المجتمع المسلم، فبسبب غياب التوضيح الإيديولوجي، وجد نفسه ينقل نماذج أجنبية نقلًا شبه آلي، فيتحوّل إلى متنفس طرفي للحضارة الغربية.

إن إعادة الاعتبار للمعطى الإسلامي، بوصفه مركز المشروع السياسي، هو الشرط الأول لإنهاء هذا الوضع. فذلك وحده يعيد ترتيب الوجود حول الدافع الروحي، ويجعل السياسة والقانون والاقتصاد والثقافة في خدمة الإنسان بوصفه «خليفة الله في الأرض»، لا مجرّد أداة في آلة الربح.

وعندما تُستعاد شبكة الروابط الاجتماعية تحت إلهام القيم الروحية، يصبح الفعل الاجتماعي المنسَّق ممكنًا، من قمة الدولة إلى قاعدة المجتمع وبالعكس. وقد بدأت تلوح بالفعل مؤشرات مشجّعة في بعض بلدان العالم الإسلامي – في آسيا وتركيا وإيران – رغم القيود والتحديات، بما يؤكّد راهنية الرؤية البنّابية القائلة بتفوّق «السلطة الاجتماعية» على «السلطة المالية»، وأن الاستقلاب التاريخي ليس حلمًا مؤجّلًا، بل إمكانية مشروطة بإرادة حضارية واعية. هذه الهوّة، التي ليست سوى الوجه الآخر لفراغٍ إيديولوجيٍّ عميق، تفتح الطريق أمام قرارات غير ملائمة، حتى حين تكون النيّة الحسنة مؤكَّدة، ويكون ثمنها الاجتماعي دائمًا هو الإخفاق العملي على أرض الواقع.

حمزة بن عيسى

Related posts

* الانقلاب الاستتجاري للدولة

الرصيد الروحي السلبي

الفعل-التعالي- الانحطاط-