Home xdiversمسألة الهوية

مسألة الهوية

بقلم حمزة بن عيسى

by عيسى محمدي
23 views

مسألة الهويّة

حمزة بن عيسى

إنّ الهويّة مِنْ هو ضمير رفعٍ منفصلٍ للغائب المذكّر. و الهويّةُ عمومًا هي حقيقةُ الشيء. وهي عكسُ الهويان الذّي هو السّقوط. ولكلِمةِ الهويّةِ معاني شتّى تضمُّ وترتفعُ من سهولِ مجاري الأقدارِ الجسميةِ والنّفسيةِ إلى أسرارِ الذّاتِ المقدّسةِ. ما يفتح المجالَ لِمراتبِ معانيها بحسبِ التّصوّرِ الوجودي الموفَّرِ عند الإنسان أي بحسب درجة إيقاظِ هِمّتِه لحقيقةِ الوجودِ.

وقد سبق لنا أنْ ذكرنا مرّتيْنِ كلمةَ الهويّة، مرّةً في حديثِنا المُعنْوَن  » ميدان الدّراسة التاريخية في شمال إفريقيا  » إشارةً إلى تراثٍ قديمٍ روحيٍّ ونفسيٍّ يتشاركُ فيه الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا لفهم السّهولةِ النّسبيةِ التي انتشرَ بها الإسلام وتجَذَّر في قطرنا وبناءً على ملاحظةِ من المؤرّخ الفرنسيّ E.F.Gauthier. وأمّا المرّةُ الثانيةُ التي أتى فيها ذكرنا الهويّةَ ففي حديثِنا  » حكم اللّغات  » إشارةً إلى التراثِ الرّوحيِّ المحمولِ رمزيًّا في الفنونِ والقصصِ الشعبية أي في ما سمَّـــتْــهُ العلومُ الإنسانية: Folklore. وفي الحديثِ الثاّني لاحظنا أنّ الجدالَ القائمَ عندنا حول اللّغة مُستوردٌ في سياقِ تبعيّتنا السّياسية والفكرية للنّموذج الغربي الحديث علمًا أنّ هذه الملاحظةَ لا تكفي للتّخلُّصِ من عواقبِ هذه التّبعيةِ لما أحدثتْهُ في نفوسِنا سياسيًّا وثقافيًا. وكما عالجنا أبعادَ هذه المسألة في جذورها التاريخية الغربيةِ ومآلها فعلاً على أرضِ الواقِع اليوميّ، فعلينا أن نسلُكَ نفسَ المنهجِ بدراسةِ أبعادِ إشكالية الهويّةِ في العالَمِ الحديثِ لِنرى فيما بعد كيف تبدو نفسُ الإشكاليةِ في المجتمع المسلمِ ؟

علمًا أنّ التّصورَ الوجوديَّ التّابع للعالَم الحديثِ لا يتعدّى حدودَ مجاري الزمنِ والتاريخِ ووضعِ المجتمعِ، فالهوية كمرجعٍ وجوديٍّ ظهرت بالفعلِ سياسيًّا ثم قانونيًّا في أوربا بتَرْسيمِ القومية (la nation) من حيث أنّها الأساسُ الجغرافيُّ والسّياسيُّ والقانونيُّ الأوّلُ للقوّة المالية (Le pouvoir financier). ما جعلَ تاريخيًّا من الهويّةِ القوميةِ شرطَ الشّروطِ لانطلاقَةِ منطقِ رأسِ المالِ الصّناعي والإنتاجيّ(Le capitalisme industriel et productif) لإحداثِ المجتمعِ الصّناعيّ وهو ظهورُ المصانعِ الأولى توظّفُ مِئات بل آلافَ العمّالِ في عملٍ مفكّكٍ في حركاتٍ جزئيةٍ ينفِّذُها ويكرّرها الإنسان على الدّوام ودون النّظرِ إلى العواقب السّيّئة التّي قد تطرأ على نفس وحياة العامِلِ. فعلاً إنّ المجتمع الصناعي المحرَّك من قِبلِ الدّافعِ المادّي وجعلِ الرّبحِ قبل الإنسان صيّر البنية الاجتماعية القديمة إلى بنية أخرى يعتَلِيها المالُ ويسودُها شِقاقٌ فاصلٌ بين أقليّةٍ تتمتّعُ بثرواتٍ ماليّةٍ وماديةٍ تتجاوزُ أضعافَ احتياجاتِها الطبيعية وتزُجُّ بها إلى الفسوقِ النّفسي والمادّي، وبين أغلبيةٍ اجتماعيةٍ تعيشُ البؤس معنويًا وعضويًا وماديًّا. ما أدّى إلى ردّ فعلٍ فلسفيٍّ وسياسيٍّ يدفع إلى إعادة النّظرِ في القومية كمظهرٍ للهويةِ وإلى نقلِ المفهومِ إلى مظهرٍ آخرٍ. ونجمَ عن ذلك إمّا مطالبةُ التّراثِ الجماعي القديمِ كمرجعيةِ لمفهومِ الهويّةِ وإمّا نجم عنه مطالبةُ موقعِ الإنسان في عمليةِ الإنتاجِ المادّي كمعيارِ الهويّةِ. فبموجبِ وجهةِ النّظرِ الأولى ظهرت النّظرياتُ العنصريةُ بالدّعاءِ عِرقٍ ساميٍّ مكلّفٍ بمهمّةٍ على رأسِ الإنسانيةِ والتي لا يسعُها إلاّ أن تخدمَ هذا العنصر. وقد تجسّمت هذه النظرياتُ في القرنِ العشرين الميلادي في ألمانيا وإيطاليا وفي جنوب إفريقيا وما زال يجري نموذجُها في فلسطينِ المحتلّةِ. وأمّا مفهومُ الطّبقةِ الاقتصادية كمعيار الهويّة فيحمِله ويطالبُه الخطابُ الماركسيُّ الذّي تشخَّصَ تاريخيًا في روسيا والصّين أي في موضعين لم تتنبّأ بِهما النّظريةُ.

وفي باقي أوربا وفي أمريكا الشّمالية أي في البيئة التي واصلت اللّيبراليةُ منطِقها الطّبيعي برزَ مجتمعُ الاستهلاكِ وهو المجتمع الذّي يرى في وتيرةِ الإنتاجِ والاستهلاكِ المادّيّ غايةَ حياةِ الإنسانِ. إلاّ أنّ فئةً من المجتمعِ عاشت هذه الوتيرة كحال استلابٍ وليس ككمال الحياةِ، إذ فقد الإنسانُ فيها معالِم الاتّجاهِ الوجوديِّ. وفي الخمسينات وسيّما في السّتيناتِ من القرن العشرين أسفرَ هذا الشّعورُ على ردِّ فعلٍ جديدٍ يتحدّى النّظامَ القائم في الولايات المتّحدةٍ وفي أوربا الغربية يتطلّع أصحابُه من خلاله إلى مخرجٍ وإلى نموذجٍ آخر للحياةِ. الشيء الذّي تبَلْورَ في حركاتٍ اجتماعيةٍ عديدةٍ تختلفُ في تعابيرِها وطموحاتِها وتكريسها في المجتمع. 

ومنها حركة سُمّيت HIPPIE في الولايات المتحدة، فهي احتجاجٌ على مجتمعِ الاستهلاكِ دون عزمِ استقامتِه بل بِنوْعٍ من الاعتزالِ عنه وتكمنُ هويّتها في سلوكِها المميّزِ بالميلِ إلى إحداثِ نوعٍ جديدٍ من الموسيقى يعكسُ ضجيجَ المصانع، والمُميّز أيضا بتعاطي المخدّرات وباختراقِ كلِّ الحدودِ الشرعية للزّواج. ومن هذه الحركات حركةُ  » الثقافة المضادّة  » أي ثقافة التناقض في أمريكا والتي وجّهت نقدًا حادًّا لمجتمع الاستهــــلاك محــــلِّ        بحسَبــــها  » الاستــــلاب الاقــتـــصادي والاجتـــمـــاعي والثـــقــافي  » وتطالـــب بالـــرجوع إلـــى مـــا سمّــــتـــه  » أدب الشخـــــص » (L’ETHIQUE DE LA PERSONNE). والإطلاع على فحوى هذا المنهج يُظهر أنّه إطلاقُ سراحِ القوى الغرائزية للقضاءِ على المجتمع حتى يبرزَ بزعمها مجتمعٌ جديدٌ. ولهذه الحركةِ هوية شيطانية لِصلتِها الفكرية بــ (THEOSOPHISME) الذي يستهدف إخلاءَ الأرض من الدّين. وقد تأكّد الطّابعُ الشيطانيُّ لهذه الحركة من خلال طوائفِ مآلُها جريمة القتل مثل طائفة (MANSON) في السّتينات في كاليفورنيا و مثل طائفة          (JIM JONES) في السّبعينات في أمريكا الوسطى ومن خلال طائفة (DAVID) بداية التسعينات. ومن الحركات الأخرى هناك في أوربا أنصار الثقافة الجهوية (LA CULTURE REGIONALE). كمنهجٍ أو كهويةٍ تضيءُ طريقَ الإنسانِ في ظلمات مجتمعِ الاستهلاكِ. فهي حركةُ صحت لواقعِ امتدادٍ للإنسان إلى الماضي يبدو في القيافةِ وفي التقاليدِ وفي اللّغة الأُمميّة وفي الفنّ والقصص الشعبية. ما يدلُّ أنّ أنصار هذه الحركةِ باحِثون عن مخرجٍ وسيّما عن معلمٍ ثابتٍ يوجّه الإنسانَ في مجرى وجوده. إلاّ أنّ هذا الطّموحَ الشّرعيَّ لم يتحقّق، لأنّ الرّموزَ الرّوحية الواردةَ في الفنّ والقصص الشعبية أُخضِعت لقراءةٍ فلسفيةٍ تنبُذُ مبدأ الروّح. نريد بهذه العبارةِ الإشارة إلى نظرية التّطور التي تُرجعُ ذات الإنسان إلى عالِم الحيوانات ؛ ونريد الإشارة كذلك إلى الخطاب الماركسي الذّي يدّعي أنّ الاقتصادَ هو الهدف الأول والآخر لوجود الإنسان ؛ ونريد أخيرًا الإشارة إلى نظرية التحليل النفسي التي تدّعي أنّ أصل الدين في الغرائز وأنّ أصل الحضارةِ في الهمجيّةِ. 

ما جعل في كلّ الأحوال من هوية الثقافة الجهوية حركةً تحمل مؤقّتًا نوعًا من التعويض النفسي دون أن تحسِم أمر الاستلاب التّابعِ لمجتمع الاستهلاك.

وبعد ما أفضى مجتمع الاستهلاكِ إلى مجتمع الخدمات والتواصل ظهر شكلٌ آخر من الهوية في جوٍّ نفسيٍّ تراجعت فيه قوّةُ النّظر (La rationalité) عن دعوتِها إلى الحكمةِ والعفّةِ لِتُوَظَّف في سبيل الغرائزِ والأنانيةِ في عالم طغى عليه تسابقٌ حيوانيٌ ولا مكان فيه إلاّ لِفاعِليْن: المفترِسُ وفَريستُه. وإذا ما حاولنا أن نلخّص ما آل إليه مفهومُ الهوية في العالَمِ الحديثِ عبر مراحله الصناعية والاستهلاكية وأخيرًا عبر مرحلته الخدماتية والتّواصليةِ نرى أنّ ردَّ الفعلِ لكلّ مرحلةٍ منه لم يبلغ ما كان يطمحُ إليه أصحابُه في أحسنِ تقويمٍ لهم كالدّاعين إلى الهويّة الجهوية، ناهيك عن الهويّات التي تدفع إلى الهلاك قصدًا ظنًّا أنّها تحسنُ صُنعًا. ما يجعلُ من مراحلِ العالَم الحديث وما أثارته من ردّ فعلٍ ما جعلها حلقاتٍ متتالية لاستدراجٍ واحدٍ في سياقِ سقوطٍ وجوديٍّ لا مثيلَ له في تاريخِ الإنسانيةِ. ذلك جزاء كلّ من أخلى الرّوحَ من الوجودِ. وسنرى في الحديث المقبل آفاق الهويّة الروحية قبل أن نتطرّق إلى إشكالية الهويّة في شمال إفريقيا.

٭٭٭

إنتهينا في الحديث السّابق إلى أنّ السقوط الوجداني الذي طرأ على مجاري هويّة الحداثة بما فيها ردود الأفعالِ التي اثارتها في المجتمع، أنّ هذا السقوط ناتجُ جهلِ أو إنكارِ البعد الرّوحيّ في الوجود. ومن المنطقي أنْ نتساءلَ عن العلّةِ التي دفعت الإنسان إلى عتبة الانهيار الشّاملِ ؟ إعلم أنّ لِظهور أعراض هذه العلّةِ في حياة البشرِ أسبابٌ عامةٌ تتعلّق بالظروفِ الطّوريةِ التي بلغها مصير الإنسانية. وهناك أيضا أسبابٌ خاصةٌ بالشخصية التابعة لحامل هويّة الحداثة.

أمّا الأسبابُ العامةُ فكلّ الرّسالات السّماوية تنبّأت سواءٌ في الهند أو في اليونان أو في الفضاء السّامي تنبّأت بأنّ الإنسانية دخلت في المرحلة الأخيرة من طورها منذ أكثر من ستّة آلاف سنة، قبل أن تظهرَ أرضٌ وسماواتٌ جديدةٌ. ما يجعل من هذه المرحلة الفترة الأصعب التي يمرّ بها الإنسان نظرا للفوضى العارمة ولانقلابِ المقاييسِ في فهم الأمور وفي معالجتها، والتي تسودها ونظرا للقوة التدميرية التي خزنها الإنسان ولتدهور البيئة إلى ما لا رجعة فيها ناهيك عن الكوارث الطبيعية.

أمّا الأسباب الخاصة فمتعلّقةٌ بالشخصية الغربية ذاتها، حيث أنّها مظهرُ ومهدُ العالَم الحديثِ. و بحسب ما أورده الشيخُ عبد الواحد يحي في هذا الشأن، فالغرب بالمعنى التاريخي بما فيه الحضارتان اليونانية والرومانية، فالغرب ليس له استعدادٌ للمشاهدة والتحقيق أوْ إن شئتَ أنّه قد احتُجِب عن قُدُراته الروحية السّامية ليصبح استعدادُه محصورًا في الفعل والحركة في إطار تيارٍ زمنيٍ مفتوحٍ. ما جعل الغربَ مخوّلاً طبيعيًا لإظهار ما يكنّه من أعراضٍ أواخِرَ الطّورِ البشري أوّلاً داخل حدوده التاريخية ثم خارج حدوده بتناغُمٍ مع تيار اليهودية المنحرِفة (Le judaïsme dévié) وذات التأثير على مستوى الإنسانية. وكلّ الأمور والأحداث جاريةٌ منذ ستّة قرون تقريبا كأنّ الأقدار جعلت من هذا الثنائي عاملَ الحداثة بمعنى قلبِ النّموذج والتّصوّر الوجودي الوارد في كلّ الرّسالات السماوية الحيّة أو الوارد في تراثها إذا اندثرتْ. فأصبح نبذُ الروح حقًّا وتكريسُ ما يخالفه منهجًا بدعوى التقدم والتحرّر. وقد ترسّم فكر هذا الثنائي بين الأفراد مثل الثنائي MARX-ENGELS أو مثل الثنائي JUNG-FREUD وبالتحديد في التصور المادي للوجود وفي التحليل النفسي. وهناك ثنائي آخر مكوّن من DARWIN و BERGSON وإن لم يعيشا في نفس القرن ولم يتخصّصا في نفس الشعبة فمنهجهما نظرية التّطور.

ولم يحدث هذا العهد الضّال عن عبثٍ أو صدفةٍ بل كان محمولاً بالفعل منذ القرن الخامس عشر (م) من قِبل تيار الأُنُسيةِL’HUMANISME  والذي غلبت على أفراده هوى النفس بمطالبتها الإخلاد إلى الأرض وبالمطالبة الدّافع المادي كغاية الوجود. ثم ظهر على إثره تيّارٌ أدبيٌّ فلسفيٌّ موَّلتْهُ طبقةُ التّجارِ وأصحابُ البنوكِ لِيُنتِجَ خطابًا مُبرِّرًا ومشرِّعًا لمنهجها الدّنيويّ ثم مشرّعًا لاستلامها السلطة السياسية بواسطةِ ثوراتٍ وظّفت لها الجماهير الشعبية. ويكمن هذا الخطاب في جعل قوّة النظر (La RATIONALITE) كالوسيلة الوحيدة للاطّلاع على حقيقة الأشياء ما يعني جهل أو إنكار قوة الكشف والإلهام من تركيب كيان الإنسان. وعلمًا أنّ قوة النظر عاجزةٌ عن إدماج تواصل الموجودات في وحدة الأمر الرباني لأنّ ذلك من صلاحية ما فوق رتبته بمعنى الكشف والإلهام الروحي، أوَّلَ R. DESCARTES هذا العجز كأنه تناقضٌ جذريٌّ وأساسيٌّ بين الرّوح وعالَم الشهادة (MATIERE-ESPRIT) وسُمّي هذا المنتوج الفكري  » بالثّنوي الدّيكارتي » (Le DUALISME CARTESIEN). وبقيَ هذا المفكّرُ على الإقرارِ بحقيقةٍ روحيةٍ فوق متناولِ البشرِ. ثم تطوّر الموقفُ بعدهُ بجعل الروح مجرّد فرضيةٍ فكريةٍ، ثم أتى إنكارُ وجوده. ما يعني إقصاءَ الكشف (L’INTUITION INTELLECTUELLE) من قدرات الإنسان العلمية. وهكذا تبلْورت العقلانية (Le RATIONALISME) تستبعد الروح كوجود وتبرِّر وتشرّع التصور الوجوديّ التابعَ للقوة المالية وما أحدثه من تحوّلاتٍ خطيرة في نمطِ معيشةِ الإنسان في إطارِ مصيرٍ يقيّده المالُ من المهد إلى اللّحدِ.

ولِوزن ثقلِ الاستدراج الذّي أسفرت عنه هوية الحداثة وفضلاً عن كلّ مظاهرِ الاستلاب التي أحدثتها والتي أشرنا إليها في الحديث الأوّل، علينا أن نرفع السّتار على الهوية الروحية التي غفل عنها أو تجاهلها أنصارُ هذه الحداثة بجعلهم العبثَ قبل وبعد كونٍ تقيّده الدّقة الرّياضية مع أنّ هذه الدّقةَ تطرحُ جليًّا سؤالي لماذا هذا الكون الوجوديُّ ومن أجلِ ماذا هو قائمٌ ؟ سؤالان لا يستطيع النظرُ الإجابة عنهما لعجزه الفطري عن ذلك.             ما أثار في سياق الحداثة فلسفة  » الوجود العبثي  » (La PHILOSOPHIE DE L’ABSURDE) وموكبها الانتحاري.

إنّ الهويّة الروحية تستبعد ثقافةَ الهيمنةِ للسّطو على ثروات الأرض ولاستعبادِ أُمَمِها كما هو شأن الحضارةِ الغربية الحديثة منذ القرن الرابع عشر (م) إلى يومنا هذا. إنّ الهويّة الروحية توقظُ همّةَ الإنسان إلى أغلى ما أودع الله في كيانه ألاَ وهو الرّوح المنفوخة فيه منذ القدم، الروح التي لا يقيدها مكانٌ ولا زمانٌ ولا عنصرٌ ولا شكلٌ. ذلك ما أتت به الرّسالة المحمّدية مصدّقةً ما قبلها من الرّسالات ومهيمنةً عليها كما سنراه في الحديث المقبلِ.

٭٭٭

إنّ كلمة الهويّة في آفاق الرّسالات السماوية معدّة للإشارة إلى الذّات المقدّسة لكونها – إن صحّ التعبير – غير متناهية. ما يعني أنّها من جهة محلُّ سلب الأحكامِ والقيودِ، وما يعني بالتالي أنّها هي الظاهرةُ في كل شيء بالضرورة، لأنّ وجودها يستبعد نِدًّا لها ويستبعدُ اثنينةً تُدانيها. ولذا لا يعبّر عنها كمّل البشر من رسولٍ ونبيٍّ ومن وليٍّ إلاّ بصيغة الغائب كالهوية أو كالسّر المكنون أو كغيب الغيوب، إشارةً إلى احتكارها الوجود بالإطلاق. فالهويةُ من هذه الحيثية هي أحدية الذّات. وأمّا إذا ذُكّرت الهوية في تعينات الذات وهي الوجود المقيد فالهوية تعني أولا أمره تعالى وهو ما سمّاه أهل الله أحدية المرتبة. وهي ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى:    ﴿ وما أمرنا إلاّ واحدةٌ كلمح بالبصر﴾ (القمر، 50). إنّ وحدة أمرِ الله هنا توجب تواصل كل الشؤون التي تكِنُّها وتوجب أيضا آنيتها (La continuité logique et la simultanéité logique) كما يشير إلى ذلك تعبير  » كلمح بالبصر  » في الآية. ما يجعل المعرفة في العالمين(أي ما سوى الله) أيًّا كانت مرتبتُها ما يجعلُها تطابقَ أمر العارف لأمر معلومِه بحسب ما أودعت مشيئة الله فيه من وجودٍ. ولذا يُقال العاِلمُ عيْنُ ما علِمَ. الشيء الذي يعطي أنّ هوية الإنسان تَكنُّها سلّم تركيبه الخلقي، لكونه مختصر الكون الوجودي بموجب إكرامه بالخلافة من قبله تعالى. فمن حيث جسده فالإنسان مركز ومختصر عالم الشهادة، ومن حيث بعده النفسي فهو مركز ومختصر عالم البرزخ. وأخيرا من حيث أنه روحٌ منفوخةٌ فالإنسان مركزُ عالمَ الروحِ.

ولمّا كانت سلّمُ تركيبه سلّمَ تحقيقه، فباعتبار شكلِه الجسدي والنفسي فتحقيق هويةِ الإنسان مُخوّل لقوةِ النّظرِ التي تُطلعُه على ميِّزةِ نفسِه وعلى ميّزةِ كلِّ الأشياءِ التي تحيطُ به، وفي نفس الوقت، فقوّةُ النظر توحِّدها من حيث أنّ كلّ هذه الأشياء ما هي إلاّ مظاهرُ لحقيقةِ الإنسان الجامِعةِ.

أمّا باعتبار روحِه فتحقيق هويّةِ الإنسان من صلاحيّةِ القوّة المنفوخةِ فيه في القِدمِ. وهي قوّة الكشف والإلهامِ التي تعايِنُ الأشياءَ مباشرةً في رمْشَت العين. وهنا لا ينبغي أن نُقرَّ بالخطإ الذّي وقع فيه الفكر الحديثِ بتسوِيتِه الكشفَ بالنظرِ مع أنّ الكشفَ من عالَم الرّوح وأنّ النّظرَ (LA RATIONALITE) من عالَم البرزخِ. 

ولاَ ينبغي أيضًا أنْ نقرَّ بخطأِ نفسِ الفكرِ بتسوِيتِه الكشفَ (L’INTUITION INTELLECTUELLE) بما يعارض الفكرَ (L’IRRATIONNEL) مع أنّ هذا التصرفَ الفكريَّ ما هو إلاّ قذفُ جهلِ صاحبِه في حقِّ الوحيِ. فبِخلافِ المعرفةِ بالنّظر التي تتِمُّ بواسطةِ القوى النفسيةِ الأخرى، فالمعرفةُ بالكشف تتمُّ مباشرةً لكونِ الرّوحِ سرّ الأشكالِ الجسدية والبرزخيةِ. والكشفُ وسيلةُ ومحلُّ العلمِ اللاّدنّي أي العلم الذي أهابه الله لعبده آنَ نفخةِ روحه فيه وإن اُحتُجِب عن هذه المنّةِ في ظروف أسفلِ سافلين التي نحن فيها الآن. وبالكشفِ يتمُّ إدماجُ تواصلِ الكائناتِ في وحدة أمره تعالى. الشيءُ الذيّ يعجزُ عنه النّظرُ. وللكشف وجوهٌ ترتفعُ بعضها على بعضٍ درجاتٍ بحسبِ مدى إيقاظِ الهمّةِ عند العبد.

وأمّا عند العامّةِ فيظهرُ الكشفُ في صورة الإيمانِ المعهودِ لدى النّاسِ. فهو طابعٌ روحيٌّ يجدهُ الإنسانُ مقرّرًا في كيانِه ومن غير دراسةٍ ومن غير تفكيرٍ ودون أن يستطيعَ تفسيرَه. وهو سفينةُ النّجاةِ في الدّنيا وفي الآخرة. و الهويةُ هنا تكمُنُ في التّوحيدِ الذي يُتيحُه علمُ اليقينِ بِبقاءِ الفرقِ بين الرّبِ والمَربُوبِ وبِبقاءِ ادّعاءِ كسْبِ توابِعِ الوجودِ. 

أمّا عند ملقَّنِ الوسيلةِ فيظهرُ الكشفُ في صورة اليقينِ ومعاينةِ الأشياء مباشرةً. وتكمنُ الهوية هنا في التّوحيدِ الذّي يُتيحُه عينُ اليقينِ بِجعل أعراض الوجودِ المقيّدِ مظاهرًا للرّوحِ المنفوخةِ في العبدِ مع تركِ ادّعاءِ كسبِ توابعِ الوجودِ ومع بقاءِ النّسبةِ وبقاءِ الفرق بين الخالقِ والمخلوقِ، وصاحبُه على عتبَةِ العُروج الرّوحي.

أمّا عند كمّل البشرِ من رسولٍ ونبيٍّ ومن وليٍّ كلٌّ بما أعطتْهُ مرتبتُه في مشيئةِ اللهِ، فيظهر الكشفُ في صورةِ العبوديةِ التّامة ما يقتضي فناءَ نفسِ العبدِ وإطفاءَ نِسبتِه في وحدةِ أمرِه تعالى ثمّ الرجوعَ إلى الخلقِ. و الهوية هنا تكمنُ في هلاكِ كلِّ الأحكامِ الخلقيةِ بظهورِ وجهِه تعالى في الأعيانِ تصديقًا لقوله تعالى:﴿ لاَ إلـــ’ـه إلاّ هو، كلُّ شيءٍ هالك إلاّ وجهَه له الحكم وإليه تُرجعون﴾ (القصص، 88). وبما أنّ هذه المنزلةَ لا تليقُ إلاّ بربّ الأربابِ فلا إقامةَ للعبدِ فيها فيرجعُ إلى الخلقِ مُكتسِيًا حليةَ العبوديةِ ناظرًا إلى الكثرةِ بعينِ الوحدةِ وحامِلاً رحمةَ اللهِ للعالمين وراضيًّا ومرضيًّا عنه بمنزلةِ العبوديةِ المخلوقِ لها والمطلوبِ بها.

٭٭٭

أنّ إشكالية الهويّة في القطرِ المغاربيّ تكمُن في تحاذي عمدين نفسييْن تستَعليهِما روحٌ منزّهةٌ. أمّا العمدان النّفسيان فمشخّصان في الأمازيغية والعروبة. وأمّا الرّوحُ التي تفوقهما فمشخّصةٌ في الرّسالة الإسلامية. وكلّ مشروعٍ من شأنِه إعادةُ التأسيسِ السّياسيّ للقطر المغاربي لم يأخذ هذه الثلاثيةَ في الحسبان، فمآله الفشل. وهناك شرطٌ إضافي لا يقلُّ أهميّةَ في نجاعة معالجةِ المسألة وهو مدى وعمقُ التّصوّرِ الوجوديّ الذّي تندمج فيه هذه المعالجة، إذ إلى حدّ الآن لم يزل ألاّ تتِـــمَّ مناقشةُ موضوعِ الهويّة إلاّ في حدودِ مقاييس العلوم الإنسانية مع كلِّ ما تحملُه آفاقها من حـــــدّ مداها ومن توجيهها الفكري المُنحرفِ. ذلك أنّ مـــــن أُسسِـــها المنهجيــــة إنكـــــارُ        حقيقــــةِ الــــــرّوحِ لأنّ النظـــرَ وسيلتَــها لا يــــُدركُ هــــذه الحقـــيقــــةِ إلاّ كـــواقِعٍ فكــــريٍّ لا يجــــدُ الطريـــقَ إليــــه لمعرفتـــــه. 

هذا حقٌ بعينِه يدلُّ على حدودِ مدى النّظرِ ولا يدلُّ بالضّرورةِ أنّ حدَّ مدى النظر هو حدّ الوجودِ القائمِ بأسره. كما جاء ذلك بالتفصيل في حديثنا  » الفصل بين النظر والكشف « . وبسبب زيغها المبدئيُّ تُرجعُ العلومُ الإنسانيةُ أصل القيمِ إلى الإمدادات النفسية السّفلى (Les prolongements inférieurs de la conscience) للإنسان إيفاءً لنظرية التطوّر ونظرية التحليل النفسي، بحيث أنّ هذه الفرضياتِ المغرضة أصبحت مِقياسًا سائدًا في قراءة وفهمِ جدلية الحياةِ الاجتماعية وجدليةِ الحركةِ التاريخية. ما جعل من الكلام الذي ترتّب عن هذه المنهجية في الهويّة، ما جعله مشحونًا بالجهل والشّتمِ عندنا كلّما خالف نظرٌ نظرًا آخرَ. ولا يصيبُ من خاض موضوع الهويّة إلاّ من اقتفى أثرَ العلماءِ باللّه بالإقرار بأدنى واقعٍ من وقائعِ المسألةِ وبِوضعِه في المكان الذّي يناسبُه في مراتب الوجودِ.

وقبل الدخول في تفاصيل المعنى التابع لكلّ عبارةٍ من هذه الثّلاثية نُذكِّر أنّ بحسبِ ما توصّلت إليه بحوثُ الآثار الإنسانيةِ القديمةِ، فإنّ ظهورَ الإنسان في شمال إفريقيا يعود إلى أربعين ألفِ سنةٍ قبل الحاضرِ بشهادة الباحث الفرنسي (G.CAMPS). ويتمثلُ هذا الوجودُ البشريُّ القديمُ في تسلسلِ أربعِ مراحلِ: الأولى تابعةٌ  » لإنسان جبل إرحود  » في المغرب الأقصى. ثم جاءت مرحلةُ  » إنسان بئر العاطر  » في الشرق الجزائري.       ثم جاءت مرحلةُ   » إنسان مشتى العَربي  » بجوار مدينة  » تيارت » بالجزائر. علمًا أنّ هذه النماذج البشرية عبارةٌ عن تصنيفِ وجوهٍ لحقيقةٍ بشريةٍ واحدةٍ. وبحسب ما أورده G.CAMPS فإن هذه النماذج تمثّل السّكّان الأصليين. ويضيف نفس الباحث أن سلالة هذه النماذج الثلاثة في السّكان المغاربيين الحاليين أقل من خمسة بالمائة.

علمًا أنّ خلَفها يتضاعف غزارةً بقدر ما يتوجّه الباحث من بلاد تونس إلى المغرب الأقصى. أمّا المرحلة الرابعة فهي ترجع إلى موجة هجرةٍ قويةٍ إنطلقت من الشرق الأوسط قبل عشرة آلاف سنةٍ قبل الآن باتجاه شمال إفريقيا وحول ضفاف البحر الأبيض المتوسط الشمالية وسيما إلى شبه الجزيرة الإيطالية. وقد تشخّصت هذه الموجةُ البشرية في القطر المغاربي بما سمّاه الباحثون  » الحضارة الـﭭفصية  » نسبةً لناحية  » ﭭفصة  » التونسية. وأفضت البحوث إلى أنّ سلالة الموجة البشرية الأخيرة ساريةٌ في أكثر من تسعين بالمائة من السكان المغاربيين الحاليين.

وبعد هذه المقدمة الوجيزة للركيزة البشرية في القطر المغاربي، يمكننا أن نشرع في شرح المعنى المتعلق بكلٍّ من كلمات  » البربر والأمزيغية  » و  » العروبة  » و  » الإسلام « .

أما كلمة  » البربر  » فهي التسمية الواردة عن الأجانب لتعيين سكان شمال إفريقيا. ومن حين إلى آخر يرد القول أنّ معنى هذه الكلمة يفيد كل من فيه وحشيةٌ وهمجيةٌ. وكان يطلق اليونان والرومان اسم  » البربر  » على الأمم الماكثة خارج حِماهم. ولمّا كان الأمر كذلك لا نرى كيف عبارةٌ ذات المعنى العام تُصبح مخصوصة لتعيين الأمزيغيين. وبالتالي فإن هذا المعنى  مرفوضٌ لأنّه بدون جدوى. وهناك معنى آخر الذي يجعل كلمة  » البربر  » مشتقة من عبارة كنعانية تنطق  » عِبر  » مفادها الغرب من الجهات الفضائية الأصلية والتي صارت  » بر  » بعد إطفاء حرف « ع  » الأول. وتكرارٌ في كلمة  » بربر  » يعني سكان المغرب الأقصى في اللغة الكنعانية. ونفس المعنى محمولٌ من قبلِ كلمةٍ أخرى كنعانية  » عَمُرُ  » والتي صارت  » مر  » (MAURE) بعد إطفاء حرف  » ع « . علما أنّ في علم اللسانيات كثيرا ما يحلّ حرف « م  » محل حرف  » ب  » وبالعكس.

أمّا كلمة  » أمزيغ  » فمن الباحثين من اقترح معنى   » قومٌ أحرارٌ  » دون إجماعٌ بينهم. وإذا تم الإقرار به فهو ليس سابقةً خاصة بالأمزيغ. إنّ هذه الوضعية ملاحظةٌ في الحضارات القديمة.  فتسمية CELTES مثلا في أوربا الشمالية تابعةٌ أصلاً للطبقة الاجتماعية المقدّسةِ قبل أن يتوسّعَ اسمُها إلى تسمية كل القوم الذي تقوده.       وذلك حال التسمية INCA في أمريكا الوسطى والتي كانت معدّةً للطبقة السياسية والعسكرية قبل أن يتوسع الاسم إلى كل المجتمع. وهناك معنى آخر الذي يجعل اسم  » أمزيغ  » مشتق من كلمة  » آزْوَغ  » أو  » ثَزْوَغ  » الأمزيغية مفادُها اللون الأحمر. ونفس المعنى محمول في الكلمة التّرﭭــية  » أهــــﭭـــاغ  » والمعنى  » أحمر  » محمول أيضا في تسمية  » كنعاني  »  التي كان يطلقها الفينيقيون على أنفسهم. وللتذكير فإن اسم   » الفينقيون  » بمعنى  » أحمر  » ما هو إلاّ ترجمةٌ باليونانية لاسم « كنعاني « . واسم  » أحمر  » اسم قبيلة في اليمن. ونفس المعنى واردٌ في العرق الأسود عند (SONINKÉ) في عبارة  » صوننكا دومبا  » ما يجعل من مطالبة رمز اللّون الأحمر عند أممٍ متفرقةِ الأصل والفرع إشارةً إلى مرجعيةِ قيم غابرة قديمة مشتركة. وما يُبعِدُ قطعًا معنى العِرقِ أو معنى فرع العرق من تسمية  » أمزيغ « . والسؤال المطروح هنا يجري حول طبيعة هذه القيم التي تتشارك فيها أممٌ مختلفةٌ ؟  ونجد الجواب لهذا السؤال عند الشيخ عبد الواحد يحي وسيّما في تعليقه على اسم آدم والمعاني التي يحويها.          

وقد أورد أنّ اسم آدم لا يشير بالضرورة إلى مادة الدّم لأنّ الدّم ليس خصوصية الإنسان بل يشاركه فيه كثير من الحيوانات. ولذا فالمعنى الأصوبُ أنّ رمزية  اللّون الأحمر المطالبة تتعلق برسالةٍ سماويةٍ حملَها العنصر الأحمر في العهود القديمة وما قبل التاريخ، العنصر الأحمر الذي يتموقع في الغرب من الجهات الفضائية الأصلية. والجدير بالذّكر أنّ تعاليمَ هذه الرسالةِ وصل أثُرها إلى البحر الأبيض المتوسط شرقًا. ما يوحي أنّ التواصل بين أممٍ في المحيط الأطلسي وبين أممِ البحر الأبيض المتوسط جارٍ في القديم عكس ما يدّعيه الفكر الحديث وأنّ  » اكتشافات  » C. COLOMB نسبيةٌ جدًّا.

وقد يؤكّد هذه المسلمات الخبر الذي استقاه SOLON اليوناني في القرن السادس أو الخامس قبل (م) عند الطّبقة المقدّسة بــ SAÏS في مصرَ. وفحوى هذا الخبر أنّ مرجعيّة الحضارة المصرية تقعُ في  » جزيرة POUNT  » بمعنى  » جزيرة الغرب الأقصى  » والتي غرِقت في سيلٍ مُنهمرٍ قبل تسعةِ آلاف سنين قبل وقت SOLON، ما يعطي إحـــدى عشـــر ألف سنــةٍ قبـــل الحاضر. إنّ هذا الخبـــرَ الواردَ عن SOLON اليونـــاني هـــو أساس كتــاب TIMÉE  لـــ PLATON والواردِ فيه معطياتٌ حول حضارةٍ عريقةٍ في المحيط الأطلسي اسمها « ATLANTIDE » بمعنى        » جزيرة في وسطِ الماءِ  » والتي امتدّ أثرها إلى ليبيا وإلى مصر وإلى إيطاليا. إنّ هذه الأخبار توقظ في الفضاء السّامي ذكرَ قصّة قوم سيّدنا نوح (ع) الذي انعدم في سيلٍ عارمٍ. أما التّموقعُ الغربي الأقصى لقوم سيّدنا نوح (ع) فيوجبه كنية قوم سيّدنا موسى (ع) أي يوحيه اسم  » العبر  » قبل ظهور كنية  » اليهودية.  » وكلمة  » العبر  » في السّاميّة القديمة تشير إلى الجهة الغربية في توزيع الجهات الأصلية وتشير مجازًا إلى تراثٍ روحيٍّ غربيَّ الأصلِ ورثَتـــه الرّسالــة الإبراهيميّـــة فضـــلاً عــن مـــا استــَقـــتْـــــهُ مـــن جبـــــل ق أي مــــن مــــركـــز عـــالـــمنــــا هـــــــــــــــــــــــــــــــذا. 

هذا ما تشير إليه الآية في قوله تعالى ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم ﴾(الصافات، 83)، بمعنى أنّ سيّدنا إبراهيم (ع) مِمّن حملَ جزئِيًّا التراث الروّحيّ لسيّدنا نوح (ع). وقد يحمل اسم  » العرب  » نفس المعنى أي الإشارةَ إلى تراثٍ نوحيٍّ بناءً على مساواة العدد بين كلمة  » العبر » وكلمة  » العرب ». إلاّ أنّ هذا المعنى لا يؤخذ بالحصرِ، ما يُطلِعنا على علاقةٍ أكيدةٍ بين البقاع المقدّسة المكّية القديمةِ بتراثٍ روحيٍّ يرجع جزئيًا إلى عهد سيدّنا نوح (ع). وإضافةً إلى مرجعية رمزية اللّون الأحمر المشتركَةِ للشّرق الأوسطِ وشمال إفريقيا نذكر بعضَ الثّوابِتِ التي تدورُ في فلك هذه الرّمزية الرّوحيةِ، ومنها الحساب القمري ودفن الميّت ولا إحراقه، ومنها الطّواف بحركةٍ يساريّةٍ كما يجري الطواف حول الكعبة الشريفةِ. ومنها الكتابة من اليمين إلى اليسار كما هو شأن العربية والعبرية والأمزيغية أو من الأعلى إلى الأسفل كما هو الشأن في المصرية المقدّسة، ومنها عدّ بداية النهار عند غروب الشمس. إنّ هذه المعطياتِ تدلّ أنّ الأمزيغية في أصلِها هويةٌ روحيةٌ تشارِكها فيها أممٌ عديدةٌ تمتدّ إلى الشرق الأوسطِ وإلى العِرق الأسودِ، كما أنّ الأصلَ الرّوحي هو شأن كلّ الأممِ التي تحمل تراثًا شفويًّا.

وكلّما يطرأُ التّدهور الطوري على الأمم تتراجع القِيمُ الروحية في صميم حياتِهم وتتركُ بصمتَها في نفس الإنسان ظاهرةً في ملامِحِه وقيافتِه ولغتِه وعاداتِه وفنِّه وفي قصَصه. هذا ما سمّاه العلم الحديث  » الثقافة الشعبية  » بإنكارِه وتشويهِه المعهودين لرموزِ الرّوح التي ترد في الفنّ والقصص الشعبية. ومتى ما تراجعت القيمُ الروحية في حياةِ الإنسانِ صارت هويةً نفسيةً وتضع صاحبَها في حال التأثُّرِ بما يجري في الخارج إيجابًا أو سلبًا. 

ويحصل التّأثّر الإيجابيّ عندما ينهض المرءُ إلى ضرورة ربطِ الصّلةِ بالقيمِ الروحية الحيّةِ وسيّما إذا تناغمت مع نمطِه الوجوديّ الشّامي السّامي. هذا سرّ الانتماء السّهلِ والسّريعِ للبربر على التوالي إلى اليهودية ثم إلى المسيحية وأخيرا إلى الإسلام كما لاحظ ذلك المؤرخ الفرنسي E.F.GAUTHIER.

وأمّا مطالبة القومية الأمزيغية والهوية النفسية التابعة لها فهي من الأفكار المستوردة في سياقِ تأثّر الحركة النّهضوية بالحضارة الغربية الحديثة وسيما بمفهومها القومي كأساس الدولة بعدما استلمت القوةُ الماليةُ مقاليدَ السلطةِ السّياسيةِ في أوربا. وكان من المفروضِ أن تكمنَ غايةُ النهضةِ في المجتمع المسلمِ في تكييف وسائلِ العصرِ للتصوّر الوجودي الإسلامي، ليربِط المسلمُ من جديد صلتَه مع قدراتِه الروحية والتاريخية، إلاّ أنّ في واقع الأمور تصرّفَ النّهضويّون من غير قصدٍ أو بحسنِ نيّة كأنّ النموذج الغربيّ مثلٌ يُقتدى به. ما جعل من مطالبة الهوية القومية نهاية لِذاتِها عوضَ أن تُحصر في شعبة الوسائل. وما دامت مرجعية الإسلام تُقيِّد صميم الشعب وسيّما صميمَ فرعِه الأمزيغي لم تنال من وحدتِه المطالبةُ القوميةُ رغم وجودِ تناوشاتٍ على مستوى أجهزة الأحزابِ القائمةِ. لكن لمّا ترسّم حكم الاستقلال ظهرت دولٌ فتيةٌ تقيّدها القوميةُ بمزج ليبرالي أو ماركسي وهُمِّشت بالفعل المرجعية الإسلامية فيِ الفكر والعملِ السياسي لتتراجعَ إلى مرتبة  » دين الدّولة  » عوضَ أن تكون الدولة المظْهرَ السِّياسيَ للتصور الوجودي الإسلامي. ومنهجُ القومية يساوي فتح الباب لتنازع الهويات النفسية كلما تتحاذى في المجتمع. وهكذا تجاهل الدستور البعد الأمزيغي للشخصية المغاربية. وأُقْصِيَت شيئًا فشيئًا الأمزيغية من المجال السياسي والثقافي بخفظ مدى ومدّة الإذاعة الأمزيغية. 

ما أثار ردّ فعلٍ عميقٍ من الفئة الاجتماعية الأمزيغية بمطالبة الاعترافِ بالأمزيغية كهويّةٍ نفسيةِ حذاء العروبةِ والإسلام. وقد أفضت هذه المطالبةُ أواخر التّسعينات من القرن العشرين وبدايةَ الألفيةِ الثالثةِ على اعتمادٍ دستورٍ جديدٍ يجيب دعوة الأمزيغية كثابِتةٍ من ثوابِت الشخصيةِ المغاربية علاوةً عن الاعتراف باللغة الأمزيغية كلغةٍ وطنيةٍ ورسميةٍ. إنّ هذه الإجراءات صحّحت خطأ الإقصاء السّياسي وساهمت كثيرا في إحداث انفراجٍ وهدوءٍ في نقاش إشكالية الهوية. 

وفي الخلاصة فالمهمّ هو الإقرار بأنّ الأمزيغية في الأصل هويةٌ روحيةٌ قبل أن تتراجع إلى درجة الهوية النفسية لأسبابٍ طوريةٍ. إنّ الإقرارَ بحقيقتها الروحية يجنِّبُ صاحبه الغلُوّ في إعلان الاختلاف ويُجنِّبه أيضا الانجرارَ إلى سُكرِ حبِّ النفس وإلى كراهية الآخر. ومفاد هذا الحكم جارٍ فيما سنقولُه في حقِّ الهويةِ العربيةِ. 

٭٭٭

أما كلمة العروبةُ  » في تاريخ شمال إفريقيا فتعودُ إلى العمَدِ النّفسيِّ الثّاني من هويتِه. فالعروبةُ هنا متّصلةٌ بنشرِ وإرساءِ الرّسالة الإسلامية وسيّما بِتبَنّي اللغة العربية الحاملة لها. ومن العواملِ التي ساهمت في هذا التبنّي كون اللغة العربية لغةً مقدّسةً حاملةً الوحي القرآني وذاتَ صلةٍ مع اللغة الآدميةِ السّريانيةِ القديمةِ، ناهيك عن الأصل الشّامي السّامي الذي يربطُ منذ العهودِ القديمةِ الشرقَ الأوسطَ والقطرَ المغاربيَّ. وقد لعب دورًا هامًا هذا العاملُ الأخيرُ في التّجذُّر السّريع لدينِ الإسلام في شمال إفريقيا وذلك بالإقرار من المؤرخ الفرنسي (E.F.GAUTHIER) ولو أنّ نواتَ الدولة الأول شُخِص، في هذا القطر، من قبل إطاراتٍ عربيةٍ كما هو شأن الدولة الأغلبية، فسريعًا ما تفتّحت الهوية النفسية الأمزيغية لتبنّي القيم الإسلامية ولغتها الحاملة لها. وقد تجسّم هذا التلاحم الروحي والنفسي في انطلاقةٍ تاريخيةٍ أمزيغيةٍ لسِتّة أو سبعة قرونٍ. وقد أتاح هذا التّلاحمُ الترجمةَ السياسيةَ للقيم الإسلاميةِ من خلال تأسيسٍ على التّوالي الدولة الإدريسية والدولة الرّستومية ثم تأسيس الدولة الفاطمية ثم الدولة المرابطية وأخيرا دولة الموحّدين . إنّ دقائقَ هذه الفترة التاريخيةِ في القطر المغاربي قد حُمِّلت وكُتِبت من قِبلَ فاعلٍ أمزيغي كرئيسِ دولةٍ وكعالمِ و كمهندسٍ وكفَقيهٍ وكوَلِيٍّ علمًا أنّ هذه الدقائقَ نُسخت باللغة العربية للأسباب المذكورة آنفًا. وبعد ذكر ما آلَ إليه تبنّي اللغة العربية في تاريخ شمال إفريقيا فلـــنَلفِت النظر إلى معنى العروبة. وللعروبة معاني شتى تتفاوتُ بعضُها بعضًا رتبةً. ومنها ما جاء في الأخبار عن الأزهري مفادُها إرجاعُ صفةِ العُروبة إلى تحويلِ اسمِ بقعة العَرباتِ إلى الفرع السّاميّ الذّي استولى عليه في القديم. وهناك خبرٌ يفيدُ العكسَ أي أنّ تسميةَ البُقعةِ ظهرت بعد ما استولت عليها قبائلُ العرب في عهودٍ غابرةٍ. وقد يكون الخبر الثاني أقرب للحقيقة من الأوّل نظرًا للمعاني الواردةِ عن خبرٍ ثالثٍ مفادُه أنّ العرب قسمانِ: عربٌ عاربةٌ تقطنُ جنوبَ شبه جزيرة العرب وجدّهم اسمـــــه قــــحـــطـــــان. أمّــا القســـم الثانـــي فـــيـــنـــاســبُ العـــــربَ المستعـــربــــةَ والقـــاطنـــةَ شمــــال شبــــهِ جزيــــرة العــــــرب. 

وعبارة  » المستعربة  » هنا توحي أنّ ثمّةَ قومٌ ساميّ الأصلِ وغير عربي ظاهرًا جاء يطلبُ الانتماءِ إلى النّسب العربي، علمًا أنّ الانتماءَ بهذا الشّكلِ يستحيلُ الإجابةُ له نظرًا لعدم توفُّرِ شروطِ الأُبوّةِ التي تقيّدُ النّسبَ الجسدي عند الأممِ. ما يلزمنا البحثَ على معنى آخرِ تَكِنُّه عبارة  » العرب المستعرِبة « ، إذ ورد الخبرُ في هذا السّياقِ أنّ سيّدنا إسماعيل ابن سيّدنا إبراهيم (ع) هو أبُ العربِ المستعربة أي أنّهم حِذارٌ منه بعد أن تزوّج امرأة عربيةً عارِبةً من بني جُرهُم. ما لم يُزِل عُرفًا نسبَهم الجسديَّ الخارجيَّ. وما لم يحقِقَ عُرفًا نسبَهم إلى العرب العارِبةِ. ما يُبقي السؤالَ قائمًا على سرِّ عبارة  » العرب المستعربة « . والسّبب والذّي هو أيضا الجواب للسؤال، أنّ          » الاستعراب  » هنا ليس مربوطًا بقاعدةِ النّسبِ الجسدي بل هو قائم على النّسب الرّوحي الذي يجمعُ في حقيقتِه كلّ الأنساب الأخرى الممكنةِ. ولذا جاء في الخبر أنّ سيّدنا إسماعيل تلقّى اللّغةَ العربيةَ الفصحىَ وحيًا وعمرُه لم يتجاوزْ أربعَ عشر سنةٍ عندما انبَجس ماءُ زمزم تحت قدميه وأمّه هاجر في سعيها بين الصّفا والمروى مستغيثةً الله في حال عطشٍ شديدٍ. ما جعل من  » العرب المستعربة  » ظهورَ مظهرِ منّةٍ الاهِيةٍ  للاستقامة وتكييف البيت الحرام في مكة المكرّمة لظروفٍ طوريةٍ جديدةٍ. ما يدلُّ أنّ تأسيس البقاع المقدّسة في الحجاز يرجعُ إلى عهد ما قبل سيّدنا إبراهيم (ع). وإنّ هذا  الرّسوخَ الرّوحي للعروبة أكّدتْه أخيرًا الرّسالة المحمّدية برفع أصلِ لسانِ العربِ إلى حضرة الّلسن في اللّوح المحفوظ وبذكره  » بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ  » مع كلِّ ما يمكنه من وصلٍ نورانييّ دائم فضلاً عن كلِّ المعاني الأخرى والمعهودة عند اللّغويّين والنّحويين. وهذا هو المعنى الرّوحي الذّي كان يسودُ، إلى حدّ الخمسينات من القرن العشرين، كان يسود عُمقَ المغاربةِ عند ذكرهم العربَ والعروبةَ. وكلّما ضعفت روحيةُ العروبةِ عند المرء تراجعت إلى درجة الهوية النفسية. وأمّا ظهور القوميةِ العربيةِ والتّرويجُ الفكريُّ لها فهما راجعان لنفس الأسباب التي ذكرناها عندما تطرّقنا لبروز القومية الأمزيغية. فهي مجموعةٌ في تأثير النّهضويّين بالنموذج الفكري السياسي الغربي الحديث والذي أسّس الدولة على الهوية القومية في سياق استلام السلطة المالية مقاليدَ الحكمِ في الغرب إثر ثوراتٍ وظّفت لها الجماهيرَ الشعبية. نضيف أنّ خطابَ القومية العربية قد ارتدَى منذ انطلاقَتـــــِه شكلاً عِلمانيًّا صريحًا لتأسيسه من قبل العربِ المسيحيين مثل أمين الرّحاني وأنطوان سعداة وبعدهما مثل ميشال عفلق. حيث أصبحت القومية للعرب المسيحيين فرصة لنبْذِ والتخلّص من حكم الذّمّي الذي كان يقيدهم في إطار الحضارة الإسلاميةِ ذلك أنّه لم يُعِرْ الخطابُ القوميُّ العربيُّ للإسلام إلاّ قيمةً ظاهرةً إنسانيةً تاريخيةً لا صلةَ لها بالوحي. ولمّا أثّر هذا الخطابُ في الوسط الإسلامي نتج عنه خطابٌ قوميٌّ يقرُّ بروحية الإسلام وبحكم تنزيله لكن ليُبقيه في حكمِ تراثٍ ثقافيٍّ وشرعيٍّ ولِيُهمّشه بالفعل عن الفكر والممارسة السياسية ولِيستَدرِجه إلى حكم  » دين الدولة « . وللتّذكير فإنّ هذه العبارةَ الأخيرة تناسب تاريخيًا في العالَم الحديث المرحلةَ الأولى في عملية عزل الدين عن الحياة الاجتماعيةِ والسياسيةِ.

وقد مارس الفكرُ القوميُّ العربيُّ نفوذه عند كلّ الإطاراتِ والطلاّب المغاربيّين الذين تكوّنوا أو درسوا في الشرق الأوسط بحيث أنّ سجالَ الصراعِ الفكري والسياسي في الشرق والغرب ممزوج بالقومية العربية والقومية الأمزيغية وبالقوميات الأخرى السّريانية والفرعونية وبحركات التيار الإسلامي فضلا عن كلّ ما يحمِله تنازع الليبرالية والماركسية. ولنا في كل هذه العواملِ الفكريةِ معالمُ للنفوذِ الغربي نحو تفكيكِ العالمِ الإسلامي من مركزه الجغرافي والتاريخي.

وفي الخلاصةِ نجدّدُ نحو هوية العروبة ما قلناه في حقّ الهوية الأمزيغية، بمعنى أنّ العروبة في أصلِها هويةٌ روحيةٌ وأنّ التّمسّك بهذه الحقيقةِ المبدئية يجنب صاحبه الغلوّ في إعلان الاختلاف ويجنّبُه أيضًا الانحراف إلى كراهيةِ الآخرِ.

٭٭٭

بقي لنا أن نذكر العمد الثالث للهوية المغاربية والذي هو الإسلام. إنّ أهميّته في كونه رسالةً سماويةً فتحت للهوية النفسية الأمزيغية آفاق العالم الروحي وسرّ الوجود أكثر مما أقدمت عليه الرّسالة المسيحية قبلها. وكانت هذه الغاية الروحية سبب تبنّي اللغة العربية لقدسيّتها وكانت سببَ تعريب القطر جزئيًا. ذلك أنّ من كلّ العوامل التي لعبت دورًا هامًّا في تاريخ شمال إفريقيا كان الإسلام ولا يزال العامل الأهم حيث أنه غذّى وقيّد الفترة التاريخية الأطولَ والأعمق مقارنة لما أسفرت عنه العوامل السابقة له. وهذه هي الخلاصة التي انتهينا إليها في حديثٍ سابقٍ في سياق فلسفة التاريخ والمعنون  » ميدان الدراسة التاريخية في شمال إفريقيا « .

فعلاً فإنّ القيمَ الإسلاميةَ سببُ انطلاقةٍ تاريخيةٍ أمزيغيةٍ فاعلةٍ لنحوِ سبعةِ قرونٍ بمجرّد أن أصبحت الهوية النفسية الأمزيغية مظهرًا لها في الميدان السياسي والحضاري من خلالِ سلسلةِ دُولٍ ذكرها العلاّمةُ ابن خلدون في بحوثِه ؛ بينما كان لا يُذكر الأمزيغيُّ في الفتراتِ السّابقةِ إلاّ في علقاتٍ خارجيةٍ موجزةٍ جدًّا لعدمِ دورٍ فعّالٍ له فيها. إنّ هذه العبرَ التاريخيةَ تثيرُ السّؤالَ حول معنى أهميةِ مرجعية الإسلام في حياة القطر المغاربيّ. ففضلاً عن كونه رسالةً سماويةً ففضلُ الإسلام يرجع إلى حكمِه خاتمَ سلسلةِ نُبُــــوّةِ التّشريعِ. 

ومن حيث أنّه رسالةٌ كسابقاتِه جاء الإسلامُ لإدماج أيّةَ هويةٍ نفسيةٍ في عالميّة الرّوح استجابةً لما يطلبُه الإيمانُ من توحيدٍ عند كلّ إنسانٍ وخرقًا لما يستشعِره النظرُ وراء الطبيعةِ دون أن يصلَ إلى فهمِ ومعرفة سرِّهِ. ومن حيث أنّه خاتَمُ مجرى الرّسالةِ، فللإسلام ميزةُ رتبةٍ على كلّ الرّسالاتِ السّابقةِ. فهو الرّسالةُ الوحيدةُ التي تقرُّ علنًا بشرعية كلّ الرّسالاتِ السابقةِ لها وبمطالبةِ تراثِها الرّوحي كما جاء في قوله تعالى ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربِّه والمؤمنون، كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحدٍ من رسله ﴾ (البقرة، 285). نضيف أنّه ولو لم يردْ في نصّ القرآن إلاّ أسماءُ الأنبياءِ والرّسلِ المُنتمِين إلى الفضاء السّاميّ، ففي نفسِ النّصِ إشارةٌ بإقرار الرّسالاتِ التي وردت خارج هذا الفضاء وبمطالبة تراثها الروحي كما جاء في قوله تعالى ﴿ ورسُلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسُلاً لم نقصصهم عليك﴾  (النساء، 164). وكون الإسلام خاتمَ الرّسالةِ يؤشّرُ إلى دورٍ له غير مسبوقٍ وغير منصوصٍ في سابقاته. ما يجعلُ من ظهورهِ إشارةٌ أنّ طورَ البشرِ قد بلغ حدَّ مجراه في أمرِ الله وأنّه على وشَكِ حدثٍ لم يَحدُث من قبلُ. وقد تلمحُ إلى ذلك ظاهرةُ العوْلمة الحاليةِ والتي هي منتهى عملية الإدماج على مستوى الإنسانية بحيث أنّه حصل تواصلٌ شاملاٌ وعضويٌّ بين كلِّ أممِ المعمورةِ. وفي سياقِ فلسفةِ التّاريخِ فإنّ العولمة تصادفُ التّوسّع الأقصى للحضارة الغربية الحديثةِ ولِمظاهر نمطها الخاضع للدافع المادي والحامل من أخطارٍ تحدِقُ بالبشرية قاطبةً. وكل ذلك نظرا لانقلاب قوّته التقنية على الإنسان من خلال تِرسَاناتِه المدمرة ومن خلال تدهور بيئته إلى ما لا رجعة فيه ومن خلال اضمحلال الأخلاق إلى درجة لم تسبق عند الحيوانات ومن وراء قناع الحرية. إنّ هذا المشهد عين الانحطاطِ رغم ظواهرِ القوةِ التقنيةِ فيه ويستبعد فرضية انتقالِ القيمِ الحضاريةِ لعدمِ توفّرِ أرضٍ تهجرُ إليها كما كان الأمر عليه قبل بروز العالم الحديث. ما يُنبّئُ بحدثٍ غير معهودٍ يطرأ على الإنسانية بل على كونها . وحينئذ ما بقي للإنسان إلاّ أن يعود لرشده بربطه الصلة من جديد مع الدافع الروحي. وللإسلام في هذا الشأن دورٌ مخوّلٌ له لتوجيه وقيادة البشرِ نحو هذه الغاية المرجوّة كما جاء في قوله تعالى ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾ (الفتح، 28). وقد تشيرُ هذه الآيةُ إلى فضل الإسلام في صورة سفينةِ نجاةٍ تقود الإنسانيةَ إلى اجتياز حدِّ طورِها قبل أن تظهر أرضٌ غير الأرض وسماواتٌ غير السماواتِ. ولهذا الغرض جاء الإسلام معلنًا ومُحضِرًا الدّينَ القيّم الحنيفَ بموجبِ النموذجِ الإبراهيمي الحاملِ للتّوحيد الحقِّ وفوق كلِّ أشكالِ التّوحيدِ الواردةِ في حلقات النبوّة والرّسالةِ الماضيةِ.

إنّ هذا الفضلَ الذي فضّل الله به الإسلام قد أنكره ضمنيًّا أو جهرًا تيارٌ في الغرب يدّعي التحقيق ليُبقي الإسلامَ على نفس قَدمِ المساواةِ مع الدّياناتِ الأخرى كأنّ الحياة الدنيا خالدةٌ ولا تنهى يومًا مَا. مع أنّ باقي الرّسالاتِ الحيّةِ ذات صدى محدودٍ في الأوضاع المتأزمة الحالية لشكل نمطِها الأصلي أو لأسباب ظرفية طرأت عليها. ما جعلها لا تؤدي مهمّتَها إلاّ في إطارٍ معيّنٍ ؛ بينما الإسلام مُخلَصٌ من كلِّ هذه القيودِ سواءٌ أخذنا في الحُسبانِ الرّسالاتِ القريبةِ نَسبًا منه كاليهودية والمسيحية أم أخذنا في الحُسبان الرّسالةَ الهنديةَ والرّسالة الصينيةَ. 

ذلك أنّ دعوةَ الإسلامِ لا يقيّدها النّسب الدّميّ كما في اليهودية ويحمِل منهج النّجاة كما هو في المسيحية ويحمل منهجَ التّحقيق لكلّ من له استعدادٌ لذلك. ولم يقيّدهُ عاملُ العنصرِ كما هو الشأن في الرّسالة الصينيةِ وأخيرًا لمْ تقيِّدهُ خُلُق الطّبقات النفسية كما هو الشّأن في الرّسالة الهندية. وخلاصة الخلاصة في شأن الهوية أنّ الهويةَ النفسية بما يترتّبُ عليها من ألوانٍ ولسنٍ وأنماطٍ فإنّها عبارة عن بسطِ مدارجِ حكمة الله في خلقه. فهي معقولةٌ لتصادُفِها أواخِر الطّورِ البشري. ذلك أنّ الله عزّ وجلّ قيّد وكيّف فيه رسالاته للظّروف التي يعيشها فيه المقصودون بها. وأمّا الهويّة الرّوحية فهي هويةُ الهوياتِ، إذ هي منبعُ ومرجعُ الوجود المقيّد. فهي عبارةٌ عن الطولِ الموصِل العامّةَ إلى سعادة الدّنيا وإلى النّجاة في الآخرة، والموصلِ الخاصةَ إلى أصلِ الوجودِ المقيّدِ وإلى التّوحيد الحقّ في صورة العبوديةِ التامةِ المخلوقينَ لها والمطلوبين بها. ولهذه الغايتين قد أوتي الإسلامُ ما لم تُؤتىَ الرّسالاتُ الأخرى لكونِه خاتِمَ النّبوِّة والرّسالةِ ولكونه بذلك سفينةَ نجاةِ الإنسانيةِ قبل شروقِ أرضٍ وسماواتٍ جديدةٍ.

You may also like

error: Content is protected !!
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00