ما هي كيمياء السعادة ؟
حمزة بن عيسى
من جملة ما يُذكر في التّراث الصّوفي الإشارةُ إلى كيمياء السّعادة كمنهج من مناهج التحقيق الرّوحي مبنيٍّ على المجاهدةِ والرّياضةِ لتطهيرِ النّفس من الرّذائلِ ولتحلّيها بما يُرضي اللهَ حتّى تصلَ إلى معرفتِه تعالى. ومنهج الكيمياءِ واردٌ في كلّ الرّسالاتِ السّماوية وإن كان ذلك بِتسمِيةِ وأساليبِ مختلفةٍ سواءٌ في الصين وفي الهند أو في أوربا القديمة أو في أمريكا قبل استيطانها من قبل الأوربيّين. وقد ورد عند العرب أنّ الكيمياء من التراث الرّوحي المنسوبِ لِسيّدنا إدريس (ع) المرفوع حيًّا أو القطب الغوث. ما يضع هذا العلم في عهد ما قبل سيّدنا نوح (ع). وبحسب ما يُعطيه تاريخ الأفكارِ فإنّ تسمية الكيمياء ترجع إلى الحضارة المصرية القديمة يُشارُ بها إلى تراثٍ روحيٍّ عريقٍ هدفه معرفة الأكوان ذوقًا بعد التلقين (l’initiation) وكان معدًّا للطّبقة العسكرية والسياسية. والكيمياء ما هي إلاّ جزءٌ ممّا أوحت في مصر الحضرة الرّساليةُ الرّبانية إلى الطبقة المقدّسة (la caste sacerdotale) الحافظةِ لأركانِ الدين والمُنشرةِ لها. ثم انتقل هذا التراث إلى اليونان في سياق فُتحاتِ الاسكندر ذي القرنين بعد أن شعر اليونانيون أنّ الحضرة الربّانية الرّسالية المسمّاة بــ » ثوث » (Thoth) في مصر هي نفس الحضرة المسماة عندهم » هَرمَس » (Hermes) أي الكيان الرّوحي الذي يُبلغُ لهم عن اللّه. ثم انتقل هذا التراث إلى الحضارة الإسلامية وبواسطتها إلى الحضارة المسيحية. وما كان الإدماج ممكنًا في الحضارتين الأخيرتين إلاّ لأنّ الكيمياء جزءٌ ثانويٌ من الرّسالة المصرية ولأنّها منهجٌ ذو معالمَ رمزية لا يؤثّر إدماجها على نمط ولا شكل الرّسالتين الإسلامية والمسيحية ولا يناقض التوحيد بالله.
وقد أحدثت هذه المعطيات التاريخية التباسًا خطيرًا في ذهن بعض الفقهاء الذين تلقّوها بوجهها الظاهر لجهل سرّها وخوفًا أنّ الكيمياءَ تحمل بالضرورة الزّيغ والانحراف من خلال ما تدّعيهِ. ولذا رأى بعض الفقهاء في الكيمياء بدعةً لا علاقة لها بالإسلام وحكمَ بعضُ الآخر عليها بالكفر رغم موقف المُحقّقين منها كالإمام جعفر الصادق (ع) أو كالإمام أبي حامد الغزالي (ر) أو كالإمام أبي الحسن الشاذلي (ر). والعامل الذي زاد تعقيدا لفهم مسألة الكيمياء وتحفُّظًا عليها يومنا هذا فهو المعنى الذي ألحقه بها الفكر الحديث عند دراسته الظاهرة الدينية في تاريخ البشر. ويكمن هذا المعنى في استبعاد حقيقة التوحيدِ في العهود القديمة لجعل محلّه الشّرك كالواقع الأولِ للدّينِ. إلاّ أنّ هذا الرأي تمّ بناءً على مسبّقات فلسفيةٍ مستَتِرةٍ بِقناعٍ علميٍ حتى لا يُحتجَّ عليها مع أنها مجرّد فرضياتٍ ضعيفةٍ مسخّرةٍ لِتصوّر القوّة المالية بعد أن استلمت مقاليد الحكم السياسي في أوربا. ومن هذه النّظريات نظرية التّطوّر ونظرية التحليل النّفسي ونظرية قصدِ المعيشة كأوّل وآخرِ حاجةٍ لوجودِ البشرِ.
ولِفهمِ وجوهِ مسألةِ الكيمياءِ من الضّروري أن تتخلّصَ الآفاقُ الدّينيةُ من مفتريات الفكرِ الحديثِ بتأكيدِ مبدأِ التوحيد الصّرفِ عند الإنسانِ القديمِ وبتأكيدِ واقع النّبوّةِ والرّسالةِ عند كلِّ البشرِ على اختلافِ أنماطِها وأشكالِها تصديقًا لقوله تعالى ﴿ وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذيرٌ﴾ (فاطر، 24) وتصديقا لما وصل إليه التحقيق بما جاءت به الكتب المقدّسة في الفضاء السّامي وفي الهند وفي الصين بعيدًا عن هوى المستشرقين الفكرية والفلسفية. ونضيفُ إلى هذه التأكيدات التأكيد أنّ الشركَ ظاهرةٌ ثانويةٌ طرأت على الإنسانِ في المراحل الأخيرة من طورِه وأنّه ليس عَقيدتَه الأولى. إنّ التّحرّرَ من قيودِ مُسبّقاتٍ فكريةٍ مشبوهةٍ يُعيدُ قيمتَها لِوحدة الإنسانِ في كثْرتِه لوحدتِه الرّوحية، كما جاء ذلك في سياق الرّسالاتِ السّماوية وكما يؤكّدُ البحث العلميُّ نفسَ الوحدةِ ولوْ جزئيًا إذ اكتفى بالجانبين الجسدي العضوي والنّفسي، علمًا أنّ مغزى الرّوح من وراءِ طورِ النّظر. إنّ تحقيقَ وحدة الإنسانِ الرّوحيةِ يُفضي إلى فهمِ الثّوابِتِ التي تُرقّمُ وجودَ الإنسانِ على اختلافِ ألوانِه وألسِنتِه كالاعتِقاد بِرُبوبيّةِ الأربابِ والاستِقامة على الرّجلين ووظيفة الكلام وكالتّصوّر الوجودي والقوّة التقنية أو كخليّة الأسرة والحياة الاجتماعية الخاضعة للأحكامِ الشّرعية أو كاليقين أو الاعتقادِ بحياةٍ بعد المماتِ وذاتِ علقةٍ جدليّةٍ مع الحياةِ الدّنيا وأخيرا كالسّلوك الرّوحي الذّي يُمكّن الخاصةَ بلوغَ ما لا يُمكنُ تخيُّلُه عند العامّة.
وبعد هذا التّوضيح التّابعِ لمكانةِ الكيمياءِ الرّوحيةِ بقيَ لنا أنْ نُفسّرَ معنى كلمةِ » الكيمياء » وما هو أساس دورِها في تأديبِ الإنسانِ. فبِحسبِ ما أورده الشيخ عبد الواحد يحي فإنّ كلمة » الكيمياء » بالمصرية القديمة تعني » الأرضَ السّوداءَ » اسمًا كان يُطلِقه المصريون على بلادِهم. ومن الباحثين من أرجع هذه التّسمية إلى كونِ مصرَ أرضًا في القارّة السّوداءِ. وقد يؤيّد هذا الرّأي تسميةُ » إتيوبيا » (Ethiopie) التي تعني » الوجوهَ المحرَقةَ من حرارة الشمس « . إلاّ أنّ تسمية » الأرض السّوداء » واردة عند الكلديين خارج القارة السّوداء. وأنّ عبارةَ » الرؤوس السّوداءُ » واردة في الصين، أي عند قومٍ لا علاقة لهم مع العرقِ الأسود ولا مع القارة السوداء. ما يُلزِمُ بحثَ معنًى آخرَ لهذه الكلمة. فنجده في سُنّة المصريين ذكرهم أرضَهم كأنّها وسطُ الكونِ كلِّه. ما يوحي أنّ في أيّامِها السّاطعةِ كانت مصرُ القديمةِ محلَّ مركزٍ بل محلَّ مراكز روحية تتالت عبر العصورِ وكما تشير إلى ذلك بعض التّسميات المقدّسة مثل » تابه » (THÉBES) و » هليوبوليس » (Héliopolis). إنّ اسم » تابه » قريبٌ نُطقا ومعنًى من كلمة » التابوت » الواردة في القرآن والتي تشير إلى شعيرةٍ حاملةٍ لِسرٍّ روحيٍ بمثابة مركزٍ ينظّم الوجودَ الشّهادي. أمّا التّسمية الثانية وباختصار فتُشير إلى الإشعاع التّام لمركزٍ روحيٍ ومقدّسٍ. ما يُبعِدنا من كلّ تأويلاتِ علماء الأثر. إنّ نفس المعنى يُستنبط من عبارة » الرؤوس السوداء » في الصين القديمة وفي التراث الكلديّ.
وإذا كان أمرُ الكيمياءِ كذلك بقي لنا أن نُظهِر سرَّ علاقتِها مع اللّونِ الأسودِ، علمًا أنّ الرّمزية الواردةَ في السّلوك الرّوحي تحملُ معاني متناقضةٍ نسبيًا بحسب الميدانِ الوجودي الذي تنطبقُ عليه. وما دامتِ الكيمياء متعلّقةً بنفوذِ أرضٍ مقدّسةٍ فالسّوادُ التّابعُ لها يحملُ بالضّرورة معنًى روحيًا كما ينبغي بمنبعِها المقدّسِ.
فاللّون الأسودُ هنا يرمز إلى حقيقةِ الرّوح بمعنى إلى أمرِ اللهِ الذي يقيّد كلَّ شيءٍ دون أن ينالَ من حقيقتِه ذلك التقييدُ لأنه غنيّ عن العالمين. ما يشير إلى حضرةِ التّوحيد الرّبّاني التي بقيت على وصلهِ الكيمياءُ في إطار الدّين القيّم الحنيف.
وفي سياق عبارة » الرؤوس السّوداء » نُضيف أنّ عند تحطيمِه دائرة الأصنام المحيطةِ بالكعبة الشّريفة ارتدى سيّدنا محمدٌ (ص أس)عمامَتَه السّوداءَ، إذْ تسقُط الأصنامُ واحدةٌ بعد الأخرى بمُجرّد ما يشيرُ إليها بعَصاه الشّريف. والمشهد هنا يدلّ على أنّ تجلّي الأمرِ الرّبّاني قاهرٌ ويُزيلُ كلَّ الأعراضِ الفاسدةِ والنِّسب. ونذكر في نفس السّياق عادة أهل البيت الأشراف ارتداءَ عمامةٍ سوداءِ في المذهب الجعفري. وسوادُ العمامة هنا يذكّر بمنزلةِ أهلِ البيت الرّوحية الخاصة بهِم إذ طهّرَهم الله تطهيرًا ورفع شأنَهم إلى ما وراء منبعِ الوجودِ المقيّدِ كما جاء ذلك في الصّلاة الإبراهيمية وفي قوله تعالى﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهلَ البيت إنّه حميد مجيد (هود، 73). ورجاءنا من الله أنّنا وُفِّقنَا في إبرازِ شرعية منهج الكيمياء قبل أن نشرع فيما أورده في الموضوع الإمام أبو حامد الغزالي (ر).
***
فرّق جلّ المحقّقين بين كيمياء السّعادة وبين الكيمياء الظّاهرية التي تميل إلى علاجِ العلّةِ النفسية أو العضويةِ في إطار اقتصادِ الحياةِ الدّنيا حتى غفلت عن دواعي الآخرة. وإذا سلّمنا بموجب ما أوردناه آنفًا أنّ رمزيتَها تشير إلى السّلوكِ نحو حقيقةِ الرّوحِ الذي هو وحدةُ إرادتِه تعالى، فكيمياءُ السّعادة تشاركُ مناهجَ السّلوكِ الأخرى في هدفها الأسمى والذي هو توحيدُ اللهِ. وتتميّزُ الكيمياء من المناهجِ الأخرى بتوفير الرّموزِ عندها والمستمدّةِ من المعادِنِ الأرضيةِ كالذهب والفضة وكالكبريت والزّئباق والملح أو المستمدّة من رموز الأفلاك السّبعةِ كالشمس والقمرِ إلى آخره علمًا أنّ هذه الرموز تتعلّق بالبعد البرزخي للإنسان أي بنفسه. ما أتاحها وسيلةَ الإخبار والتعبير عن مراحلِ التحقيق من نقطة انطلاقته إلى هدفِه الرّوحيّ. ومن جهةٍ أخرى إنّ تطابقَ مناهجِ السّلوكِ من حيث هدفُها المشتركُ والذي هو التوحيدُ يمكِّن ظرفيًا إطلاقَ تسميةِ الكيمياء على كلّ الطّرقِ الممكنةِ والدّاعية إلى معرفة الله وسواءٌ أاستقت أم لم تستقِ رموزَها من الكيمياءِ. هذا ما استنبَطناه من رسالةِ أبي حامدِ الغزالي (ر) في » كيمياء السّعادة » حيث لم يُورد فيها الرّموزيةَ المعدنيةَ والفلكيةَ بل دقّق أبعادَ الكيان البشري والقِوى الوجودية النّافذةِ فيه مع إبرازِه مكانةَ القلبِ كمِحورِ السّعادةِ الدّنيويّةِ والأخرويّةِ. ومن جهتِه تطرّق الشيخ مُحي الدّين (ر) باختصار إلى رمزيةِ الكيمياء من خلال ذكرهِ الكبريتَ والزّئباقَ ودرجاتِ الأفلاكِ كعواملِ داخلةٍ في عملية علاجِ النفس حتى يشرقَ نورُ حقيقة صاحبِها. وقد حثّ الشيخ محي الدين على تفوّقِ الكيمياءِ التابعة للنّبوة على الكيمياء التابعةِ لقوة النّظرِ.
ومن جهته شرح الشيخ عبد الواحد يحي المغزى الرّوحي لكيمياء السّعادةِ بإشارتِه إلى رمز الكبريت كقوةِ فاعِلةِ نوريةِ روحيةٍ تعالجُ عِللَ النفسِ المتمثِّلةِ في رمز الزّئباق كقوة منفعلةٍ ظلمانيةٍ ذاتِ رطوبةٍ، وبإشارتِه إلى رمز الملح كنتيجةِ تفاعلِ القُوّتينِ الأوّلين وكاستقامة جانبِ من جوانبِ النفس المقصودِ علاجُها. وهكذا حتى يصلَ صاحبُ النفس إلى معرفةِ حقيقتها والتي هي الروحُ المنفوخةُ فيه وبحسبِ درجاتٍ ومنازلِ متفاوتةٍ وتتمثّل في وصل مقامِ آدم القديم أو في وصلِ مقامِ الكبريتِ الأحمرِ أو الفنى في حضرة الله التي هي أمره تعالى. أمّا عباراتُ الإمامِ أبي حامد فهي تحمل نفس المعاني لكن في شكلٍ مبسّطٍ ليُوصِلَ فهمَ الكيمياءِ لأكبرِ عددٍ ممكنٍ من الفقراءِ السّائرين إلى الله. وتجسيدًا لهذا الحِرسِ من الإمامِ في تبليغِه، فقِراءةُ الرّسالةِ تُظهرُ معطياتٍ أساسيةٍ ومُتناثِرةٍ تخصُّ الكيانَ البشريَّ وممكنٌ ترتيبُها للإطلاع على التركيبِ الخلقي للإنسانِ. وفي مقدِّمتِه حرسَ الإمامُ على ضرورةِ التّعلُّقِ بكيمياءِ السّعادةِ نظرًا لِرسوخِ تعاليمِها في كنفِ الرّسالةِ والنّبوّةِ أي فيما سمّاهُ أهلُ الله الدّين القيّمَ النّبوي الخالصَ وبعيدًا عن ما أنتجه النّظرُ العقليُّ الفلسفيُّ.
وهكذا انطلق الإمامُ أبو حامد من المسلّمةِ أنّ سعادةَ الإنسانِ تحصلُ بمعرفةِ الله تصديقًا لقوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسِهم حتى يتَبيّن لهم أنّه الحقُّ﴾ (فصّلت، 53). وتصديقا لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : [من عرف نفسَه عرف ربّه] ما يُعطي أنّ معرفة النفسِ هي مفتاحُ معرفة الله والتّقرّب إليه تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وتبَتّل إليه تبْتيلاً﴾ (المزمّل، 8). لقد ميّز الإمامُ جانبيْنِ في الكيانِ البشري: جانبًا من عالَمِ الأمرِ وهو الرّوحُ النّابِعةُ من أمرِ اللهِ والمخلوقُ بها كلُّ شيءٍ. وهذا الجانب هو المُكنَّى بالقلبِ وباللّبِّ. فهو محلُّ حضرةِ الله وحضرةِ ربوبِيّتِه وهو منبعُ الكشفِ والإلهامِ. ويُسمّى أيضًا هذا الجانبُ بالجوهرِ لأنّه لا يقبلُ التجزُّؤَ ولا القِسمةَ. وبالنّفخةِ الرّوحيةِ يتفوّقُ الإنسانُ على كلِّ ما سواه من الخلقِ. أمّا الجانبُ الثاني من الإنسانِ فهو من عالَمِ الخلقِ فهو مقيّدٌ بالقسمةِ والتّجزئةِ من حيث جسدُه ومقيّدٌ من التّيارِ الزّمني من حيث لطيفتُه النفسيةُ. وبهذا الجانبِ يتطابقُ الإنسانُ على ما هو عليه عالَم الحيواناتِ. إنّ هذا الجانبَ الخلقيَّ مرتبةٌ أي إنْ شِئتَ مظهرٌ لِبعضِ ما يكنُّه القلبُ أو الرّوحُ. فهو مَجمعُ جهازٍ يلعبُ دورَ مركبةٍ يقُودُها القلبُ طيلةَ نزولِ العبدِ على الأرضِ أو الحياةِ الدّنيا. ولهذه المركبةِ سُلّمٌ تتسَلْسلُ وتتفاعَلُ أثْناءَها قِوى عضويةٌ ونفسيةٌ في إطارٍ تتَبلْورُ فيه صورةُ مملكةٍ أو مدنيةٍ صغيرةٍ يدبِّرُها ملِكُها القلبُ من خلال وُزرائِه وعساكِره.
وهكذا ذكر الإمامُ في قمّةِ النفس العقلَ أو النظرَ. فهو قوّةٌ لطيفةٌ إليها تنتهي الأخبارُ الظاهرةُ والباطنةُ ومنها يصدرُ الحكمُ وينْطلقُ الجوابُ. والأخبارُ تصلُ إليه من خلال الحواسِ والغرائِزِ. والجوابُ ينطلقُ من خلال الأعضاءِ الفاعلةِ. والعقلُ يسمّى وزيرُ القلبِ. ثمّ ذكر الإمام قوّةَ الفكرِ وقوّةَ الحفظِ وقوّةَ الخيالِ أوِ الوهمَ. فهي تُجاوِرُ العقلَ في جهاز الدّماغِ. فهي أُمناءُ سرّه وتساعِده في فهم الخبرِ إليه ليحكمَ بالعدلِ فيما بلغَه وليُصدرَ الجواب الملائمَ بِه.
ثم ذكر الإمامُ قوّةَ الشّهوةِ وقوّة الغضبِ، وهما عبارةٌ عن القوى الغريزيةِ الحافظةِ على الحيوانِ ككيانٍ حيٍّ. وهما تعودانِ إلى مجموعِ قِوى الجاذبةِ والماسِكةِ والهاضمةِ والدافعةِ. ومنازلُ قوّة الشهوةِ والغضبِ تشملُ الأعضاءَ الفاعلةَ والحاسّةَ من اللّسان واليديْن والرّجليْن ومن عضو التّناسلِ والتخلُّصِ من الأوساخِ ومن الأذنيْن والعيْنَينِ والشّمِّ ومن اللّمسِ والذّوق. والشهوةُ واَليُّ القلبِ في المدينة الإنسانية. أمّا الغضب فهو شُحنتُه أو قوّته. ومن جهةٍ أخرى فالحواسُ شبكةُ جواسيسِ العقلِ توصلُ إليه أخبارَ كلِّ ما جرى في المحيط وما جرى في باطنِه. أمّا الأعضاءُ الفاعلةُ فهي عساكرُ تُنَفِّذ الأوامرَ.
وبعد الإطلاع على ما استَقيْناه عند الإمام أبي حامد فيما يخصُّ معرفةَ النفس رُبّما يتساءلُ الفقيرُ أو القارئ عن جدوى الكيمياءِ إن كان جسدُ ونفسُ الإنسانِ تحت إمارة القلبِ أو يتساءلُ عن سببِ شقاءِ العبدِ إن كان كيانُه تحت حكمِ القلبِ ؟ إنّ فهم الأمورِ ليست بالسهولة التي يعطيها ظاهرُها لأنّ المُسلّماتِ الواردةَ آنفًا تتعلّق إلى حدٍّ ما بإنسانٍ حقّق تناغم كيانِه بإيقاظِ قوّتِه الروحية ؛ بينما المسألة تتمحورُ حول ظروفِ ظهور الكيمياءِ كمنهجٍ روحيٍّ وحول ظهور شقاءِ الإنسانِ.
إنّ الكيمياء بالمعنى الرّوحي ظهرت في سياقِ النّبوّةِ العامة وقبل تكريسِ الرّسالة مع سيّدنا نوح (ع) كما يشهد لذلك الخبر الذي أوردناه في الحديث الأول والذي يُرجع الكيمياء إلى عهد سيّدنا إدريس (ع). ما يوحي أنّ حدثًا خطيرا طرأ على طور الإنسانِ بحيث أنّه فقد كمالَه الروحي القديمَ أوْ شرفَ الخلافةِ لِيسقُطَ في مرحلةٍ جديدةٍ من طورهِ صعد فيها نفوذُ القِوى النفسية مع إطلاقِ سراحِ منطقِها. ما يقسم المسألة إلى جزأين : عهد الجنةِ وعهد ما بعد الخروج من الجنةِ. إنّ النّظرَ في هذينِ العهديْن سيأتي بمعلوماتٍ جديدةٍ في معرفة النفس. إذ طال ما بقيَ في الجنة كان الإنسانُ في أحسنِ تقويمٍ. حيث كانت قواهُ النفسيةُ والجوارحيةُ مُنطوِيةً لِهِدايةِ الروح، فلا شهوةَ ولا غضبَ بل توجُّهٌ كلّي وتامٌ إلى الله فحكم الله له في هذه الآية ﴿ إنّ لكَ ألاَّ تجوُعَ فيها ولا تعرى وأنّك لا تظْمَؤُا فيها ولا تضحى﴾ (طه، 118،119).
تفيدُ الآية الأولى والثانية أنّ موقعَ الجنةِ يُخلصُ صاحبَه من هيمنةِ الغريزة الهاضمةِ والمتمثلة في الجوع والظمأ بحيث يُمكنُ للإنسان بمقامِه الروحي أن يستغنيَ عن الأكل والشّرب دون أن ينالَ منه ذلك في شيءٍ من كيانِه. وكان له استِمداده من الله غذاءَه وشرابَه. أمّا نفيُ العُري في الآية الثانية فإشارةٌ إلى أنّ العورَتيْن لم تُذكر في الجنة كعِلّةٍ من عللِ الحيوانات بل تُمثِّل وجهًا من وجوهِ المدِّ المدَديِ الرّبّاني الذي جعل من آدمَ مختصرًا للكونِ دون سواه من الخلقِ. وأمّا قوله تعالى ﴿ولا تضحى﴾ فهو إشارة إلى تخلّص المُضيَّفِ في الجنة من حرارة الشمس وقهر الطبيعة لكلّ ما تُؤويه. نضيف أنّ هنا معنى الضحى الضِّمنيّ في عبارة » تضحى » إشارة إلى النور الوجودي الذي يوحّد كلّ الأشياءِ في أمرِ الله. ذلك أنّ العبد في الجنة ينظرُ إلى الكثرة بعين الوحدة ما يُخلصُه من أوحالِ الغيرية وما يلازمُها من النزاع ومن الجذب وادّعاء الكسب عُنوانَي القوة الدافعة والقوة الماسِكةِ. ما يُعطي أن العبدَ في الجنة مخلَصٌ من نفوذ الغرائز كُلّها.
أمّا بعدما نالت أسبابُ الخروج من حال الإنسانِ، أمره الله بالنزولِ الوجودي إلى الأرض تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ قلنا لهم اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ﴾ (البقرة، 36) وتشير العداوة هنا إلى فتح أبواب جدلية القوى النفسية والتبايُن والنزاع اللذيْن يلازِمانها، فظهر شعور النفس بنفسها والشعور بكيان غيرها ذلك أنّ النّفسَ تنظرُ إلى الكثرةِ بعينِ الكثرةِ. وظهر في نفس الوقت شعورُ القدرة على الفعل وعلى الانفعال وآدَّعت النّفس كسبَ توابِعَ الوجودِ فذاقت طُعم الخلافِ وطعم الخير والشّرِّ وطعم الثّواب والعقاب فحكم الله عليها بالتكليف تصديقا لقوله تعالى ﴿فإمّا يأتينّكم منّي هدى فمن آتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى 123 ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى 124﴾(طه). جاءت هذه الآية لِسدّ وتأديب أمواج الشهوة والغضب المتمرّدين على العقل وزيرِ القلب وعلى القلبِ روحِ المملكة الإنسانية. وفي سياق الرّسالة لجميع النّاس جعل الله مِنهاجًا للخاصّة تصديقًا لقوله تعالى ﴿ لكلّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجًا﴾ (المائدة، 48) مع إمكان ثمرةِ الوصلِ قبل المماتِ كما يشهد لذلك مثل الرّسل والأنبياء ومثل ورثتهم الأولياء. وهكذا بكلّ ما جئنا به إلى الآن يتّضح سبب شقاء الإنسان. وتتسلّط جدوى الشريعة للكلِّ وجدوى الكيمياء للخاصّة لمعرفة النّفس وللتقرّب من الله.
***
بعد ذكر التركيب الخلقي للكيان البشري والزّلّةِ النّفسيةِ التي دفعتْهُ إلى الشّقاءِ بقيَ لنا أنْ نذكرَ وجوهَ الزّيغِ التّابعِ لها. ولِفهمِ المسألةِ في أصلِها النفسي ارتأيْنا أنّه من المُفيدِ أنْ نوضِّحَ المعانيَّ التي تدورُ حول كلِمة الشّيطان والمُقرَنةِ بالشّقاءِ بناءً على ما جاء في كلامِ الله. إنّ عبارة » الشيطان » في جميع صيغِها النّحويةِ وردت أكثر من مائة مرّة في القرآن العظيم، وجرت وما زالت تجري أقدار معانيها منذ أن جعل الله خليفة في الأرض وإلى أن تقوم الساعة. وثبت أن تعلّق معناها بالكيانِ البرزَخي المُسمّى بالجنّ كما في قصّة سيّدنا آدم (ع)، كما ثبت أن تعلّق معناها بالكيانِ البشري كما جاء في إشارتِه تعالى إلى » شياطينِ الإنس والجنّ » (الأنعام، 112). وقد يتعلّقُ معنى الشّيطان بالنّفس البشرية ذاتِها كما ورد ذلك ضِمنيًا في قصّة سيّدنا يوسف (ع) وإخوتِه.
إنّ الخوْضَ في مسألةِ الشيطان صعبٌ جدًّا لاتِّساعِ مجالِها ولِكثرةِ وجوه معانيها كما هو الشّأن في قصّة ظروفِ خروج سيّدنا آدم وزوجته (ع) من الجنّةِ، تلك القصّة التي لا نذكرُها هنا إلاّ للإشارةِ حيث تحتاجُ إلى حديثٍ خاصٍ بها. أمّا في سياق حديثنا الحالي في كيمياء السّعادة من أجلِ عِلاجِ عِلّةِ الشّقاءِ عند الإنسانِ فمعنى الشيطان قد يشمل الاحتمالاتِ الثّلاثَ المذكورةَ آنفًا إذ يحتملُ عاملَ الجنِ والإنسِ والنفسِ ذاتِها.
وسبقَ لأهلِ الله أن فسّروا كلمةَ » الشيطان » من فعل شَطنَ أي ابتعد عن الشيءِ. والشُّطنُ شرعًا هو الزّيغُ عن الأحكام الشرعية والخروج من الفطرةِ. ولِتوضيحِ معنى كلمةِ الشيطان ننطلِقُ فيما يلِي من قوله تعالى مُخبِرا عن منهجِ إبليسِ اللّعينِ نحو عبدِه لِيُضِلَّه: ﴿ قال فبِما أغْويْتنِي لأَقْعُدنَّ لهم صِراطَك المُستقيمَ، ثمَّ لأَتـِـيَـــنّهُم مِنْ بينِ أيدِيهِم ومِن خَلفِهم وعَنْ أيْمانِهم وعنْ شمائِلِهم ولاَ تَجِد أكثرَهُم شاكِرينَ ﴾(الأعراف، 16-17). وإذا سلّمنا أنّ عبارةَ » الصِّراط المستقيم » إشارةٌ إلى الفطرة وانقيادِ الجوارحِ والقِوى النفسيةِ لِهداية الرّوحِ، فكلّما نقِص نفوذُ الرّوحِ لِغِيابِ الإيمان مثلاً أو لضعفِه تُصبحُ الجوارحُ والقوى النّفسيةُ في هاويةِ تضارُبِها إلى ما لا يُحسَن عقباه. ما تشير إليه الآية الكريمة من خلال إطلاقِ سراحِ جدليةِ القوى الوجودية والمتمثلة في الجهات الأربعِ من الأمامِ والخلفِ ومن يمينٍ وشمالٍ. فهي ترمُزُ إلى منابِعَ التّزعْزُع الذي يحدثُ في الكيانِ البشري بين ميلِه لِفعل الخير (يمين) وبين ميْلِه لفعل الشّرِ (شمال) وبين حِرْسه لحِفظه لِما كَسبَه (الخلف) وبين حِرسِه لما سيَجْمعه غدًا (بين اليدين). وكثيرًا ما يُفضي هذا التّنازُعُ إلى تغلُّبِ قوّةٍ على الأخرى مُحدِثةً الأزمةَ النّفسيةَ وعواقِبَها. وقد ذكر السيّد الأمير عبد القادرِ هذه الوضعيةَ في مواقِفِه قائلاً أنَّ صاحِبها لاَ يرى إلاَّ بعيْنٍ واحِدةٍ عِوضَ أنْ يرىَ بعيْنيْنِ أيْ أنّه لاَ يتَوجَّهُ إلاّ بِموجِب هوى القوة التي استوْلت على عزْمِه فيَهلِكُ. فالموسوَسُ بالخوف من شِدّةِ العذابِ يشكُّ في شرعيةِ كلِّ ما أدّاهُ من نسُكٍ وفي شرعيةِ كلّ ما فعله من خيرٍ حتى حكمَ على نفسِه بالفُسوقِ والنِّفاقِ والإلْحادِ مع أنّ الله أمرَ ﴿ ولاَ تُلْقوا بأيْديكُم إلى التّهلُكة ﴾ (البقرة، 195). وأمّا المائِلُ إلى فعلِ الشّرِّ فيُصرُّ على فِعلتِه بحُجّةِ أنّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ غافِلاً على أنّ اللهَ في نفس الوقت شديدُ العقابِ. وأمّا المائلُ إلى كسبِ الأموالِ والأولادِ يتوَهّمُ أنّ مالَه ووَلَده أخْلدهُ ناسِيًا أنّ مُستقرّه في الأرض محدودٌ إلى حينٍ.
ومن جِهتِه شرح الإمامُ أبو حامد في نفس الموضوعِ ما يحدثُ عند العبدِ كلّما زادت أو نقِصَت قوّتا الشّهوةِ والغضبِ في غيابِ الاعتدالِ الذي يَفرضُه حضورُ القلبِ أو حضورُ العقل. فزيادة الشهوة تؤدّي إلى الفسوقِ والفجورِ (الكذب) وإلى الانبِطاحِ أمام الغرائزِ. أمّا نقصُها يؤدّي إلى العجزِ والفتورِ (الضّعف). أمّا زيادة الغضب فمآلُه الضّربُ والتّدميرُ والقتلُ كما أنّ نقصُه يؤدّي إلى ذهاب الغيرة والحمية في الدّين والدّنيا.
إنّ كلّ هذه المُعطياتِ التي أوردْناها تشكّل باختصار مشهدَ الشّقاءِ عند البشر بعدما انحَجبَ عن بصِيرتِهم بابُ الفطرةِ. فأراد اللهُ أنْ يجْتَبيَ عِبادَه بمُخاطبَتِه ظواهرَهم فَبعثَ النّبِيِّيــنَ والرُّسلَ لإيقاظِ الهمّةِ القلبيّةِ التي كانت تُنوِّرُ وُجودَهم في القديمِ. وفي هذا الصّددِ ولِيُبرِز مغزى الهمّةِ القلبيّةِ ذكّرَنا الإمامُ بمدارجِ حقيقةِ القلبِ قبل أنْ يُلفِتَ النّظرَ إلى درجاتِ إيقاظِ همّتِه عند العامّةِ وعند الخاصّةِ وعند الأنبياءِ والرّسُلِ.
أمّا مدارجُ حقيقةِ القلبِ فهي تابعةٌ لحُكمِ الإنسان مُختصرًا للكون حتى أصبح برزخًا بين ذاتِه تعالى وباقي الخلقِ. ذلك أنّ للقلبِ بَابَانِ: بابٌ مفتوحٌ على سائِر المخلوقاتِ بِحيثُ أنّه ما مِنْ شيءٍ في الوجودِ المقيّدِ إلاَّ ولَهُ صدًى في قلبِ الإنسانِ. فهوَ على وصلٍ بكلِّ ما يتَضَمَّنُه عالمَا الشّهادةِ والبرزَخِ بِحواسِّه الظاهرةِ والباطِنةِ.
ولهُ أيضًا بابٌ باطنٌ ومفتوحٌ على سِرِّهِ المُتَمثِّل في سَكينةٍ ربّانيةٍ والتي هي روحُهُ المنفوخةُ فيه والمُشِعّةُ بِحياةِ كيانِه. فهي التي تُوصِلُه بِمدارجِ القدسِ إلى الحقيقةِ المحمّديةِ. وبهذا المَشهدِ الوجوديِّ تظهرُ جليًّا وظائفُ القلبِ والمُمارسةُ ظاهرًا بواسِطةِ وزيرِه العقلِ وعساكِره من الحواسِ والجوارِحِ والقِوى النفسيةِ في إطارِ الاقتصادِ المُعتدِلِ حيث يسُودُ الإعمارُ المملكةَ الإنسانيةَ بِتوجِيه الشّهوةِ نحوَ العِفّةِ والقناعةِ وبِتوجيه الغضبِ نحو الصّبرِ والشّجاعةِ والحكمةِ. هكذا يقول الإمام أبو حامد. أمّا من حيث بابُه الباُ طنُ فالقلبُ مجْعولٌ لِمعرفة ربِّه بعد اطِّلاعِه على حِكمَتِه في الخلق. ولهذه المعرفةِ سلّمٌ صاعِدةٌ منها الأسرارُ الرّوحيةُ التي رسَمَها اللهُ في نفس عبْدِه. فهي عبارة عنْ تَجلٍّ مِن وراءِ حِجابِ النّفسِ فهي ترمزُ إلى وظيفةِ الرّبُوبيّةِ ومَربُوبِها. ومن هذه السّلّمِ أيضًا الأسرارُ الرّبّانيةُ يُصبحُ السّالِكُ بِمُوجبِها مظهرَ أسماءِ اللهِ في صورةِ العبوديةِ. فهي ترمُزُ إلى وظائفِ النُّبوّةِ والرّسالةِ والولايةِ. وإذا كان أمرُ القلب كذلك فبِما أو كيف يجري إيقاظُ همَّتِه عِند العامة وعِند الخاصّةِ وعند الأنبِياء والرّسُلِ ؟
أمّا عند العامّة إنّ فتحَ باب الباطن – أي باب القلب أي باب كيمياء السّعادة فَيتِمُّ بنُور الإيمان الذي يُضيءُ العقلَ حتّى يسلِّطَ حِكمتَه على الشّهوة والغضبِ وحتى تجري مهمّةُ الحواسِ والجوارحِ والقوى النفسية بما يُرضي الله. ومن جهةٍ أخرى كونُ الإيمانِ أثرَ الفطرة القديمةِ، يوجِّهُ فكرَ صاحبِه وكلامَه وعملَه ويجعلُ صاحبَه أيضًا في وصلٍ بعالَمِ الرّوحِ من خلال الرُّؤيةِ الصّادقةِ تهمُّ أحْوالَه الرُّوحيةَ أو أحوالَ محيطِه القريبِ أو البعيدِ. وفضلاً عن توسيعِ الآفاق الذي يُتيحُه الإيمانُ نهى الإمام أبو حامد عن اسْتِنقاص الرّؤية لأنّ معناها بقي غامضًا للنّظرِ. ذلك أنّ الرُّؤيةَ في المنامِ أيًّا كانت تُطلعُ على فساحةِ البرزخِ عند المَرْءِ وتُمكِّنُه الحصولَ على ما لم يُمكِنْ حصولُه في الشهادة مثلُ قطعِ مسافاتٍ بعيدةٍ في رمْشةِ عيْن أو مثلُ الطّيران في الهواء. ذلك أنّ بُعدَ البرزخ لم يقيّده البُعد الفضائي. وفي الخلاصة فإن السّعادةَ الدّنيَويةَ والأخروية عند العامّةِ تكْمنُ في منهجِ الاعتِدال في الحياة الدّنيا وفي نيلِ منزِلة النّجاة في الآخرة.
***
بعد النّظرِ السّريعِ لِما سمّيْناه مجازا كيمياء سعادة العامّةِ فلنذكر شأنَ الخاصّةِ المعنِيِّينَ بالامتِيازِ بِكيمياءِ السّعادة. ذلك أنّ فتحَ البابِ على أسرارِ القلبِ مشهُورٌ عِندهُم. وإنْ لمْ تشغل دُروبُ السّالكينَ ذِهنَ العامّةِ، فقد بلغَها صداها من خلالِ ما يظهرُ على أولِياءِ اللّهِ ومن اقتفى أثرَهُم. ولِلتّذكيرِ فإنّ الإمامَ علي (ع) هو أوّلُ من أباحَ سرَّ الخاصّة في الإسلامِ كما شاعَ هذا الخبرُ عند أهلِ اللّهِ. والإمام عليّ (ع) من أهلِ العباءِ الأربعةِ الذين ترَعْرَعوا في كنفِ سيّدنا محمّد (ص أ س) قبلَ أنْ يرفعَ اللهُ شأنَهم بِتطهيرِهم تطيرًا وبِقِران ذكرهم بآسميْهِ تعالى الحميد والمجيد في قوله ﴿رحمةُ الله وبركاتُه عليكم أهلَ البيت إنّه حميدٌ مجيدٌ﴾(هود، 76). وما أظهر الإمام عليّ (ع) سرَّ الذّكرِ المُلقّنِ إلاَّ لإعطاءِ لِما سيُسمّى أخيرًا الطريقةُ طابعًا رسميًّا مبنيًّا على ركنِ الشّريعة وعلى شرطِ الاستِعدادِ دون أنْ يكونَ هذا السّرُّ فرضًا على العامّةِ. فالإمام عليّ (ع) حجّةٌ لِشرْعيةِ الذِّكرِ المُلقَّنِ وكفى به شهيدًا على الذّين يُنكِرون هذا الأمرَ. ولِرفعِ كلّ الْتِباسٍ على مبدأِ الذّكرِ المُلقّنِ وردَ عن أهل اللّه أنّه » لا طريقةَ بدون الشريعة ولا حقيقةَ بدون طريقةٍ « .
والطريقةُ توجيهُ العبدِ نحوَ توحيدِ الله بما يتجاوزُ التّوحيدَ التّقليدي والتّوحيدَ الاستِدلاليَّ إلى التّوحيدِ الكشفي الذّي هو التوحيدُ الحقُّ، بحيثُ أنّ ما كان إيمانًا مقرّرًا بنظرٍ أو بدونِ نظرٍ يُصبحُ عند الخاصة يقينًا ثمّ عينًا ثمّ حقًّا. ما يُظهرُ الفرقَ بوُضوحٍ بين الفِئتيْنِ تصديقًا لقوله تعالى ﴿نرفع درجاتٍ من نشاءُ وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم﴾(يوسف، 76). وكلمةُ العامّة هنا تعني إمّا حالَ التّقليدِ وإمّا حضورَ النّظرِ لكن دون الاستعدادِ للذّكر المُلقّنِ. ومنْ جهةٍ أخرى ليس الكشفُ وظيفةً تُناقِض النّظرَ بل هو قوّةٌ روحيةٌ تتمَوْقعُ في مراتبِ الوجودِ فوق قوّةِ النّظرِ أو إنْ شِئتَ إنّ النّظرَ مرتبةُ الكشفِ في نفس الإنسانِ. نضيفُ أنّ كثيرًا من آياتِ الذّكرِ الحكيم يركنُ إليها هذا التمييزُ لا يسعُ حديثُنا لِسردِها بالكامل لِنكْتفي بالوقوفِ عند آيتينِ ورد من بين معانيها هذا الفرق بين المصيرِ الوجودي للعامة وبين مصيرِ الخاصة. و الآيةُ الأولى ما جاء في قوله تعالى ﴿وكيفَ تكفرون بالله و كُنتُم أمواتًا فأحْياكُم ثم يُميتُكم ثمَّ يُحيِيكُم ثمّ إليه تُرجعون﴾ (البقرة،28). إنّ هذه الآية واردةٌ في حقِّ الكافرين إلاّ أنّها تحملُ من جُملة معانيها معنًى يهمُّ الكافرَ والمؤمنَ وله علاقةٌ بالمصيرِ الوجوديِّ في ظلِّ سلطانِ اسميْه تعالى المُحيي والمُميت. بالفعلِ فإنّ الآيةَ تشيرُ إلى تسَلسُلِ مَوْتَين وحياتَيْن يَليهمُ الرّجوع إلى اللهِ.
أمّا الموْتانِ والحياتان فتتعلّق بالمراحلِ الأربعِ التي يقطعُها عامّة النّاسِ بعد موتِهم الجسديِّ أكانوا مؤمنين أو كافرين، والموتُ الأول المشار إليه في ﴿ وكُنتُم أمواتًا ﴾ يعود على الموتِ الجسدي الاضطراري المعهودِ عند الناس قاطبةً. وأمّا الحياة الأولى المشارُ إليها في عبارة ﴿ فأحْياكم﴾ فهي الولادةُ في عالم البرزخ الذي يُفضي إليه الموت الاضطراريُّ. وأمّا الموت الثاني المشار إليه في ﴿ ثم يُمِيتكم﴾ عبارةٌ عن الموت النّفسي (la mort psychique) الذي يسبقُ القيامةَ الكبرى (la résurrection). وأمّا الحياةُ الثانيةُ المشار إليها في ﴿ثم يُحيِيكم﴾ فإشارة إلى الوِلادة التي تلِي يومَ الحِسابِ. ما يُعطي أنّ هذه الولادةِ تجرُّ الكافرَ إلى النّارِ وتجرُّ المؤمنَ إلى الجنّةِ. وإلى هذينِ المَوتْن والحياتيْن تشيرُ الآية ﴿ ربّ المشرقينِ وربُّ المغربينِ﴾ في سورة الرّحمان.
ذلك أنّ المشرقَ مجازًا يعني محلَّ بزوغِ حياةٍ كما أنّ المغربَ مجازًا يعني محلَّ مماتٍ وإطفاءِ حياةٍ. وللإشارةِ فإنّ الولادة الثانية عند العامّة تأتي بعد الموتِ الجسدي بينما الولادةُ الثالثةُ فتأتي بعد الموتِ النّفسي. فيعود الكافرُ إلى قيودِ الأكوانِ بينما يتمتّعُ المؤمنُ بالولادة الرّوحية التي تُخلِصه من قهرِ قيودِ الأكوانِ. وإعادةُ الكافرِ إلى قيودِ الأكوانِ يستبعد الرّجوع إلى العالم الذي غادرهُ بالموت الجسدي.
وأمّا عبارةُ ﴿وإليه ترجعون﴾ فتعني ما يُعطيه ظاهر الآية شرعًا أي تعني تسلْسُل الموتِ الاضطِراري إلى جزاءِ الآخرة. ما يجعلُ معنى الآية في سياق ما يُسمّى اقتصاد النّجاةِ والشّفاعة (L’économie du salut). وقد يتعلّق الرّجوع إلى اللّه بمنْ مدَحهم الله ﴿من النّبييّن والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين﴾ (النّساء، 69) والذين تفوق منزلتهم الرّوحية آفاق النجاةِ بالعبودية وسرّها التّوحيد الحقّ. هذا هو المُبتغى الذّي يستَهدِفه الذّكر المُلقّنِ عِلمًا أنّ النّبوّةَ المقْصودةَ مِنه تستَبعِد مُطلقًا نُبوّة التّشريع التي خُتِمتْ من قِبل سيّدنا محمّد (ص أ س) إلى أن تقومُ السّاعة. فالنّبوّة المقصودةُ هنا منزلةُ إظهارِ الكنوزِ الرّوحية فيما جاءت به الرّسالةُ المُحمّدية وفي خدمة الرّسالة المحمّديةِ. هذا ما جاء في أثر أهلِ العباءِ الرّوحي عند أغلبِيةِ الطّرق المعروفة في التاريخ. وورد الخبرُ أيضًا أنَّ نصيبًا من هذا الأثرِ نُقِلَ على يدِ سيّدنا أبى بكر (ر) كما هو شأن الطريقة النقشباندية وفروعها.
وأمّا الآية الثانية ما جاء في قوله تعالى ﴿إنّ المتّقِين في مقامٍ أمين في جنّاتٍ وعيونٍ﴾ ثمّ أردف﴿لا يذوقون فيها الموتَ إلاّ الموْتَةَ الأولى﴾ (الدخان،51- 52-53). من الواضح أنّ هذه الآية تدلُّ على عدمِ تطابُقِ سياقِ ما بعد موتِ المتّقين لسِياق ما بعد موت العامة. ما يُقصي من معناها معنى الموت الجسدي النَّافذ في كلّ إنسانٍ. وإذا كان الأمر كذلك فالموتة الأولى التّابعةُ للمُتّقين تعني موتًا رمزيًا (la mort symbolique) تحصلُ بالتّلقين (L’initiation) تصديقا لقوله صلى الله عليه وآله وسلّم » موتوا قبل أن تموتوا » إشارةً منه إلى عملية استقامة النّفس حتّى تستعِيد رُشدها وفِطرتها بتأديب هواها اللّوامة والأمّارة بالسّوء. ما يُعيدنا إلى الذّكر الملقّن كوسيلة وكمَسْلكٍ لِتصفية النّفس من الرّذائلِ بإيقاظ همّة القلب الروحية. هذا ما تشير إليه عبارة ﴿ في مقامٍ أمينٍ﴾ في الآية. والمقام الأمين بمعنى الثّبات في الاستقامة لا يحصل إلاّ بوصل هدايةِ الرّوح التي تتجاوز تضارب القوى الغرائزية تصديقا لقوله تعالى ﴿الذّين آمنوا ولم يلبسُوا إيمانَهم بظُلمٍ أولئك لهُم الأمن وهم مهتدون﴾(الأنعام،82). وقوة الرّوح تُخلِص صاحبَها من قيود الطبيعة التي أخلدَتْ إليها النفس، لِتعرُجَ به في مدارجِ القُدس طالبًا وجهَ الله ثمّ توحيدَه الحقَّ. هذا شأن المُتشوِّقِ إلى الله والسّالكِ إليه بإيمانٍ وافرٍ وباستعدادٍ قويٍّ حتى يتلقّى باليُسرِ والتصديق ما ينزلُ على أهلِ الله من أسرارٍ قلبيةٍ وربّانيةٍ بما لا يستطيع النظرُ الإحاطةَ به. ما يدفعه إلى طلب شيخٍ مُرشدٍ يلَقِّنُه الوسيلةَ ويُشرفُ على سلوكِه حتى يوصلَه إلى التّوحيد الحقّ.
وربَّ سائلٍ يسأل عن ضرورة حضور شيخٍ يواكِبُ سفر الفقير. والجوابُ الفصلُ أنّه لمّا انحَجبتْ النّفس عن فطرتها الأولى وعن أنوارِ لُبِّ القلبِ جرّاءَ التّدهوُر الطّوري الذي أصاب الإنسانَ بعد خروجه من الجنّة ولِتداركِ الوضعِ خاطب اللهُ عبادَه بظواهرهِم من خلال إحداث النّبوّةِ والرّسالة. وفيما بعد فرضت نفس الظروف ضرورة قُدوةِ شيخٍ لإيقاظ همّة قلبِ الفقيرِ ولِحفظه من أخطار السّفر ولِتوجيهه بما يليق به إلى هدفه الرّوحي.
إنّ السّفرَ الرّوحي ينطلق من تقاطُعِ بركة الذّكر الملقّن وحضرة الشيخ الروحية ومواظبة الفقير على ذركه. وما يُسفر عنه الذكر عند الفقير ليس نتيجةَ فكرٍ أو نظرٍ كما يشهد لذلك مثل الأولياء الذين لم يسبق لهم تعليمٌ لِكونهم مظاهرا للكشف والإلهام. إلاّ أنّ سابقَةَ التعليمِ إن كادت تكون عائقا مُبطِئًا في السّلوك فليْسَت مانعًا مطلقا كما يشهد لذلك مثل الأولياء الذين سبق لهم تعليم القرآن والشريعة على يد علماء بارزين قبل أن ينخرطوا في الطريقة مثل ابن عطاء الله الاسكندري. وهناك أيضا مثل أهل البيت الذين ترعرعوا منذ النشأة الأولى في بيئة علمٍ يجمع بين الشريعة والحقيقة مثل الإمامين علي وجعفر الصادق (ع).
إنّ بركةَ الذّكرِ المُلقّنِ راجِعةٌ إلى منبَعها الرّبّاني. فهي تُنوِّر النّفسَ بِبهاءِ القلبِ وبالشّحنةِ النّوريّة المحمولةِ في متنِ الذّكر من خلال الاستغفار والصّلاة والتّسليم على النّبي وآله (ص أس) ومن خلال التهليلِ بالتوحيد.
ما يكرّس السّعيَ إلى العبودية وإلى سرِّها التّوحيد الحق من بدايةِ إلى نهايةِ السّفرِ بالرّجوعِ إلى الخلقِ.
وأمّا دورُ الشيخ ففي تربية الفقير في فكره وكلامِه وقيافتِه وفي معاملتِه نفسَه وغيرَه. ثم في تعييِنه له الوسائلَ والمنهجَ الملائمةَ به ويُطلِعه على أهميةِ رُءاه من عدمِها. وتقي حضرتُه الرّوحيةُ الفقيرَ من زلاَّتٍ نفسيةٍ قد تحصلُ في غيابها وخصوصا في المراحلِ الأولى من السّفرِ والتي تتعلّق بالإسراء من نفسِه إلى قلبه، نظرا لارتباطِه بالأكوان وبقيود الطبيعة. وبحسب مرحلة السّفر المعتبرةِ فقد تذهبُ همّةُ الشيخِ فضلاً عن إحداثِها استقامةً نفسيةً عند الفقير، فقد تذهبُ إلى جعله مظهرًا لتوضيح مسائلِ فكريةٍ استشكلت على الناس بل لجعلِه مظهرًا لرفع التباسٍ حيّرَ الناسَ في مسألةٍ روحيةٍ مرتبطةٍ بشخصِ أولياءٍ شوّهتْ صورتُهم. وما تحصل هذه العجائبُ إلاّ بموجبِ الإشعاعِ الرّوحي الذي يصاحبُ الشيخَ في الكونِ منذ أن وصل منزلةَ التوحيدِ الحقِّ ثم رجعَ إلى الخلقِ محفوفًا بِنظرَتِه إلى الكثرة بعين الوحدة.
وأمّا دور الفقير ففي مُواظبَتِه على الذّكرِ المُلقّنِ وفي وفائه للشيخ حتّى يأتي سفرُه ثمارَه في مشاهِد مختلفةٍ يستقبلُها بِبصرِ عينِه أو بسَمعِه أو بفكره أو بقلبِه.
وبعد هذه اللّمحةِ التّابعة للخاصّةِ من البشرِ بقي لنا أن نذكُرَ في الحديث المُقبل مراحلَ السّفر الرّوحي أو الحجّ الباطني بخطًى خلف الشيخ محمد بلقائد قدّس الله سرّه.
***
للسّفر الرّوحي وجهان: السفر بالجذب وهو يتمّ في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ فيُرفعُ صاحبُه من التّلقينِ الأول إلى وصلِ التّوحيد الحقّ ثمّ الرّجوع إلى الخلقِ. هذا شأن السيّد الأمير عبد القادر والأفراد. ويقال في الجذب أنّه أسرعُ وأتمُّ. ولا ينبغي أن يحصلَ خلطٌ بين هذا الوجه من التحقيق وبين ما يُسمّى المجذوبُ جرّاءَ عدم انسجام نفسِه لروحه حتى هوت نفسه وتظاهر بما يناقض الشّرع. فلا يُنكر عليه ولا يُقتدى به. أمّا الوجه الثاني للسّفر الرّوحي فهو سفر السّالكِ والذي يطول مداه لسنواتٍ بل لعقودٍ قبل أن يكتمل ويُقال أنه أطولُ وأكملُ.
إنّه لَمِن المستحيل أن يذكرَ السّالكُ كلّ ما آستقبلَه في سفرِه لِغزارةِ مشاهِده ولأعدادِها ولِمراتِبها. ولا يسعُه إلاّ أن يعبّرَ عن شيءٍ منها بحسبِ ما تُتيحه الظروفُ والفُرَسُ. والحديث في السّفر الرّوحي يكمنُ مغزاه في تعبير ما وصل إليه الذّوق والتّجربة ولا يكمن في إيرادِ ما رواه ذاك أو ذلك السالك. هذا ما ألحّ عليه الإمام أبو حامد في رسالته وفي سياق أولياء الله.
إعلَمْ أنّ السّلوكَ الرّوحيَّ في إطار الطّريقةِ جاء امتِثالاً لِسنّةِ الإسراءِ والمعراجِ النّبويةِ تصديقًا لقوله تعالى ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليومَ الآخرَ وذكر اللهَ كثيرًا ﴾(الأحزاب،21). إنّ تلقينَ الذّكرِ في هذا السّياقِ يفتحُ حياةَ الفقيرِ الثّابتِ وسبقت له مِنّةٌ من اللهِ، يفتحُها على آفاقِ قلبِه الرّوحية ولَوْ بعد حينٍ. ومن هذه الآفاقِ الاستقامةُ النّفسيةُ جرّاءَ تنويرِ العقلِ ببركةِ الذّكر، الاستقامةُ التي تُفضي إلى تكذيبِ المقاييسِ الفلسفية الرّاكنِ إليها الفكرُ الحديثُ إنْ كان الفقيرُ ذي ميلٍ إلى المسائلِ الفكريةِ. وإنْ لم يكنْ لهُ ميلٌ فموقِفه التّحفّظُ بحقّ حتى لا يؤثّرَ الزّيغُ الفكريُّ في سلوكِه. وفي هذا السّياقِ يُقدّرُ كلّ الفقراءِ مدى الإثراءِ والاستِقامةِ اللّذين أحدثَهما الذّكرُ في معاملَتِهم الحياةَ اليوميةَ. ومن المظاهرِ العجيبةِ التي تدفعُ وتصاحبُ آستِقامةَ نفسِ الفقيرِ إستقطابُ هِمّةِ الشيخِ لصورةِ أولياءٍ لهُ صلة لطيفةٌ بِهِم ولهم صلة لطيفةٌ بالمُريد لِمرافقةِ هذا الأخير بالأمان من الخطرِ ولمساعدتِه في مرحلةٍ أو في مراحلِ سفره إذا كان مظهرَ مُهِمّةٍ من مهام الشيخِ الرّوحيةِ. وحضرة الشيخِ الخفيةِ نافذةٌ من بداية إلى نهاية السّفر الرّوحي علمًا أنّ الفقيرَ هو عينُ الأسرارِ المحمولةِ في تلك المشاهِدِ.
وأمّا ما يُسفِرُ عنه السّلوكُ فمن الفقراءِ منْ يشتكي إلى الشّيخِ لِما لم يحدثْ له شيءٌ مع أنّ النّموَّ الرّوحيَّ جارٍ ونافذٌ ولوْ بقيَ محجوبًا عن ثمرتِه إلى حين أو إلى أوان وفاتِه لِحكْمةٍ يعلمُها اللّه وحدهُ. وكان يُجيبُ شيخنا قدّس الله سرَّه لمثلِ هذا السّائلِ بِكفانا شرَفًا أنْ جعلنا الله من ذاكري اسمِه حتّى قال على لسانِ رسوله (ص أس): [ أنا جليس من ذكرني]. ومن الفقراء من وصل منزلةً أو منازلَ روحيةً دون السّبيل له للتعبير عنها. ومنهم من وصلها ولا يُدركُها إلاّ بعد حدوثِ حدَثٍ يرفعُ السّتارَ عنها. ومن الفقراءِ من وصلها ويُدركها ولا يُعبّرُ عنها إلاّ بعد فترةٍ أو فتراتِ نُضجٍ روحيٍ تدومُ سنواتٍ بل عقودًا.
أمّا ما يطّلعُ عليه القلبُ عند من سبقت لهم منّةٌ من الله، فواحِدٌ عند السّالكين من حيث معالمُه العامّةُ من إسراءٍ وعروجٍ ورجوعٍ. وهو واحدٌ أيضًا من حيث هدفُه الذّي هو معرفةُ النّفسِ لمعرفةِ اللهِ ولتوحيده. ومن جهةٍ أخرى فما يطّلعُ عليه القلبُ خاصٌ بِشخصِ الفقيرِ من حيث المشاهِدُ. ذلك أنّ الله لا يتجلّى لعبده في صورةٍ واحدةٍ في زَمنيْنِ مُتتالِييْن ولا لٍعبْديْنِ في صورةٍ واحدةٍ وفي آنٍ واحدٍ، لأنّ مددَه تعالى غير نافِد بل هو سارٍ في خلقٍ جديدٍ دائمٍ تصديقا لقوله تعالى﴿ أفعيينا بالخلق الأوّل بل هُم في لبسٍ من خلق جديد﴾ (ق،15) وتصديقا لقوله تعالى ﴿لو كان البحر مِدادًا لِكلماتِ ربّي لنفِدَ البحر قبل أن تنفدَ كلمات ربّي ولو جْئنا بمثله مددًا﴾ (الكهف، 109). ولِكون الحق تعالى لا ينظر إلى خلقِه إلاّ بما اقتضت فيه مشيئتُه فالتعبيرُ يختلف ويتنَوّع من سالكٍ إلى آخر بقدر ما أُودِع من وجودٍ في روحه المنفوخةِ وبقدر المشاهِد التّابعةِ للإسراء والمتعلقة بأعدادِ الأكوانِ. وبالعكسِ يتوحّد التعبير عندهم بقدر معرفتِهم لأنفسهم ثم بقدر عروجِهم في معارجِ القدسِ إلى وحدةِ أمرِ اللهِ.
إنّ تلقينَ الوسيلة ِ إدخالُ نورِ الذّكرِ في نفس الفقير لِتنْطَلقَ عمليةُ تعديلِها وتسوِيتِها في الحياة الدّنيا بما لا يحدث عند العامّةِ إلاّ بعد المَوْتين والحياتيْن المشارِ إليها في حديثٍ سابقٍ. ولذا يُعتبر التّلقين بمثابةِ موتٍ حقيقيٍّ يؤدّي إلى الولادةِ الثّانيةِ (بعد الولادة إلى الدّنيا). وتكتسي هذه الولادةُ طابعَ ولادةٍ نفسيةٍ، لأنها بابٌ مفتوحٌ على عودةِ النفس إلى فطرتِها قبل الموتِ الجسدي. ولذا نعَتها الشيخ عبد الواحد يحي بـــ (Régénération psychique) ما ترجمْناه بالاستقامة النفسية. فهي مرحلةٌ وجوديةٌ يمرّ بها السّالكُ ضرورةً وصاعدًا سُلّمَها إلى أن يصل لُبَّ قلبِه والذي هو مرمى الإسراءِ وفي نفس الوقت فهو عتبَةُ التّرقّي الرّوحيُّ أي الولادةِ الثالثةِ (أي الولادة الرّوحية).
إنّ السّلوكَ ينطلق عند تلقينِ الوسيلةِ متسلسلٌ فيه إسراءٌ نفسيّ ثمّ عروجٌ روحيٌّ ثم فناءٌ في الوحدةِ أي في وحدةِ الإرادةِ الرّبّانيةِ ثمّ عودةُ السّالك إلى الخلقِ موحِّدًا في صورة العبودية التي هو مخلوقٌ لها ومطلوبٌ بها.
إنّ الإسراءَ هو المرحلة الأولى من السّفرِ الرّوحيّ والتي يُمكنُ الإخبارُ عن جانبِ القلبِ المضيءِ والمُفيضِ على وجوهِ النفس المقصودةِ علاجُها. والإسراءُ توجيهُ النّفسِ إلى منْبعِها الأصلي قبل أن تخلُدَ إلى الأرض لأنّها مرتبةُ أمرِه تعالى في عبده. ومشاهد الإسراءِ تتنَوّعُ بعددِ الفقراءِ السّالِكين فهي تدور في فلك الرّموزِ والمناسِك الشّرعيةِ مثل القدوم إلى البقاع المقدّسةِ في صورتِها الخامِ القديمةِ والتي لم يطرأ عليها تغييرٌ بيدِ البشرِ. والقدوم هنا إشارةٌ لِعزمِ النّفس الرّجوعَ إلى أصلها. ثم يكتسي المشهدُ شكلَ طوافٍ حول الكعبة محفوفٍ بتهليل » لا إلاَه إلاّ الله » وعلى إثره تهليلٌ باسم الله الأعظم. ما يحمل شوق السّالكِ إلى سرّ الكعبة أي إلى الحضرةِ الرّبّانيةِ التي تكِنُّها والتي تدعو إلى التوحيدِ. وتصديقًا وتحقيقًا لِنيّةِ التّوبةِ إلى الله قد يرتدي المشهد صورة خيمةٍ ذات أربعةِ أوتادٍ من الياقوتِ الحمراءِ؛ بينما في أحد وجوهِها حجرٌ أبيضُ يمْلَأُ حجمُه حجمَ الخيمةِ. والخيمةُ هنا وقوائمُها الأربعةُ إشارهٌ إلى منزلةِ الفطرةِ بالكمال نظرًا لِعددِ أوتادِها ونظرًا للصّعيد الرّبّاني المشار إليه لونُها الأحمرُ. أمّا الحجر الأبيضُ فإشارةٌ لركْن الكونِ الأوّلِ قبل أن تسوِّدَه ذنوبُ العبادِ. أمّا فخامتُه ولونُه إشارتان للقوّة الرّوحيةِ في هذا الموقَع العزيزِ ولبسطِها على الجوارحِ والقِوى النفسيةِ. وينتهي الإسراء بالدّخولِ في جوفِ الكعبةِ الشريفة وبالإقامة فيها صلاة ركْعَتين باستِقبال عرفاتٍ بعد أن استقْصى السّالك السّكينةَ. والصلاة تمّت بقراءة أمّ الكتاب ثم سورة الإخلاص وآيات تعني ميّزات نساءِ النّبيّ (ص أس) طالبَهُنّ الله فيها بضبط النّفس. معروفٌ أنّ الدخولَ في الكعبة غير مشروع في دين الإسلام، إلاّ أنّه يحصلُ في سفرِ السّالكِ لِما يحمِلُه من مغزىً روحيٍّ عميقٍ. إذ يعني الدّخولُ التّخلُّصَ من قهر الطبيعة تصديقًا لقوله تعالى ﴿وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنًا﴾(البقرة، 125). ذلك أنّ سلطان اسمِه تعالى » المُميتُ » لا يجري أثرُه في هذا المكان كما أُجيبَ السّالكُ عند سؤالِه عن إيجاد قبورٍ هناك وتصديقًا لقوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرّسول إذا دعاكم لِما يُحيِيكم ﴾(الأنفال، 24). ما يوحي أنّ الدّخول في جوفِ الكعبةِ الشريفةِ يُفيد الالتِحاقَ بحضرة اسمِه تعالى » المحيِي » واسمِه » البارئ » للاتجاهات الوجودية السّتةِ بشرطِ العبودية. ما أفاء به السّالك بإعلانه التّوحيدَ الخالصَ من الشّوائبِ من خلال قراءتِه سورةَ الإخلاصِ وفي سجودِه بعد أن كان مُعدًّا من الطّائفين ثم من العاكفين الرّكّعِ تصديقا لقوله تعالى ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطّائفين والعاكفين والرّكّعِ السجود ﴾(البقرة، 125). وكلُّ ما نُسِب هنا للبقاع المقدسة إشارةٌ رمزيةٌ إلى أسرار قلبِ السّالكِ علمًا أنّ القلبَ عند العبد بمثابة الكعبة وسِرّها الرّبّاني في الشهادة.
وما دام السّالكُ في هذه المنزلةِ الرّوحية فقَلْبُه في حال برزخٍ بين عالمِ الطبيعة وبين معارجِ القُدسِ (Les états supérieurs). فيرى في أطوار الطبيعة مراتبَ كيانِه بموجب ما حمّلَه الأمرُ الرّبّانيّ الذي تولاّهُ منذ القِدمِ ولِكونِه مختصر الكون في الوجودِ. ويرى في ذلك الأمرِ السّرّي أو إن شئتَ في الرّوح المنفوخةِ فيه يرى وجه ربِّه الخاصِّ به مَع التأكيدِ والثّباتِ أنّ وجودَه نسبةٌ قائمةٌ بسلطان ربِّها، فيتَبرّأُ من ادّعاء توابِعِ الوجودِ مع بقاءِ الفرق بين الرّبِّ ومَرْبُوبِه. فيسْلكُ سلوكَ التّوكّلِ على اللهِ والذّي يقتضي أنّه لاَ عالِمَ ولاَ حاكِمَ ولاَ مالِك إلاّ اللهُ عزّ وجلّ. وسنذكُر في الحديث المُقبل المشاهدَ الرّوحية التي تتجاوز طورَ ما ذكرناه حتّى الآن في الإسراء إلى معالم بروز التّوحيد الحقّ في السّلوك.
***
إنّ عمليةَ التّوحيدِ تختلِف باختلافِ مُستوياتِ إيقاظِ هِمّةِ العبدِ لإقرارِه بِوجودِ الحقيقةِ الإلهية الواحدةِ. هذا ما جاء في حديثنا حول الفصلِ بين النّظرِ والكشفِ. وأوردْنا حينئذٍ المدارجَ الثّلاثةَ التي يتمُّ بها التّوحيدُ عند العبدِ بحسبِ مستوى إيقاظِ هِمَّتِه وانتَهيْنا إلى التّصنيف الذي يجعلُ من الأسفلِ إلى الأعلى:
1- التّوحيدَ الذّي يُتيحُه علمُ اليقين أو قوّة النّظرِ والاستِدلالِ فضلاً عن التّوحيدِ التقليدي. وهو التّوحيد السّائدُ عند عامّةِ المؤمنين.
2- التّوحيدَ الذّي يتيحُه عينُ اليقين أو قوة البصيرة. وهو التّوحيدُ الذّي يطوف حوله بعض الفقهاءِ السّابقةِ لهم مِنَّةٌ من الله. وهو أيضًا التّوحيد الذي يُعيِّنُه السّالكُ في سفرِه.
3- التّوحيدَ الحقَّ التّابعَ للنّبوّةِ والرّسالةِ والولايةِ. وهو خاصٌ بكمّل البشرِ. وهو ما يتيحُه حقّ اليقين.
إنّ صِيغَ التّوحيدِ هذه كلَّها شرعيةٌ طالما تُمثِّلُ كلُّ واحدةٍ منها بابًا للتّوحيدِ بِما يناسبُ طاقةَ ومنزلةَ صاحِبها الرّوحيةَ. ولاَ يتمُّ التّوحيدُ الحقُّ بعد الأنبياءِ والرُّسلِ إلاّ في إطارِ التّلقينِ (L’initiation). ويتقدّمُه ضرورةً وصلَ لُبِّ القلبِ عِند السّالكِ. ذلك أنّه مُتيقِّنٌ بِنِسبةِ وجودِه إلى الوجهِ الرّبّاني الذي تولاّهُ منذُ القِدمِ فتَبرّأ مِن ادّعاءِ كسبِ توابِع الوجودِ. فيفتحُ الله له بابَ معارجِ القدسِ (Les états supérieurs) بإطفاءِ النِّسبةِ والنِّسبِ (Les relations conceptuelles) ولِظهورِ كمال وجوهِ الله الواحدِ القهارِ.
وقد يحصلُ الفقيرُ السّالكُ على هذه الفائدةِ الرّوحيةِ العزيزة في رؤيةٍ بل في شهودٍ يحملُ المعنى الذّي أشرنا إليه وهو في حال صيامٍ ويقظةٍ آن صلاةِ العصرِ وهو يذكرُ الاسم الأعظم » الله » في الخُلوةِ، إذ لمّا بلغَ عنده الذّكر ذرْوَته وتناغم الحسُّ والنفسُ لِما تدعو إليه الرّوحُ خسِفتِ صوَرُ الأشياءِ كلُّها وبرِقَ في الظُّلمةِ بِفخامةٍ اسم اللهِ بِنورِ القمرِ تتلألؤ منه قطراتٌ من نفسِ النّورِ وصوتٌ باطنٌ يتلُو على السّالكِ ﴿ كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام﴾ (الرحمان، 26-27). وبما أنّ الشّهودَ هنا دامَ دقائقَ طويلةً، ولا علاقةَ له بالبارِقاتِ الخياليةِ المشروعةِ والمعهودةِ، فنُورُه عَمَّ كيانَ السّالكِ كما لحَظه بِنفسِه حين لفتَ نظرَه إلى جسمه وثيابِه. أمّا يداه وأصابعُه العشرُ فتشكّلتْ على خطِّ اسم » الله » مُنوَّرٍ ومُنوِّرٍ. ولم يبْدُ هذا المشهد لِمن حول السّالكِ. ما يدلُّ على أنّه أمرٌ باطنٌ يهُمُّه. أمّا خسوفُ الأشياءِ فيُفيدُ زوالَ الأحكامِ الخلقية والذّي تشير إليه عبارة ﴿ كلّ من عليها فانِ ﴾ في الآية. وأمّا بريقُ اسم الله فيعني ثباتَ وصمودَ وبقاءَ الحقِّ تعالى في الأعيانِ، كما تشير إليه عبارة ﴿ ويبقى وجه ربّك﴾. وأمّا عبارة ﴿ ذو الجلال والإكرام ﴾ فإشارة إلى تجلّي سلطان اسميْه تعالى » ذي الجلال » و » ذي والإكرام » على مظهريةِ الأعيانِ بقوةِ الشّريعة وبالرّأفةِ الإلهية. نضيف أنّ رمزية نورِ القمرِ هنا تدلُّ على أنّ التّوحيد إن حصل ولا شكّ فيه فإنَّه توحيدٌ غير مباشرٍ. ما يفرضُ على السّالك مرحلةً أخيرةً لِيكتمِل العروجُ بالفناء في وحدة أمرِ اللهِ. وقد تسمّى المنزلةُ السّابقة » قابَ قوْسيْن « .
ومن جملة المشاهِدِ المحتمَلة عند السّالكِ ارتِداءُ مشهدِ رؤيةِ فضاءٍ زاخرٍ (أي بدون ساحلٌ يُذكر) وفي وسطِه السّالكُ في ظاهرِه الفطري وهو في مقامِ ما بين الاستقامةِ والبقاءِ في الصّلاةِ وكلُّ مساحةِ جلدِه مرقّمةٌ باسم » محمّد « (ص أس). وكلّما أقدم السّالك على مَحوِه ظنًّا منه أنّه أثرُ الطّباشير إزداد اسمُ » محمّدٍ » ثباتًا وضوءًا وبرقًا. ثمّ لاحظ أنّ الحافّةَ الدّاخليةَ من رجلِه اليسرى مكتوبٌ عليها بالمِدادِ الأزرقِ » قال الله على لِسان رسولِه ». أمّا الفضاءُ الزّاخرُ والخالي ظاهرًا فإشارة إلى الذّات المقدّسة في غيبها المكنون والمسلوب من الأحكام والقيود والتي يقول فيها أهل الله: الناظر إليها صامتٌ والمتكلم فيها باهتٌ. وأمّا السّالكُ المَرقومُ جلدُه باسم » محمّد » (ص أس) فإشارة رمزيةٌ للحقيقة المحمّدية التي هي التّوجّه الأوّل للذّات المقدّسة وهي روحُ الوجود المخلوقُ بها كلّ شيءٍ وهي شمس الحقيقة. وأمّا بالنسبة إلى السّالك نفسِه فتناثُر اسم محمّد (ص أس) على كلِّ جلدِه إشارةٌ إلى فنائِه في الحقيقة المحمّدية أو في وِحدةِ إرادتِه تعالى كما لمّح إلى ذلك الإمام أبو حامد. والفناءُ هنا هو الرّجوع إلى الأصلِ بِمحْوِ كلّ النِّسبِ والغيريةِ. وأمّا عبارة » قال الله على لسان رسوله » فليست ادّعاءً بالرّسالة بالمعنى المعهود بحيث أنّها خُتمت من قِبل سيّدنا محمّد (ص أس) وليست ادّعاءً بِلقبِ الرّسولِ لِنفسِ السّببِ بحيث أنّ سيّدنا محمّدا خاتمُ الرّسلِ إلى يوم القيامة. والمعنى هنا يكمنُ في أنّ السّالكَ خلقٌ بين الخلائقِ فهو شعاعٌ من النّورِ الوجوديّ المحمّدي. ومن حيث أنّه سالكٌ إلى الله تعالى فقد وصل سِرّه أو الرّوح المنفوخةَ فيه في القِدمِ ووصل الأمرَ الرّبّاني الذّي تولاّه في الوجود فهو فطرتُه الأولى التي تقتضي التّصرّف بإلهامٍ من الله تعالى. وبهذا المعنى فإنّ الرّوح رسولُ الله إلى المدينة الإنسانية يدبّر أمرَ الجوارحِ والقوى بما يضمن لها السّعادة الدّنيوية والأخروية.
ولذا صحّ أن تكون الرّوحُ قدَمَ صدقٍ عند العبد المؤمنِ كما جاء في قوله تعالى﴿ وبشّر الذين آمنوا أنّ لهم قدمَ صدقٍ عند ربّهم ﴾(يونس، 2). ومن المعاني الأخرى نذكر للإشارة فقط أنّ كون الكتابة رُسمت على الرِّجلِ الأيسرِ علامةٌ أنّ وصلَ وحدةِ أمرِ الله تمّ في الدّنيا وفي حُضن وشرف الرّسالة المحمّدية. وفي هذه المنزلة يتلقّى السّالك من الله ما يناسب الوجهَ الرّبّاني الذي تولاّه في الدّنيا وهو خاصٌ به. ومن هذا المددِ الإلهي ما لا يمكن وصفُه ولا الحديثُ فيه لِعجزِ الكلامِ والإشارة أن يُظهراه. فيبقى سرًّا في قلب السّالكِ. ولهذه الحقيقة أشار سيّدنا محمّد (ص أس) لمّا قال : [ لي وقت مع اللّه لا يسعني فيه نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقرّبٌ].
ولمّا كانت الوحدةُ من خصوصية ربّ الأرباب بمعنى الله فليست بالإطلاق مقامًا للعبدِ. ولذا لا يسعُه إلاّ أن يعود إلى عبوديته المخلوقِ لَها والمطلوب بها وإمتثالا لأُسوة رسول الله (ص أس) حين رجع من المعراج إلى الخلق موحِّدًا وفي صورة العبودية التّامّةِ. وفي هذا السّياق يتضمّنُ المشهد عند السّالك عبورًا سريعًا لمياهِ المشيئةِ الإلهية التي جعل الله منها كلّ شيءٍ حيٍّ، لِيتَدلّى إلى فضاءٍ مستورٍ عن بصرِ العين ويذكّرُ بجوف الكعبة الشريفةِ مركزِ ومنبَعِ الحياةِ الدّنيا والذّي عرجَ منه. والهدف من هذه المحطّةِ داخِل الكعبة الشريفة أن يُلقّنَ السّالكُ سرَّها الذي هو التّوحيدَ الخالصَ المحمّدي لِيُبقِيه في التّوحيدِ الحقّ عند رجوعِه إلى كثرة الدّنيا. فقُدِّمَ له خمسُ ألواحٍ متتاليةٍ تبرقُ كتابةٌ فيها وأُمِر السّالكُ أن يُعلِن ما كُتِب عليها فقرأ على التّوالي وهو باكيٌّ » إنّ صلاتي » ثمّ » ونُسُكي » ثم » ومحياي » ثم » ومماتي » ثم » لله ربّ العالمين « . ما يذكّر بما جاء في قوله تعالى مُخبرًا عن عبودية سيّدنا إبراهيم (ع)﴿ إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين وبذلك أُمرت وأنا أوّل المسلمين﴾ (الأنعام، 162-163). علمًا أنّ حرف » لِ » في عبارة » لله ربّ العالمين » إشارة إلى الرّضا بكلّ ما أنزله الله في أمره. ما يؤكّد أنّ السّالكَ وصل هدفه الرّوحي والذي هو التّوحيدَ الحقّ.
وورد عن أهلِ الله أنّ مِمّن وصل منزلة العبودية من يُخيّرهم الله بين البقاء فيها بدون ظهورٍ أو بظهورٍ بأسمائه تعالى. فجُلُّهم يختارون التّمكين فيها حاملين رحمة الله للكون في الخفاء. ومنهم من يأمرُهم الله أن يكونوا مظاهرًا لسُلطانِه فيُعلِن لهم الأمرَ فيظهرون في وسط العامّة مَحفوفِينَ برحمةِ الله لِعبادِه ورافِعينَ رايةَ المُهمّةِ التي وُكّلُوا بها مثلَ رايةِ كمالِه تعالى أو رايةِ جمالِه تعالى أو مثلَ رايةِ جلالِه تعالى.
