العامل الاستراتيجي والمسألة السياسية
في العالم الإسلامي
I – الهيمنة الغربية التاريخية
ليست الهيمنة الأمريكية الحالية نتيجة صدفة بل هي نتيجة تنسيق وتفاعل العوامل التي أنجبت العالم الحديث (le monde moderne) – حيث لا يتّسع الوقت لنا حتى نعرض هذه العوامل بإسهاب فنكتَفي بذكر المختصر حتى يتمكّن فهم الأوضاع الحالية للعالم لكلّ من أراد أن يتقن مبدأ هذه الأوضاع ومنتهاها.
إنّ العوامل التي لعبت دورًا أساسيّا في ظهور العالم الحديث أربعة وهي منطلقة منذ القرن الثالث عشر ميلادي في أوربا الغربية (Europe occidentale) ومنها:
1.الانتكاس الذّاتي للسلطة الروحية التي مثلتها طيلة قرون الكنيسة (l’Eglise catholique). إنّ هذا الانتكاس تشخّص في معرفة الكنيسة لا تتجاوز طور الرسوم المسيحية متجاهلة بواطنها وحقائقها. وتجسّم هذا الانحطاط للكنيسة في الميدان السياسي بقضائها على امبراطورية المقدسة الجرمانية (le saint empire germanique) سنة 1265م تلك الدولة التي كانت تمثل الوحدة السياسية للمسيحية في القرون الوسطى. وتمثل هذا الانحطاط الروحي من جهة أخرى في حظر منظمة الهيكل (l’ordre du temple) سنة 1312م.
- أمّا العامل الثاني فيكمن في بروز الملكية المطلقة التي غيرت معنى السياسة من ضمان التوازن والتّناغم بين أفراد فئات المجتمع إلى معاملة المجتمع إلاّ كوسيلة لإرضاء هوى الملك.
- أمّا العامل الثالث فهو تمثل في صعود دور القوة المالية للتّجار بعد تضاعف دور النقد كقيمة التبادل (valeur d’échange) وحلّت واسطة النقد محل تبادل السلع القديم، مما أتاح للتجار أن يكدّسوا أموالاً هائلة من النقود وأن يؤسّسوا البنوك الحديثة. هذه القوة المالية سمحت للتجار أن يتسرّبوا تدريجيًا في هياكل الدولة بمنحِهم القروض للملك وللدولة حتى أصبحوا يديرون كل السياسة بما تقتضيه مصالحهم من الرّبح ثم الربح على حساب الطبقات الفقيرة من الشعب إذ تحمّلت هذه الأخيرة عبء الجباية والرسوم التي دبرتها عليها طبقة التجار. وقد تضاعف دور القوة المالية للتجار في المجتمعات الغربية عند ظهور ما سُمّي بالإصلاح الاحتجاجي (la réforme protestante) من خلال إباحته مبدأ الرّبا. وهكذا انتشرت وترعرعت نفوذ القوة المالية على ربوع أوربا الغربية بقدر انتشار هذا التيار المسيحي الحديث مكذّبا ما أدّعاه من رجوع إلى أصل المسيحية.
- أمّا العامل الرابع فيتمثل في ميلٍ عاطفي إلى بقايا ذاكرة الحضارات الغربية القديمة والبائدة وسيّما إلى حضارة اليونان والحضارة الرومانية. وقد أثار هذا الميل العاطفي لآثار الماضي تيارًا أدبيًّا وفكريًّا يغذّيه مال التجار ويقوي من جهته النفوذ السياسي للتجار بإحداث رؤية جديدة للوجود تؤسس في العقول مبدأ أولية الدنيا على الآخرة والهوى على الروح. وبقدر ما أعطى هذا التيار الأدبي والفكري دفعا جديدا لنفوذ القوة المالية في نفس السياسة فبنفس القدر برزت الجمهوريات التاجرية (Républiques marchandes) في شبه الجزيرة الإيطالية مع Florence, Genes و Veniseالموقع الجغرافي الذي لم يفلح فيه التيار الإصلاحي الحديث بسبب وجود فيه مركز الكاتوليكية Le Vatican.
إنّ التفاعل والتنسيق الحاصل بين هذه العوامل الأربعة أدى إلى الثورات السياسية المنشودة في تاريخ الغرب الحديث باسم الشعب مع أنّ هذا الأخير ما كان إلاّ أداة وُظّفت لأهداف القوة المالية. وهكذا تكوّنت الدول الوطنية الأولى في تاريخ البشرية كشكل أوّل ورسمي يكرس السلطة المالية في حياة الإنسان في صورة رأس مال يتغذى بالرّبا ويحمله التجار ثم البنوك بعد تسخير البحث العلمي وتطبيقه الصناعي في خدمة الرّبح كنهاية بذاتها وبدون أيّة مراعاة لما يتبع هذا المنهج من استلاب الإنسان عن مركزية موقعه في الكون كما تذكرنا بذلك كل الحضارات القديمة المؤسسة على مبدأ الرّوح
وبقدر ما استولت القوة المالية على السلطة السياسية عبر كيان الوطن تضاعفت احتياجاتها إلى ربح أكثر فنجمت عند ممثليها فكرة التوسع الجغرافي بحثا على الذهب والأحجار النفيسة وعلى كل ما من شأنه أن يزيد الربح والكسب. فحينئذ موّلت رؤوس الأموال كل الحملات التي انطلقت من أوربا منذ القرن الخامس عشر ميلادي والتي أقدمت عليها إسبانيا والبرتغال وفرنسا وانجلترا نحو إفريقيا والهند وإلى القارتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية.
ومن المؤكد أنّ رأس المال اليهودي لعب دورا هاما في تمويل هذا التوسع الجغرافي التاريخي إذ يتقدم بكثير الدور الذي لعبه في المجال رأس المال الوطني. ولهذا الدور الصّاعد لليهود أسباب بسيطة . فبقدر ما ينقص نفوذ القيم المسيحية في حياة المسيحي فبنفس القدر يتموقع النفوذ المالي اليهودي في الوطن ذاته. هكذا استولى رأس المال اليهودي على الاقتصاد البريطاني منذ القرن الثامن عشر ميلادي حيث قدّم اليهود رأس المال للبنية التحتية مع حصولهم على تسيير تلك الأموال المقروضة – السبب الثاني الذي ساهم في صعود النفوذ المالي لليهود هو تشتيتهم عبر الأمم الذي أتاح لرؤوس أموالهم أن يتجاوزوا حدود الوطن الضيق إلى ربوع القارة الأوربية قبل أن يتمكنوا في أمريكا كأرض موعودة تدير البنوك اليهودية انطلاقا منها حركات رأس المال على مستوى الكرة الأرضية حتى تقيّد القوّةُ المالية السياسة والتربية والإعلام وكل مجربات الحياة اليومية تحت شعار التقدم.
وقد أبرز K. Marxالدّور اليهودي المالي في كتابه « المسألة اليهودية » حيث قال حرفيا: « تخلّص اليهودي بطريقة يهودية لا باستيلائه فقط على المساحة المالية بل بمساهمته ودوره في جعل النقد المالي قوة عالمية وبجعل هذه الأسوة اليهودية أسوة اقتدت بها الشعوب المسيحية. إنّ اليهود تخلّصوا من كل القيود بقدر ما تهوّدت الشعوب المسيحية.
وهكذا جرت وتسارعت الأمور في تاريخ الغرب الحديث حتى أثار حكم القوة المالية ردود فعل تمثل في ظهور التيار الاشتراكي على المستوى الفلسفي والسياسي والنقابي وفي ظهور التيار العنصري، فنجمت إثر هذا التناقضات في أوربا أزمة متعددة الأبعاد والتي أسفرت على إقامة ثورة أكتوبر 1917 في روسيا Hitler واستلام Hitler مقاليد السلطة السياسية في ألمانيا.
وبينما تتخبط أوربا في تناقضاتها الوطنية تسلّطت القوة المالية على ربوع أمريكا الشمالية بعد إبادة مجتمع الهنود الحمر وقبل أن تفرض نفوذها على كل القارة الأمريكية الجنوبية في وقت لاحق. وفي مرحلة تالية امتدّ نفوذ القوة المالية الأمريكية إلى باقي العالم بعد تدخلها لحسم الحرب العالمية الأولى الدائرة في أوربا مقابل تعهد بريطانيا لإقامة دولة صهيونية في فلسطين. ويعرف هذا التعهد بوعدBALFOUR (1917). وسطو القوة المالية على العالم بواسطة الدولة الأمريكية قد لخصه في مذكراته الجنرال Smodley Butler في الثلاثينات من القرن العشرين حين كتب ما يلي: » عشت ثلاث وثلاثين سنة وأربعة شهور في خدمة ألMarines . طيلة هذه الفترة لعبتُ دور السيد العضلات في خدمة أوساط الأعمال وفي خدمة (Wall street) وأصحاب البنوك – كنت لصًّا في خدمة رأس المال العالمي – وهكذا ساهمتُ في تصفية (Nicaragua) لفائدة البنك العالمي Brothers Brownبين 1909 و 1912. ساهمت في رد Mexique وسيما الإقليمTampico مكانا آمنا للمصالح النفطية الأمريكية سنة 1916. أتيتُ النور للجمهورية الدومانيكية لمصلحة الصناعة السكرية الأمريكية سنة 1916. وساهمت بجعل هايتي Haïti وكوباCuba مكاني حرمة لأصحاب National City Bankحتى يغوصوا في الربح وساهمت في اغتصاب ستّة دول خدمة لــWall street « . ثم قال » ساهمت في الصين سنة 1927 وسهرت حتى تتمكنstandart oil أن تؤدي أعمالها في الهدوء وعندما التفت إلى الوراء أشعر أنني كِدت أن أُلقِّن دروسا لــ Al Capone لأنه كان يقدم لفعلاته في ثلاث مدن بينما كنت أعمل في ثلاث قارّات ».
II
العالم الإسلامي والنفوذ الغربي
حان الوقت لشرح الأحداث الأليمة التي نجمت وتفاقمت على الساحة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها مع الالتفاف الذي يصاحبها بغية توجيهها عكس منفعة أمتها وبغية إرساء النفوذ الغربي في حياتها بإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية. وقبل الشروع في طرح ومعالجة العوامل التي تقود من الكواليس الأحداث التي تجري على أعيننا إنّه من المفيد أن يُبرز الإطار العام التاريخي والفكري الذي يقيد تلك الأحداث التي تشغل بالنا وتقلقه وسط تضليل إعلامي صارخ.
أمّا الإطار العام للأحداث فهو مشار إليه في الفترة السابقة وهو الهيمنة الغربية على بقية العالم بعد انتصار الغرب الحديث على القوات المقاومة له وسيّما بعد انتصاره على التيار الصّوفي الذي سدّ الفراغ السياسي في العالم الإسلامي طيلة قرون عِلما أن فشل التيار الصوفي نفسه دليل لا على ضعف مبدئه بل دليل على ضعف أصحابه وكلّ أولئك الذّين من المفترض أن يكونوا له مظهرا لغرس القيم الإسلامية في وجدان المسلمين.
وعلى كل حال بعد التّهميش الظاهر للنفوذ الصوفي في المجتمع الإسلامي وبعد صعود نفوذ الغرب في صميم حياة وفكر روّاد النهضة الإسلامية أصبح النموذج الغربي الحديث مثلا يقتدى به حتى نجمت التيارات القومية في العالم الإسلامي مع مواكبتها بنزعات سياسية وبالمدّ الفلسفي والثقافي الذي يدور في فلكها على غرار ما جرى في الغرب من توجيه » ليبرالي » (Libéral) أو توجيه اشتراكي شيوعي. مما أحدث في المجتمع الإسلامي تقسيما ثانيا بعد التقسيم القومي.
إنّ كل التيارات السياسية إسلامية الأصل التي انتهجت فكرة الدولة الوطنية وطالبت بالاستقلال عملت بكل حسن ظنها على هذا المنوال أي اقتدت بالنموذج الغربي الحديث لا كمستفيد منه بل كضحية له.
ثم بعد الحرب العالمية الثانية كرّس الوضع الاستراتيجي الناجم عنها قوّتين عظيمتين وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (URSS). وهكذا أصبحت الحياة السياسية والفكرية مقيدة على مستوى الأرض بتجاذبات مصالح هاتين القوتين. وقد قضى هذا التجاذب على أمل حركة عدم الانحياز التي كانت تحمل قوّةَ توجهٍ ثالثٍ مشحون بالروح إلاّ أنّ حامليها السياسيين من العالم الثالث لم يرتقوا إلى مستوى التحدي المطلوب منهم لمَيلِهم الفكري للنموذج الغربي الحديث رغم حسن ظن كثير منهم. وهكذا أصبحت حركة عدم الانحياز موءودة بعد ولادتها رغم مساهمتها لتصفية الاستعمار شكلاً ولا مضمونًا بالضرورة.
دائمًا في ما يخص الإطار العام للأحداث من المهم أن نلفت النظر إلى ما أسفر عليه محور (Washington-Moscou) في العالم الإسلامي كي تسهل علينا القراءة وفق الأحداث التي تجري فيه منذ أكثر من ستة عقود تقريبًا.
فمنذ الخمسينات وسيّما السّتينات من القرن العشرين تاريخ تصفية الاستعمار شكلا، انقسم العالم الإسلامي على اتجاهين ؛ منه بلدان اندمجت سياسيًّا في المعسكر الغربي كتونس والمغرب والسودان ولبنان والأردن وتركيا وبلدان الخليج بما فيهم إيران والعراق إلى آخر الخمسينات وباكستان وماليزيا وأندونيسيا وبلدان أخرى التحقت بالمعسكر الشرقي منهم الجزائر وليبيا ومصر وسوريا واليمن الجنوبي وغينيا ومالي في افريقيا الغربية. جلّ هذه الدول الإسلامية باستثناء المملكة العربية السعودية اعتمدت النموذج الغربي على شكليه المعهودين مسجلة الإسلام كدين الدولة عوض أن تكون الدولة الفتية ترجمةً سياسيةً للقيم الإسلامية. وما كان هذا الانحراف المبدئي إلاّ إعادةً في بلاد الإسلام لما سبق أن وقع في الغرب في سياق الإقصاء المرحلي والمنهجي للقيم الروحية من الحياة السياسية قبل أن تقصى من الحياة الاجتماعية.
ثمّ إنّ هذه الدول الفتية قد حققت نوعًا من النجاح في التعليم والتغذية والطّب علمًا أنّها من جهة أخرى أنظمة فقيرة إلى الشرعية الحقيقية لما شحنه أفرادها المؤسسون لها من فكرٍ ومعاملةٍ سياسيةٍ غريبين عن واقع المجتمع الإسلامي الذي تولت قيادته. مما جعل فجوة بينها وبين الشعوب التي تقودها، حتى أنها ارتدت وجهًا قمعيًّا عند ولادتها على مرئ وعلم القوى العظمى التي تولّتها.
وقد أسّس هذا الضعف في الشرعية منهجًا للقوات العظمى كي تمارس الضغط السياسي والاقتصادي لجلب هذه الدول الإسلامية إلى مواقف لا تتماشى مع مصالح الشعوب المعنية وسواءً أن تمّ هذا الضغط بصفة مباشرة أو تمّ بتوظيف معارضة أو بالتلاعب بالطائفة المسيحية حتى نشبت الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975.
أمّا المملكة العربية السعودية فهي نتيجة تزاوج آل السعود وآل عبد الوهاب على آل الرشيد المنافس بمباركة بريطانية في إطار مساعيها لتفكيك بقايا الدولة العثمانية في الشرق الأوسط وفي إطار مساعيها لتأسيس رواسي استراتيجيتها في المنطقة والمرتبطة بثروات النفط الهائلة الموجودة في شبه جزيرة العرب.
فبعدما كانت منحصرة في النجد طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أقبلت بريطانيا إلى تأييد وتوسيع المملكة الفتية إلى البقاع المقدسة في الخموس الأول من القرن العشرين لِسبَبيْن: أوّلهما معارضة آل سعود للدولة العثمانية ؛ وثانيهما معارضة المذهب الوهابي لباقي المذاهب الإسلامية. وحصّنت بريطانيا مصالحها النفطية بإبرام معاهدة مع الملك عبد العزيز بموجبها ألاّ تُمضي المملكة أية اتفاق ولا تربط أية علاقة مع الخارج إلاّ بعد استشاره ممثل بريطانيا وأن تُقرّ بمبدأ إقامة دولة يهودية في فلسطين. ومن مميزات العهد الملكي الجديد أنّه رفع اجتهاد المذهب الوهابي الذي اعتمده إلى مستوى العقيدة بحيث فوّضت الوهابية نفسها تكفير كلّ من خالف اجتهادها بحجّة أنّه خالف العقيدة الإسلامية ولو وفّى بما جاءت به الأركان الخمس.
ومن مخلّفات هذا التّصرف في فقه الإسلام ما أقدمت عليه السلطات السعودية سنة 1926 بتحطيم كل الآثار التاريخية الإسلامية في مكة المكرمة وبتحطيم الأضرحة الراجعة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولأصحابه ولأزواجه أمهات المؤمنين في المدينة المنوّرة بحجّة أنها مظاهر للشرك.
وقد أعلنت نفس السلطات نِيّتها تحطيم ضريح سيّدنا محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لولا الضّجة التي أثارها القرار في العالم الإسلامي وسيّما الاحتجاج الذي صدر عن الأزهر الشريف ومسلمي الهند آنذاك. ولم تشعر الوهابية إلى يومنا هذا أن فعلتها تدل على أنها تحمل الشرك الخفي حيث تعتقد ضمنيًّا أنّ هناك فجوة مطلقة بين حقيقة الله وخلقه متجاهلة الآيات التي تنفي ذلك ومتجاهلة الآيات التي تشرّع التّوسّل.
وأمّا دولة الكويت ودولة الإمارات فهي حديثة النشأة في السّتينات وبداية السّبعينات من القرن العشرين بموجب الشعار البريطاني الضمني » إمارة لكل بئر نفط » وهذا قبل أن تسلّم الأمر للهيمنة الأمريكية مُقِرّة بالانتكاس النهائي لقوّتها العسكرية. وهكذا حلّت القوة الأمريكية محل القوة البريطانية في إدارة الخليج بما تقتضيه الاستراتيجية الغربية. وللتذكير قد أبرمت السعودية عهدا مع أمريكا بداية الثلاثينات أو الأربعينات من القرن العشرين أمضاه الرئيس Rooseveltوالملك عبد العزيز على ظهر سفينة حربية في البحر الأحمر والذي بموجبه أن تضمن السعودية تموين أمريكا بالنفط مهما كانت الظروف وأن تضمن أمريكا استقرار المملكة السعودية الوهابية من كل قوة تريد استبدال النظام بنظام آخر. وهنا تبدو العلاقة العضوية التي تربط السعودية بأمريكا وبريطانيا. ويبدو بسط الهيمنة الأمريكية على كل الخليج بحيث لا يحدث أيّ شيء في الميدان المالي أو السياسي إلاّ بمباركة بل بوحي من أمريكا (Wall street) أي المركز المالي الأول في العالم.
وقد أسفرت هذه التبعية للغرب إلى أن حالت دون أن تظهر في الخليج نهضة علمية وفكرية وصناعية إلى يومنا هذا فحصرت هذه الدول إلى لعب دور ثانوي يتحدد في التجارة وتحويل الأموال الضخمة لسدّ حاجاتها التي تفوق تكاليفها تكاليف ما يحتاجه المواطن الألماني مثلا في الطاقة. وقد لا يظهر هذا التبذير في ذات عدد السكان لا يتجاوز نصف المليون أو ربوعه إلاّ أنّ الحال حال التبذير.
ومن علامات تبعية دول الخليج بما فيها إيران الشاه عهدها لأمريكا على أن تبقى على عملة » الدولار » في معاملاتها التجارية والمالية بعدما فصل الرئيس Nixon قيمة الدولار من قيمة الذهب سنة 1971، وهكذا أصبحت دول الخليج ركيزة إقليمية وظّفتها أمريكا في تلاعبها بقيمة عملتها على مستوى العالم بما تقتضيه هيمنتُها المالية والعسكرية على باقي العالم. ونضيف إلى ما تقدم ما أسفرت عنه ما سمي تضليلا » أزمة النفط لسنة 1973 » حيث فرضت أمريكا إثرها على الدول الخليجية أن تودع ثلث مداخلها في البنوك الغربية خدمة بزعمها للاقتصاد العالمي وأن تودع ثلثا آخر لتمويل الشركات الغربية التي تزوّدها بالسلاح علمًا أنّ جيوشها لا تتعدى طور جيوش استعراضية.
وهكذا أصبحت أمريكا وحلفاءها يأخذون النفط والغاز وثلثي عائداتها علما أنهم يقدّرون أسوء التقدير حلفاءهم الخليجيين وعلما أنّ الهم الأوّل والآخر للأمراء أن يبقوا على عروشهم وأن يعيشوا بما تهوى أنفسهم. وفي سياق هذا الخضوع للغرب كُلما جرأ أمير بموقف لا يتماشى ومصالح أمريكا عُزل أو سقطت المقصلة على عنقه، هذا ما حصل للملك فيصل رحمه الله عندما جرأ بإيقاف ضخ النفط نحو الولايات بعد حرب أكتوبر 1973 ظنًّا منه أنّه مستقل بقراره السياسي ناسيًا أنّه خرق عهدا أبرمه أبوه مع أمريكا فقُتل في ظروف غامضة كما تدبر عادة المخابرات الأمريكية (CIA) وبتلفّقها الجريمة حدثًا داخليًا وعائليًّا.
ودائما في سياق تبعية دول الخليج للغرب وكّلت أمريكا شاه إيراه رضا ﭘــهليبي بدور الدّركي في المنطقة وراعيا لمصالحها. ونضيف إلى ما تقدم أنّ دول الخليج هذه جُنّدت مدة عقود في مواجهة الغرب المعسكر الشرقي بحجة أنّ هذا الأخير معسكر الكفار وأنّ الغرب عامة أهل الكتاب. والملاحظ آنذاك أنّ تناغمًا كبيرًا ساد العلاقات بين إيران وبين مملكات الخليج بين الشّيعة والسّنة كما جاء في خطاب الملك فيصل بعد 1964 أمام البرلمان الإيراني حيث صرح أنّ الخلاف بينهما فرعيا ولا جوهريا. وأنّ في نفس الفترة أيدت السعودية الحوثيين اليمنيين في مواجهتهم الجيوش المصرية المناصرة لعبد الله السلال اللواء الذي أطاح بحكم الإمام أحمد باليمن سنة 1963. بهذه المعطيات تتم مظاهر الإطار العام السياسي الفكري الذي استقطبه المحور Washington-Moscou كما سمّاه المفكر مالك بن نبي.
III
جدلية المحور
Washington-Moscou
وبقي المحور Washington-Moscou وتجاذباته يقيد الحياة السياسية والفكرية طيلة السّبعينات والثمانينات من القرن العشرين إلى أن انهار المعسكر الشرقي لأسباب داخلية راجعة لفشله في تحقيق مبتغاه الشيوعي وذلك سنة 1991. وفي هذه الفترة ظهرت عدة أحداث في العالم الإسلامي تشير من جهة إلى ضعفه وتأثّره بالعوامل الخارجية وتشير من جهة أخرى إلى طاقاته الكبيرة التي تنتظر قدوة رشيدة.
1.وهكذا فرضت الولايات المتحدة يعني السلطة المالية العالمية على دول الخليج أن تودع ثلثي عائداتها من النفط والغاز في البنوك الأمريكية والبريطانية لإنعاش الاقتصاد العالمي بزعمها، وفرضت عليها أيضا أن تبقى على عملة الدولار في كل معاملاتها المالية والتجارية رغم ضعف تلك العملة نظرا لسيولاتها الهائلة على مستوى العالم والتي أي السيولات النقدية تتجاوز بكثير الطاقة الاقتصادية الأمريكية على إنتاج ثروة مماثلة أو مقابلة لتلك الكمية الضخمة من العملة المطبوعة.
- أوحت الولايات المتحدة إلى المغرب اجتياح الصحراء العربية سنة 1975 بعد أن أطلقت إسبانيا قبضتها عليه. والهدف الحقيقي من هذه العملية لا يعود إلى استرجاع المغرب سيادته على أرضٍ استُعمِرت بل تهدف إلى توظيف المغرب لإبقاء الصحراء الغربية تحت نفوذ الغرب حتى أن لا يكون للمعسكر الشرقي آنذاك مسلكًا نحو المحيط الأطلسي انطلاقا من أراضي الجزائر التي صنفت في المعسكر الشرقي.
- الحدث التالي هو انطلاق الحرب الأهلية في لبنان نتيجة مؤسسات سياسية تجاوزتها مستجدات الوضع إذ المهم من السلطة السياسية محتكر من قبل الطائفة المسيحية مع أنّ الاحتمالات السكنية تعطي أنّها أصبحت أقليّةً نسبةً للطائفة المسلمة.
نضيف إلى أنّ فئةً من الطائفة المسيحية متعاطفة مع الكيان الصهيوني ومُبغضة للقضية الفلسطينية حتى أن روّج أحد رؤسائها لفكرة إبرام اتفاق أمني مع دولة إسرائيل. وقد بلغت الحرب الأهلية في لبنان ذُروتها بداية الثمانينات حين أقدمت القوات الصهيونية إلى اجتياح البلاد بغية تأييد القوات اللبنانية الموالية لها حتى تحسم الحرب لصالحها. وهكذا احتلّت جزءًا كبيرًا من العاصمة بيروت وطواطأت مع القوات اللبنانية لارتكاب مجزرة مُخيّمي صبرا وشاتلا راح ضحيتها أكثر من ثمانمائة فلسطيني أكثرهم نساء وأطفال، وطُردت القياد الفلسطينية المقامة هناك إلى تونس تحت إشراف الحلف الأطلسي.
وكادت الصهاينة أن تنجح في تصفية القضية الفلسطينية وفي دَحْر المعارضة لنفوذ الغرب في لبنان لولا ظهور موجة جديدة للمقاومة الإسلامية التي أرغمت الحلف الأطلسي والجيش الصهيوني إلى مغادرة الأراضي اللبنانية مع احتفاظ شريط حدودي جنوب لبنان.
- الحدث التالي هي اتفاقية Camp David بين مصر والدولة الصهيونية والتي بموجبها تنتهي الحرب بين الدولتين ويتم تبادل السفراء. وقد أضعفت هذه الاتفاقية وقيدت قوة مناورة المقاومة الفلسطينية، إذ إقصاء مصر من المواجهة أحد طرق تريد تل أبيب أن تنهي على طريقتها القضية الفلسطينية بفرض إدماج الفلسطينيين في الأردن ودول الهجرة الفلسطينية.
- أمّا الحدث التالي فهو ثورة في إيران أتت على نظام الشاه ي ففري 1979 مع نية إعلان تأسيس جهورية إسلامية. وفي أوّل وهلة كان المطالعون للحدث يقرؤونه بما يقتضيه منطق المحور Washington-Moscou. فصنّفوا الحدث كفجوة في التّموقع الاستراتيجي لأمريكا في المنطقة منذ أن أعادت مخابرتها حكم الشاه في الخمسينات بعد أن أطاحت بحكومة مصدّق الذي أراد آنذاك أن يفرض على الشركات الأمريكية والبريطانية مبدأ السيادة الوطنية على ثروات النفط والغاز الإيرانية.
وقد يستدعي هذا الطرح لحدث الثورة الإيرانية ردّ فعلٍ أمريكي حاسمٍ لإعادة الأمور في إيران إلى ما كانت عليه قبل الثورة. وهذا الطرح هو الطرح نفسه المتداول عند المطالعين في (Moscou) حيث كان الرّوس يتوقعون مثل هذا ردَّ الفعل من خصمهم مع عين موجهة إلى أفغانستان ونية ضمّه إلى المعسكر الشرعي في صورة ما إذا أقدمت الولايات المتحدة إلى احتلال إيران عسكريًا.
إنّ كل هذه المقاربات لحدث الثورة الإسلامية في إيران صحيحة المتن إلاّ أنّها خاطئة في فهم معانيها كما سيظهر ذلك مع ممرّ الزمن إذ تيقّن المراقب شيئا فشيئا أنّ هذه الثورة لها من المميزات ما يباينها من الثورات السائدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى آنذاك، لأنّها ظهرت خارج سياق تجاذبات محور القوّتين العظميين، مما دلّ على ذلك منذ البداية شعارها: « نشرقي نغربي جمهوري إسلامي » بالفارسية، والذي يعني: » لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية « .
وينبِّئ هذا الشعار أنّ هذه الثورة تشحن من الإرادة ما يعاكس ولو نوعا ما منطق محور القوتين العظميين في تقييد مصير الإنسانية إلى مصالحها، الشيء الذي يجعلها حدثًا استراتيجيًّا في ذاته بالنسبة لمجريات السياسة على مستوى العالم.
أمّا فيما يخص القيمة الإستراتيجية المتعلقة بكيانها فتكمن في توجيهها الذاتي الرّوحي والفكري غير المستورد على خلاف ما جرت به العادة منذ 1945 في بلاد الإسلام، إذ تحمل الثورة الإيرانية نية الترجمة السياسية للقيم الإسلامية. فلأوّل مرّة منذ القرن التاسع عشر ميلادي أُعلنت نية التجدد بالإسلام كما يقول مالك بن نبي وأُعلنت نية تجنب المقاييس الفلسفية الغربية الحديثة التي تهمّش أية مرجعية روحية.
وإن جعلت هذه القوة الذاتية من الإمام خميني في قيادة انفجارها لِملاءمة شخصيته للحدث فإنّها محمولة منذ عقود من كل نظرائه الذين ساهموا في معالجة المسألة السياسية، آخذين في شُعَبِها كل ما قالته المذاهب الإسلامية على اختلاف اجتهادها كما جاء ذلك في كتاب » اقتصادنا » لآية الله باقر الصدر في موضوع الرّبا مثلا.
وأمّا على الصعيد الاستراتيجي الدّولي تفيد هذه الثورة بروز موجة في أمّة الإسلام تعيد قيمتها للمرجعية الروحية في المحفل الدّولي لسدّ الفراغ الوجودي والإفلاس العام اللّذان انتهت إليهما الحضارة المادية الحالية.
وبالعودة إلى حدث الثورة نفسه، فبعد فترة قصيرة حيث فقدت الولايات المتحدة أمالها في التفاف على النظام الجديد، أقبلت إلى فتح باب العنف للإحاطة به من الداخل موظفة لذلك المعارضة الداخلية الممثلة في منظمة » مجاهدي خلق « .
وبالتوازي لهذه الظروف أقدمت روسيا إلى المساهمة في انقلاب الحكم في أفغانستان، ونصبها الحزب الشيوعي على رأس الدولة متأكّدة أنّ أمريكا ستحتلّ إيران بالقوة حيث كان هذا البلاد معدًّا من مناطق نفوذها، لكن لم تتجرّأ الولايات المتحدة لتلك العملية نظرا للكارثة التي مُنِيت بنخبة من جنودها في صحراء طباس إثر محاولة إنزالٍ لتحرير رهائنها. ولمّا فشلت أمريكا في مساعيها المخرّبة من داخل إيران أقدمت إلى تفعيلها العوامل الخارجية على المستويين السياسي والعسكري.
فعلى المستوى السياسي بدأ الحصار بتجميد أرصدة إيران المودعة في أمريكا وأمرت هذه الأخيرة بلدان الخليج تأسيس مجلس التعاون الخليجي من أين تدفّقت الأموال ولَسيّما أموال السعودية بواسطة الرابطة الإسلامية العالمية لتفعيل الخلاف الفرعي بين السنة والشيعة إلى خلاف جوهري. وهكذا ترعرع الخطاب الوهابي أينما كان منحصرا في أقليات كمصر وباكستان وبلاد الأفغان وظهر بقوة في بلدان لم يعرفوه من قبل على شكل معارضة دينية للنظام السّائد في شمال إفريقيا وفي سوريا، في الصومال واليمن والأردن.
- وفي إطار سياسة حصار إيران لإرغامها للعدول عن معارضتها لسياستها دفعت أمريكا الدولة العراقية إلى نبذ الاتفاق المبرم سنة 1973 في الجزائر، بين العراق وإيران وإعلان الحرب بحجة تحرير عرب خوزستان. دامت هذه الحرب ثمانية سنوات مدمرة وقاتلة للبلدين من سبتمبر 1980 إلى سنة 1988 وموّلت دول الخليج تسليح العراق بمقدار أقرت به وصل إلى مأتي مليار دولار.
- أمّا الحدث التالي فيتعلق بإثارة جو الجهاد الأصغر بتجنيد آلافا من شبّان المسلمين عبر العالم الإسلامي لتحرير أفغانستان من قبضة الرّوس، إلاّ أنّ هذه الحركة المباركة من السعودية أدارتها في الحقيقة المخابرات الأمريكية (CIA) بتنسيق مع المخابرات الباكستانية لخدمة مصالح أمريكا هدفها إقصاء الرّوس من المنطقة والوصول إلى الثروات النفطية والغازية النائمة في بحر قزوين شمالاً.
وبعد طرد الرّوس من أفغانستان لم يحصل هذا البلد على السّلم المنتظر بل غرق في حرب أهلية شديدة غذّاها الخطاب الوهابي إلى تقسيمات مذهبية وطائفية ممّا عطل شيئا ما المشروع النفطي والغازي الأمريكي عبر أفغانستان. ولتذليل هذه العقبة ناورت الولايات المتحدة بواسطة مخابراتها إلى نصب حكم طالبان سنة 1996 باعتراف السعودية والإمارات.
- أمّا الحدث التالي والمسجل في إطار مساعي أمريكا للسّطو على الثروات النفطية والغازية الموجودة في القوقاز فهو يتعلق بإضعاف روسيا بإثارة الفتنة والانفصال عند هوامشها ووظفت لذلك أمريكا التيار الوهابي في بلاد الشيشان والدّاغستان مستثمِرة النية الحسنة لأناس مفعول بهم، ووظّفت أيضا دعاية الديمقراطية لنصب نظام موالٍ لها في GEORGIE بتجنيد ما يسمى المجتمع المدني والذي هو عبارة عن منظمات مموّلة من قبل المخابرا الأمريكية.
والخلاصة من كلّ هذه المعطيات أنّ هدف السلطة المالية اليهودية المشخصة في الولايات المتحدة وبريطانيا ومن وراء الفتن والحروب التي تثيرها أنّ هدفها الاستيلاء على الموارد النفطية والغازية وعائداتها في الشرق الأوسط واستعلاء الدولة الصهيونية في المنطقة مع تصفية القضية الفلسطينية نهائيا ومع قمع أية معارضة لهذا المشروع.
IV
الهيمنة الأمريكية
عندما انهار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 وحلّ محلّه نظام فدرالي مع صعود الفكر الليبرالي واعتلائه » الكرملين » طنّت الولايات المتحدة يعني الذّراع السياسي والعسكري للسلطة المالية العالمين، طنّت أنّه حان الوقت لتحقيق بدون منازع ما كانت تصبو إليه منذ قرنين تقريبا يعني نظامًا عالميًا تقيده قوة رأس المال وتديره البنوك.
وهكذا أعطيت دفعة جديدة منذ الدفعة الأولى التي أقدم عليها R.Reagan و M. Tatcher في الولايات المتحدة وبريطانيا في الثمانينات من القرن العشرين والتي مفادها جلب الدولة أينما أسست إلى تركها وظيفتها التوازنية الاجتماعية (العمل والصحة والسكن والضمان الاجتماعي والتقاعد) إلى مؤسسة تخدم مطلقا رأس المال، وجُندت لهذا الغرض أكثر من وقت مضى وعلى مستوى الكرة الأرضية مؤسسات « لوجستية » وهي صندوق النقد الدولي (FMI) والبنك الدولي (BM) ومنظمة التجارة العالمية (OMC) لتسيير السياسة الاقتصادية للدول النامية عبر القروض التي تمنحها لها وفق مصالح رأس المال العالمي المؤسس على مبدأ الرّبا مع نية جعل تلك المديونية بنْيوِية (Endettement structurel) ودائمة، مما يسمح للسلطة المالية العالمية أن تمتصّ ثمار جهود الإنسانية ولَسيّما جهود العالم الثالث بنهب ثرواته وعائدات ثرواته بحجة تسديده لِديونِه.
إضافة إلى كلّ هذه الإجراءات المباشرة لفرض استبداد هوى رأس المال على الإنسانية أقدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها على شنّ حملة إعلامية تذمّ مبدأ استثمار الدولة في الميدان الاجتماعي والصناعي وتفكّر بل تخطط في إفشال وإجهاض كل تجربة اقتصادية تمرّ خارج السياق الذي وضعته السلطة المالية العالمية وتفكّر أيضا في تذليل العقبات التي تعترض جريان هذا المشروع في الميدان.
وقبل أن تنفذ هذا المخطط ورّطت الولايات المتحدة العراق في احتلاله الكويت أواخر الثمانينات حتى يُدان دوليًّا وحتى يُبرّر استعمال القوة لإخراجه من ذلك البلد، فشُكّل لهذا الغرض تحالف أممي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها من الحلف الأطلسي مع الانضمام الشكلي لدول عربية كمصر والأردن وسوريا والمغرب مع وعدٍ للدولتين الأوّلين والرابعة شطب نصف مديونيتها نحو المؤسسات النقدية الدولية. ودفعت دول الخليج نفقات هذه الحرب الخليجية الثانية بمبلغ 36 مليار دولار، مصرّح به إلى أن يرفع السّر على المبلغ الحقيقي الذي دفعتْه بأمرٍ من أمريكا. هدف هذه المكيدة تدمير القوة العسكرية العراقية وتعطيل تنظيم موارده البشرية والعلمية وحتى تبقى إسرائيل قطبا في الشرق الأوسط المبسوط لإرادته.
أمّا فيما يخص باقي نقط المخطط فيتعلق بتصفية القضية الفلسطينية ثم إفشال التجربة الاقتصادية التي تمت خارج سياق السلطة المالية العالمية والتي ظهرت في آسيا وفي جنوب أوربا ثم في محاولة إجهاض التجربة الإيرانية.
- مباشرة بعد إخراج العراق من الكويت بادرت أمريكا بتنسيق مع الكيان الصهيوني لتنظيم مخاضرة Barcelone بداية التسعينات شاركت فيه البلدان المطلّة على البحر الأبيض المتوسط لطرح القضية الفلسطينية. والهدف منها حمل الدول العربية التي ما زالت لم تتخذ مصرًا أسوة إلى ربط وصل مع إسرائيل. وهكذا تنازل الأردن لضغوط أمريكية فاعترف بالكيان الصهيوني بموجب اتفاق واد عَرَب. وحيث كانت النتائج محدودة في حسابات أمريكا بادرت بانطلاق مفاوضات سرية في OSLO بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الصهيونية، فكلّلت باتفاق OSLO 1993 والمبرم في Washington. باختصار هذه الاتفاقية تكمن في سلسلة تنازلات من الفلسطينيين ووعود عامة وغامضة من قبل إسرائيل، فقبِل الفلسطينيون أن يتخلّوا عن السلاح وأن يعترفوا بالكيان الصهيوني كأمر واقع وأن يتعاونوا أمنيًّا معه وأن يقبض إسرائيل الموارد المالية التابعة لصادرات الفلسطينيين وأن لا يطرحوا مشكلة القدس إلاّ بعد خمس سنوات.
لم تعترف منظمة حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي بهذا الاتفاق نظرا لضخامة التنازلات التي تمت والتي تفيد شبه تصفية القضية الفلسطينية إذ استغل إسرائيل بند التنسيق الأمني ليقدم على سلسلة اغتيالات مسّت إطارات من الفصائل ومن منظمة » فتح » بحجة أنّ من اغتيلوا لهم أيدٍ ملطّخة بدم يهودي ناهيك عن المناورات حتى تبقى القوات الصهيونية في الضفة الغربية مما أدى إلى ردود فعل فدائية، وبدَا شيئا فشيئا أن المطلوب من الفلسطينيين أن يخضعوا بلا شرط إلى إرادة إسرائيل الممثل في الوسيط المزعوم الذي هو أمريكا وممثله GI Dayton.
أمّا البلدان الصاعدة اقتصاديا كنمور آسيا ويوغسلافيا لم يمتَثلن لشروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فمصيرها تقرر في مرحلتين. وضغطت أمريكا على بلدان آسيا حتى يُقرن بقانون حرية مرور رؤوس الأموال في حياتهم الاقتصادية الشيء الذي أفقدهم حصانتهم المالية فتلاعب رأس المال العالمي بإثارة التضارب على أسهم البناء وعلى عملتهم حتى تغيّر حالهم بين عشيّة وضحاها من استقلال مالي إلى حال بلدان ذات مديونية نحو السلطة المالية الدولية وذلك سنة 1997 وهذا مصير ماليزيا طيلندا، أندنسيا وكوريا الجنوبية.
وفي ما يخص الجمهورية الفدرالية اليوغسلافية فأمرها قضي باستغلال كلمة حق التي هي مشكلة « كوسوفو » لتفكيك نموذج كاد أن يكون مثلا آخر للنمو دون مرور من شروط صندوق النقد الدولي. وهكذا قُسم هذا البلد إلى ستّ دُويلات وسط حرب أهلية غذّتها الطائفية المفتعلة لإثارة التطرف عند كل الأطراف ولتبرير تدخل قوات الحلف الأطلسي في غياب روسيا. فالسهولة النسبية التي تحقق بها تقسيم يوغسلافيا بقيادة GI Clark أيقض في خاطر أمريكا مشروع إعادة خريطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بما تقتضيه الاستراتيجية الغربية على أساس عرقي وديني ومذهبي حتى يتم نهائيا السّطو على الثروات النفطية والغازية وحتى تتم تصفية القضية الفلسطينية وحتى يصبح النموذج الليبرالي سائدا في كل المنطقة مع إسرائيل كقطب مطلق له.
إنّ هذا المخطط أُنجز في السبعينات تحت إدارة الديمقراطيين مما يدلّ على أنّ خلافهم مع الجمهوريين خلاف أسلوب وأنّ كل الطرفين في خدمة السلطة المالية العالمية.
وهكذا خُطط مشروع الشرق الأوسط الكبير لتقسيم ليبيا ومصر والسودان وسوريا ولبنان والعراق ودول الخليج والمملكة العربية السعودية وإيران وباكستان وتركيا وربما الجزائر. ولِترجمة هذا المشروع في الميدان لابد من سبب يتذرع به الغرب حتى يعطي لفعلته شرعية دولية لا جدال فيها. إنّ هذا السبب ظهر في الولايات المتحدة نفسها. ففي بداية العقد الأوّل للألفية الثالثة وبالتحديد 2001.09.11 حدث أمر خطير في أمريكا تجسّم في تحطيم البرجين الرّمزيين لهيمنة رأس المال العالمي (Twin Towers) في New York وتجسّم أيضا في تفجير ضخم في وزارة الدفاع الأمريكية في Washington وتحطّم طائرة مدنية في Pennsylvanie. هذا ما تداولته مدة شهور كل الوسائل الإعلامية على مستوى العالم بدون أن تلفت النظر إلى علامات الاستفهام التي يطرحها تزامن الانفجارات وتباعد الأهداف ما بينها. وبنفس السهولة تسارعت وكالات الأنباء الغربية للترويج لفرضية عمل إرهابي منسوب للقاعدة يعمي للقوة التي وظفتهاWall Street لإخراج الرّوس من أفغانستان والتي فقدت ولوْ جزئيا السيطرة عليها.
الحقيقة أنّ ضخامة العملية وتعدد أهدافها مع تباعد أمكنة حدوثها وتزامنها والمشاكل المتشابكة والمترتبة عليها لوجستيا وتنسيقا وأمنيًّا وجهوزية المخابرات الأمريكية العديدة والمنسّقة في NSA يجعلها أي الاعتداءات خارج طاقة القاعدة وأن ورود أسماء مسلمين مشتبه فيهم أو متلاعب بهم لتضليل التحريات والرأي العام الأمريكي والعالمي عن طرح فرضية عملية إرهابية دبرتها أوساط سياسية ومخابرات أمريكية بتنسيق مع المخابرات الصهيونية لتبرير ما سيقدمون عليه في الشرق الأوسط. وهكذا فوض رأس المال العالمي نفسه مهمة إعادة خريطة الدول بما يخدم مصالحه المالية على حساب تشرد وتمزق وقتل الشعوب المعنية.
V
في خدمة السلطة المالية العالمية
لفهم ملائمٍ لكل ما سيأتي نذكّر أنّ للسلطة المالية العالمية شعارًا أطلقه في القرن التاسع عشر ميلادي (Israël Temple) الوزير الأول البريطاني والذي متْنُه « ليس لبريطانيا أصدقاء دائمون إنّما لها مصالح دائمة ». وذكر بريطانيا هنا بموجب تمثيلها آنذاك السلطة المالية العالمية. وفلسفة هذا الشعار جارية منذ تأسيس الدولة الأمريكية وفي أطوار إدارتها وبعد ما حلت محل بريطانيا في الهيمنة على العالم منذ العقد الأول من القرن العشرين إذ أصبحت أمريكا مركز الساحة المالية العالمية تولتها اليهود بشهادةMarx كما أُشير إلى ذلك أعلاه.
المهم أنّ الولايات المتحدة تعمل وتعامل بمقتضى الشعار المذكور، وتندرج سياستها في هذا السياق قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها كما تشهد لذلك الأنظمة الاستبدادية التي نصبَتْها في شرق آسيا في Taiwan وفي كوريا الجنوبية و Philipines إلى السبعينات والمجازر التي تحملتْها في أندونسيا في السّتينات والانقلابات العسكرية التي دبّرتها في السّبعينات في أمريكا اللاتينية خدمة لشركاتها.
وقد تندرج في سياق هذا الشعار تصفية الشخص الذي انسجم لأغراضها وخدمها إذا اقتضت ضرورة مصالح أمريكا تلك التصفية. ذلك ما حدث لـــ J. Savimbi في التسعينات بعدما خدم أمريكا عقدين بمجرّد ما فتحت Angola آبارها النفطية للشركات الأمريكية. وهذا ما حدث لإلي حبِق » قائد القوات اللبنانية في مجزرة صبر وشاتلا تحت رعاية A. Sharon حتى أنّ لا تقام الحجة على هذا الأخير. وهكذا راح ضحيتها » جوهر دو داياف » في الشيشان وظّفته من غير قصد الوهابية في خدمة المخابرات الأمريكية اغتله الرّوس بعد أن تسلّموا رقمه الهاتفي الخلوي من قبل المخابرات الأمريكية. إنّ كل هذه المعطيات لا تجعل من الخطاب الرسمي لأمريكا، كتمْجيد حرية التعبير وحقوق الإنسان إلاّ تغطيةً وتضليلاً للرأي العام لسياسة معاكسة وعدوانية مجنّدة في خدمة رأس المال العالمي مهما كانت التكاليف.
ولهذا لا يلزم أن نرى تناقضا في سياسة أمريكا عندما تستبدل أداة بأداة أخرى في نفس الميدان لأنها تتصرف بموجب مصالح رأس المال العالمي ولا بموجب مصالح المنطقة التي تنشط فيها سياسيا أو عسكريا.
هذا وعدة شهور بعد اعتداء سبتمبر 2001 غمرت قوات الحلف الأطلسي أراضي أفغانستان بذريعة معاقبة الجناة الذين نالوا من أمن وسمعة أمريكا. لكن كما سبق أن أعلنّاه إنّ هذه الحجة داحضة إذ دراسات القرائن تكذّب الفرضية الرسمية التي حمّلت منظّمة القاعدة فيما حدث علمًا أنّ هذه المصادر المكذّبة للإدارة الأمريكية لم تتلفّظ بفكرة السبب الداخلي الأمريكي المخابراتي إلاّ بالإيحاء الضمني لأسباب معقولة في جوٍّ تُخيِّم عليه قبضة المخابرات على كل الحياة الأمريكية ويخيّم عليه الخطر إزاء كل من يتجرّأ على تحدّيها. فحينئذ السبب الحقيقي لاجتياح أفغانستان راجع لنيّة الوصول عبره إلى الثروات النفطية والغازية المخزونة في جوف بحر قزوين. مما استلزم نصبَ نظام جديد يحلّ محلّ دولة طالبان الذين لم يُظهروا المرونة المطلوبة منهم للمناورات الأمريكية بل بدت منهم عداوة لها. وبعد أكثر من عشر سنوات من احتلالٍ وحربٍ وجرائم حرب لم يزد حضور الحلف الأطلسي في أفغانستان إلاّ تدميرًا وتقتيلاً وتصارعًا مذهبيًّا وطائفيًّا. الشيء الذي أرغم الولايات المتحدة إلى تمرير القنوات النفطية والغازية عبر تركيا وجيورجيا علما أن المرور عبر إيران هو الخط المنطقي ماليًّا وتقنيًّا إلاّ أنّه أُقصي من الاحتمالات بسبب عداوة الغرب لإيران.
وبعد احتلال أفغانستان أقدم الحلف الأطلسي إلى اجتياح العراق بحجة امتلاكه سلاح الدّمار الشامل رغم التكذيب الذي صدر عن اللجنة الأممية المكلّفة بهذا الملف والتي ترأسها H. Blix . والجدير بالذكر أنّ قرار احتلال العراق اتُّخذ خارج الشرعية الدولية. مما يؤكد أنّ نيّة أمريكا فضلا عن الاستيلاء على منابع النفط والغاز في المنطقة، نصْبُ نظامٍ جديدٍ يخدمهم على غرار دول الخليج ومع الأمل أن تُدشّن من العراق شرقها الأوسط الكبير وبالسهولة التي باشرتْها في أوربا الوسطى حتى يعتلي الكيان الصهيوني كل المنطقة.
ما هو مشروع الشرق الأوسط الكبير ؟ إنّه فرع من المشاريع التي بادرت إليها السلطة المالية العالمية لبسط نفوذها على مستوى الأرض حتى تقيد سياسة الدول والشعوب لما تهوى نفسها المالية. وهكذا أُسّست الشرعية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية على هيمنة التجارة الأمريكية في BRETTON WOODS وأدواتها هي صندوق النقد الدولي (FMI) البنك العالمي (BM) وما يسمى الآن منظمة التجارة العالمية (OMC) ومجلس الأمن لفرض عقوبات بل لاستعمال القوة المسلحة ضدّ أيّة دولة تعارض هذا المسار. وعلى غرار هذا الاتجاه العام الذي يجعل من الاقتصاد والتجارة الوسيلة المثلى للتواصل بين الناس وبين الدول تشكّل le Common Welt أي العالم المشترك ينظم علاقة التجارة بين بريطانيا ومستعمراتها سابقا. ثم نجمت المجموعة الاقتصادية الأوربية ثم l’Alena الذي ينظّم التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك إلى ألخ…. ثم مجموعة بلدان آسيا وأمريكا الجنوبية.
وبقي العالم الإسلامي في معزل من هذه التطورات لأسباب وضعية وذاتية. أمّا الأسباب الوضعية فهي راجعة إلى الأنظمة السياسية التي تسيره والفقيرة إلى الشرعية والمصداقية، إذ تطبق كلها النموذج الغربي الحديث بدون مراعاة إلى التصور الوجودي الذي يحمله الإسلام والذي يتعلق به المسلم. وقد أدى عدم التقييم الاستراتيجي لمرجعية الإسلام إلى نشوب فجوة بين أنظمة غربية التركيب الفكري وبين أمة لا تلائمها في أبعادها النفسية والروحية لأنّ النهضة الحقيقية لا تُحصر في معادلة تقنية أو مالية أو اقتصادية بل تكمن في رصيدها الروحي الذي هو بمثابة القطب الثابت والذي يوجه بثباته موقف الإنسان في التجاذبات والأهوال الناجمة عن المصير الزمني. إنّ غياب البعد الاستراتيجي الذاتي عند الأنظمة التي تولّت شؤون المسلمين حصر هذه الأنظمة في لعب دور تبعية بكل مضارِها ومخاطرها مما يفسّر لنا غياب العالم الإسلامي كعالم إسلامي في المحفل الدولي كما يدل على ذلك دوام الجرح الفلسطيني منذ أكثر من ستّة عقود.
أمّا العامل الذاتي فيتعلق بِنبْذ وإدانة مبدأ الرّبا في الشريعة الإسلامية بينما تقيد الرّبا المعاملات التجارية والمالية خارج العالم الإسلامي ولو تتعاطى نُخبُه ودُولُه للرّبا. إنّ تحفّظ المسلم نحو مبدأ الرّبا وامتناعه الأخذ بها يشكل إعاقة في مجريات نفوذ السلطة المالية وينجُم عنه عجزًا في توقّعات أرباحها الرّبوية نظرا للعدد الهائل للمسلمين.
فخطرَ لنُوّاب السلطة المالية العالمية أن يفكّروا في طريقة إعادة النظر في الرؤية الوجودية التي يحملها الإسلام لإحداث ما أحدثوا في المسيحية التاريخية تحت تسمية l’AGIORNAMENTO أي التكييف لما تقتضيه الظروف حتى أصبحت الكنيسة خالية نهائيا من محتواها الروحي ولِتصيرَ وسيلة تخدم الدنيا. ولذا جاء مشروع الشرق الأوسط الكبير كبرنامج لتغيير التركيبة السياسية للعالم الإسلامي من مركزه الروحي الجغرافي والتاريخي لدفع المسلم إلى مغايرةٍ جذريةٍ لرؤيته الوجودية الروحية نحو تموقع دنيوي. وهذا هو الهدف المنشود في نية نصب دولة مقدسة للمسلمين في الحجاز تصدر منها فتاوى تخدم رأس المال العالمي.
وفي خطوطه العريضة يتضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردستا ودولة سنية في الغرب والشمال ودولة شيعية في الشرق تبلغ البحرين والشرق الشمالي للمملكة السعودية وتكميل تقسيم السعودية بنصب مملكة في النجد وأخرى في الحجاز. ويتضمن أيضا تقسيم تركيا وإيران ومصر والسودان وليبيا وربما الجزائر. إلاّ أنّ هذه الأهداف الهدامة والمدسوسة وراء شعارات الديمقراطية لقيت فورا معارضة شديدة محليًّا وإقليميًّا تجسّدت في محور المقاومة الإسلامية التي جذبت إلى فلكِها القوات الوطنية المناهضة للمشروع الصهيوني الأمريكي.
وقد لعبت الثورة الإسلامية في إيران دورا هاما في بروز وتقوية هذا المحور المقاوم وفي إعطاء دفعة جديدة وقوية للمقاومة الفلسطينية. والجدير بالذّكر أنّ هذا المحور المقاوم عبارة عن إرادة تجذّرت في صميم حياة الناس بإعطاء لأوّل مرة منذ القرن التاسع عشر القيم الإسلامية مكانتها في المجتمع وفي السياسة. كما سنَراهُ بعد قليل.
VI
حدث خارج التبعية الغربية
قبل أن ينْتَقِل إلى جوار ربّه سنة 1973، كان مالك بن نبي يتلفّظ بالمعنى التالي:
» إن لم يبادر المسلم بنهضةٍ ذاتيّةٍ فاعلة في الثلث الأخير من القرن العشرين سيبقى في حال تبعيّةٍ وهاويةٍ للعوامل الخارجية، لكن في ظروف أسوء ممّا كانت عليه في السابق ». وكان تلفّظه بالمسلم عائدًا على كلّ إنسان تتطابق صورته النفسية والروحية على ما جاء به هذا الحديث الشريف الذي رواه أبو داوود ومسلم والبخاري والذي متنه » من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا ». مما يدلّ على أنّ صفة المسلم لا تنحصر في المذهبية التي هي اجتهاد تكوّن حول المبادئ الخمس إجابة لضرورات مرحلة تاريخية للإسلام كانت تسائل المسلم بعد غياب الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم. ولذا تجنّبُ التعصب المذهبي عنوان كل مسلم وإن كان من حقه أن ينتهج سياق هذا المذهب أو ذاك. وعليه أن يتصرف بالعلم والإتقان والرأفة والمرونة في معالجته الخلافات الفرعية بين المذاهب وأن يتّخذ نص القرآن والحديث الشريف المتواتر والحسن مرجعية مع الأولوية لنص القرآن في آخر المطاف.
وبالعودة إلى فكرة مالك بن نبي كان ينتقد بطريقة ضمنية روّاد النهضة في جناحيهم الدّيني والسّياسي لاتخاذهم في مقاربتهم وضعية المسلمين، لاتخاذهم النموذج الغربي الحديث مثلا يقتدى به حتى نجمت عن ذلك أنظمة سياسية فكرها غربي وفقيرة إلى الشرعية ناهيك عن حصرها في التأثّر بمظاهر النموذج الغربي الحديث وكل المضار التي تترتب على ذلك.
وانطلاقا من فكرة مالك بن نبي وبِجعل معنى الحديث الشريف المذكور مرجعية لمقاربة وضع المسلمين الحالي، نستطيع القول أنّ ظهور الثورة الإسلامية في إيران أواخر السبعينات من القرن العشرين يشكّل مثالا لما كان يصبو إليه المفكر الجزائري في الحدود الزمنية التي عيّنها للحدث المنشود وفي المنهج السياسي والثقافي الذي سلكه النظام الجديد في إيران بعيدا عن تجنّب وتجاهل الصعبات التي تعترض مساره.
فالثورة الإسلامية في إيران تتميز من سابقاتها في العالم الإسلامي من حيث أنّها نتيجة طرح ومعالجة للمسألة السياسية في البيئة الإسلامية خلافا لما جرى للحركات النهضوية في المجتمع الإسلامي منذ القرن التاسع عشر والتي انتهجت القومية والليبرالية والاشتراكية في السياسة وفقا لما أثّر الغرب فيها فكريًّا.
وفعلاً قد أخذ العلماء على عاتقهم معالجة معنى الدولة في مجتمع إسلامي منذ أن أطاحت المخابرات الأمريكية بحكومة مصدّق بداية الخمسينات من القرن العشرين عندما أراد أن يَفرِض على الشركات الأمريكية والبريطانية مبدأ السيادة الوطنية على الثروات النفطية والغازية المخزونة في أرض إيران. وقد ساهم في معالجة المسألة السياسية كوكبة من العلماء المرجعية منهم الكاشاني والخميني ومنهم باقر الصّدر مُــتَفــتِّــحين على ما جاء به الاجتهاد في المذاهب الأخرى ناهيك عن ما جاء في المذهب الجعفري الذي أُسنِد إليه مبدأ ولاية فقيه، وانتهت هذه المعالجة إلى الخلاصة أنّ الدولة في المجتمع الإسلامي لابد أن تكون ترجمة سياسية للقيم الإسلامية.
إنّ هذه الخلاصة غلقت باب التبعية الفكرية التي قيّدت عمل رُوّاد النهضة منذ انطلاقها وفي نفس الوقت خلّصت فكرةُ الدولة الإسلامية الحركاتِ الإسلاميةَ من منطِق محور WASHINGTON-MOSCOU الذي طغى على الحياة السياسية والفكرية على مستوى الأرض إلى الثمانينات والذي قضى على الآفاق المُبشِّرة بالروح والتي كانت تحملها بالقوة حركة عدم الانحياز في الخمسينات.
ومباشرة بعد إقصاء نظام الشاه البهلوى كُرِّس دستور جعل الإسلام مرجعية الحياة ومنبعًا للفكر والعمل السياسي مع التصنيف القضائي والتنفيذي والقانوني للحياة السياسية، ومع إبراز مرجعية دستورية تضمن إسلامية القوانين المطروحة أو المقرّرة كلما اقتضت الحاجة ذلك. وهكذا انطلقت الحياة السياسية في إيران على أسس ملائمة للوضع النفسي والروحي للإنسان مما ساهم في توجيه الحركة الثقافية في جميع شعبها العلمية والإعلامية والفنية والأدبية والفكرية بما تقتضيه القيم الإسلامية.
ومن جهة أخرى شقّت المرجعية الإسلامية الطريق نحو توحيد وتناغُم الهويات النفسية والعِرقية الموجودة في البلاد والتي هي مزاج من فرس وازار وكرد وبالوتش وعرب ناهيك عن الأقليات الدينية من يهود ومسيحيين وزردشت.
فبموجب التوجيه الإسلامي لم يُؤجّل أي موعد انتخابي محليًّا كان أو ولائيًّا أو وطنيًّا كان رغم الظروف الصعبة التي خيّمت على البلاد أثناء الحرب مع العراق. وعلى مستوى آخر خلاف ما كانت تتوقعه الولايات المتحدة من فرضها الحصار السياسي والمذهبي والتقني والمالي على إيران انتقل هذا الحصار إلى حصانةٍ وظّفتها إيران لاستثمار مواردها البشرية والعلمية والمالية والمادية، الشيء الذي أفضى إلى قوّةٍ اجتماعيةٍ منسّقةٍ وخلاّقةٍ بدأت تُجنى ثِمارها عقدًا بعد نهاية الحرب مع العراق. إنّ هذه الثمار تكمن في نهضةٍ علميةٍ وصناعيةٍ وفي بروز قوّةٍ عسكريةٍ دفاعيةٍ ردعيةٍ تضمنان للبلاد الاستقلال في القرار السياسي وتُخلّصانه من الضغط الخارجي وتُمكّنانه تدشين سياسة ناجعة في المحفل الدولي. ومن محاور هذه الاستراتيجية السياسية رفع التحدي العلمي باستيعاب الميادين التي انتهى إليها العلم الحديث في المجال الحسابي والمجال النووي والمجال الفضائي والمجال الصناعي والمجال الطبي والصيدلي حتى ارتقى البلاد أخيرا إلى المرتبة الثالثة عشر دوليًّا في البحث العلمي وإلى المرتبة العشرين اقتصاديًّا.
وفي الميدان الثقافي والإعلامي فتحت السياسة الجديدة الباب لمواجهة التضليل الإعلامي الصارخ والضمني الذي طال وما زال يراود كل ما قيل في الإسلام والمسلمين وسيّما في تشويه صورة الثورة الإسلامية في إيران سواء بتقييدها للمذهب الجعفري الذي تركن إليه أو بتصويرها نظاما ظَلميًا ومُبغضا لحرية الإنسان وحقوقه.
وهكذا أصبح الإعلام الحامل للقيم الإسلامية مصدر موقفٍ روحيٍّ وسياسيٍّ وثقافيٍّ يخالف بل يقاوم منهج الإلحاد الإعلامي والثقافي الذي يديره رأس المال العالمي منذ قرنين تقريبا. وبمحاورة الناس وبمجادلة ممثلي الثقافة الحديثة وبظهور أسوة الإسلام على أحسن وجهها في سلوك الناس ساهم المسلم من إيران في تكذيب ما افتراه المستشرقون في حقّ الإسلام. وأدخل المسلم الشك في دعوة الغرب الحديث أنّه نموذج مثالي وقدوة للإنسانية وأسقط قناعَهُ الخُلُقي الذي يُخفي تصوّرَه للوجود المبْني على منطق المفترس وفريستِه.
وبمعزل عن العداوة التي تُكِنّها لها الأوساط التكفيرية استطاعت الثورة الإسلامية في إيران أن تثير صدى في الشرق الأوسط وسيما في الأوساط القومية والطائفية، ما أداها بالأقل إلى تميِيه مواقفها السلبية من الدين أو المعارضة له. وبالوجه الأحسن أصبحت هذه الأوساط تربط الصلة من جديد بالقيم الروحية والأخص القيم الإسلامية. هذا ما يشاهد في تراجع الفكر الإلحادي وفي إعادة قيمة الإسلام في الخطاب السياسي القومي وفي الخطاب الأدبي والفني، مما يُشعر أنّ القيم الإسلامية بدأت تظهر من جديد كأساس بيئة ثقافية تقيّد كلّ جوانب الحياة، حتى أنّ حزب الشعب الجمهوري الذي أسسهATATURK لِمحوِ الإسلام من تركيا، أصبح يصرّح بقبوله المتحجّبات في صفوف مناضليه. إنّ هذا الصدى الذي أثارته الثورة الإسلامية الإيرانية في الإقليم يدل على أن شيئًا ما بدأ يتغير في صميم الحياة النفسية والروحية للمسلمين والناس الذين يعاشرونهم مما يؤشر أنّ مقاومةً بعثَها الإسلام في صدد الاندلاع لمواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة وفي العالم. ومن علامات هذه المقاومة إحياء القضية الفلسطينية والقدس ورفعها من مستواها القومي العربي إلى مستواها الإسلامي والعالمي إذ جُعلت آخر جمعة من كل شهر رمضان يوم إحياء القدس ورفض تصفية القضية الفلسطينية وتحرير أرضها من قبضة الصهاينة.
VII
مشروع الشرق الأوسط الجديد
لتحقيق أهداف السلطة المالية العالمية لعبت الولايات المتحدة عدة أوراق تترًا أو في نفس الوقت حسب متطلبات الوضع منها توظيف أموال الخليج والفكر والتكفيري ومنها أيضا الوعد إعطاء تركيا دورًا إقليميًّا والوعيد لإيران والعراق وسوريا والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين واليمن.
وهكذا لمّا تأكّدت أمريكا أنّها غير مرحّب بها في العراق نظرا لظهور مقاومة لها في الميدان، شرعت في تفعيل ذيولها في الشيعة والسنة والكرد لنشوب حرب أهلية تركن إلى المذهبية والطائفية والعرقية. وتمثّلت هذه المساعي المخرِّبة في نصب فضائيات من قبل المخابرات الأمريكية تُنسب حسب ظواهرها للشيعة لإثارة مشاعر السنة بالقدح في خلفاء الرسول (ص) وشتم أزواجه أمهات المؤمنين. وتمثّلت هذه المساعي المسيئة في تقوية وتفخيم الخطاب التكفيري بواسطة فضائيات الخليج والذي، يُحلّ دمّ الشيعة بحجة أنهم كفّار وفاتحا بذلك الباب للعمليات التفجيرية راحت ضحيتها آلاف العراقيين، وتمثّلت أيضا هذه المساعي التكفيرية بمطالبة رحيل المسيحيين والإيحاء لهم أنّ الإسلام مُبغض أصلا لأهل الكتاب. وفي نفس الاتجاه نحو تفكيك العراق شجعت الولايات المتحدة الخطاب الكردي الطالب بالانفصال عن العراق.
وقد نجم عن هذا الشحن المذهبي والطائفي والعرقي موجة شديدة من العنف أصابت كل العراقيين مما شلّ العمل السياسي والإداري رغم إقرار دستور توافقي كرّس نظاما سياسيا شبه فدرالي مع منح صلاحيات واسعة للمحافظات ما عدا مناصب السيادة كالدفاع والخارجية والمالية التي بقيت في تصرف السلطة المركزية في بغداد.
إنّ كل هذا العنف والتجاذبات السياسية الناجمة عنه لم يأت على الأقل إلى حد الآن على وحدة العراقيين ولا على وعيهم عامة أنّ هذا العنف مفتعل، معاقبةً لهم لرفض ولائهم لأمريكا إلاّ أنّ الخطر قائم نظرا لتراكم المشاكل السابقة ناهيك عن الحسابات الحزبية والشخصية التي تساهم في دوام جوّ سياسي عاكرٍ ومناسبٍ للتخريب المُخابراتي الأجنبي.
ولمّا اضطرت أمريكا لإخلاء أرض العراق من جنودها سنة 2011 لم تستفيد من السلطة المركزية إقامة قاعدة عسكرية إلاّ في إقليم كردستان الذي أصبح يتصرف بالفعل ككيان سياسي مستقل عن باقي أقاليم العراق وإن بقي على وصل مع بغداد من خلال المالية ومناصب الكرد في الدولة والحكومة.
وميل كردستان للانفصال تمثل في خلق حالات الأمر الواقع كإبرامه اتفاقيات نفطية مع الشركات الأمريكية أو تجارية مع شركاء تركيين دون أن يمُرّ عن الضوء الأخضر من بغداد. إنّ موقف الأكراد هذا ناجم عن التطلعات القومية السائدة في الشرق الأوسط والموروثة من عهد الاستعمار وناجم أيضا عن كل ما عناه الأكراد طيلة عقود من الممارسات الإقصائية والتّعسفية التي حملها إزاءهم المنهج القومي عامة في العراق وتركيا والشام. وفي فضاء ضعفت فيه أوازر التاريخ والدّين أمام الهوية العرقية تكونت بيئة ملائمة لنفوذ الصهاينة في المنطقة. غير أنّ انتكاس المنهج القومي في الشرق الأوسط منذ ثلاث عقود تقريبا قد يساعد في المستقبل في صعود وتقوية تيارات سياسية كردية في حال أقلية الآن لتنسجم في نهضة إقليمية في إطار إسلامي يعيد تواصل الأكراد الموجودين في إيران وتركيا والعراق وسوريا ويخلّص المنطقة من النفوذ الخارجية. وبالتوازي لوجودها في العراق أطلقت أمريكا سلسلة من المناورات السياسية في مساعيها لتحقيق شرقها الأوسط الكبير بالوعد والوعيد وبالتذرع بالشرعية الدولية. فأخذت هذه المناورات خمس اتجاهات: فلسطين وسوريا ولبنان وإيران وتركيا واليمن.
1.أمّا فيما يخص ملف فلسطين بقيت السلطة الفلسطينية رهينة الجنرال DAYTON الواسط الأمريكي وواصلت مفاوضات عبثية مع كيان صهيوني ماض في فرض سياسة الأمر الواقع بتكثيف الاغتيالات والاستيطان وتهويد القدس.
ولمّا تيقّن الرئيس عرفات بالمكيدة وأبدى معارضته اُغتيل بالتّسمّم الشعاعي أو بفيروس sida وخلفه أبو ميزن. وبعدما انتصرت حماس في الانتخابات النيابية حسب المقاييس الغربية في نصف العقد الأول للألفية الثالثة لم تتمكن أن تمارس مهامها السياسية بسبب تصنيفها منظمة إرهابية لمعارضتها لاتفاقية oslo. وتكثّف الاستيطان وتهويد القدس ورُفع الجدار الذي من شأنه أن يمنع العمليات الفدائية في الأراضي المحتلة.
والوجه الثاني لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية هو ما يسمى بالفخفخة » مخطط الملك عبد الله » السعودي والذي يقرّ بواقع الكيان الصهيوني وتسليم الضفة الغربية للفلسطينيين على أن يتركوا ويتخلّوا من مطالبتهم حق العودة مقابل تعويضهم بالمال الخليجي.
- وفي نفس الوقت أعطت أمريكا إنذارا لرئيس سوريا ليلتحق بالركب السياسي الأمريكي بربط مفاوضات سلمٍ مع إسرائيل وأن تقرّ بمشروع مرور أنبوب الغاز من قطر إلى إسرائيل وبطرد المنظمات الفلسطينية كحماس والجهاد الإسلامي المعارضة لاتفاقية oslo وبقطع علاقاته مع إيران وحزب الله. وجاءت هذه المطالب الأمريكية على لسان وزير خارجيتها الجنرال POWEL أثناء زيارته دمشق مباشرة بعد احتلال العراق. ولم تمتثل سوريا لهذه الضغطات، وما يجري الآن في سوريا منذ 2011 انتقام لهذا الرفض.
- أمّا الاتجاه الثالث الذي تجسّمت فيه المناورات الأمريكية في إطار الشرق الأوسط الكبير فهو يتعلق بمحاولة كسر حلقةٍ مهمةٍ من محور المقاومة ألاَ وهي حزب الله. وفي هذا السياق بادرت الولايات المتحدة لإنجاز قرار أُمَمي رقم1559 يقضي بنزع سلاح حزب الله بحجة أن حمل السلاح من صلاحية الدولة اللبنانية فقط وأنّ الذّراع العسكري لحزب الله منظمة إرهابية. وراحت الغطرسة الأمريكية حتى أن سمّت LARSEN يهودي الأصل مبعوثا أُممِيًّا مهمّته التأكيد بنزع سلاح حزب الله، وLARSEN هو مدبّر مكيدة oslo التي سقط فيها الفلسطينيون لكن بقي هذا القرار حبرا على ورق نظرا لمعارضة حزب الله الذي جعله تغطية دولية لفائدة إسرائيل مع تغاضٍ كاملٍ على جرائم هذا الأخير في فلسطين وفي لبنان.
وبعد فشل هذا القرار الظالم أقدمت المخابرات الصهيونية بتنسيق مع أمريكا على اغتيال رفيق الحريري الوزير الأول اللبناني وسعودي الأصل، ودفعت أمريكا مواليها في لبنان في تحالف 14 أزار لمطالبة نزع ملف رفيق الحريري من يدي العدالة اللبنانية لِيُوضع في يدي لجنة أممِيّة توظفها أمريكا وإسرائيل في اتهام من يعارض سياستهم في المنطقة. وهكذا سارعت أصابع الاتهام نحو سوريا لكن بعد أسابيع قليلة سقط هذا الاتهام بعد أن فلتَ الشاهد المزعوم من يدي قابضيه والتحق بدمشق حيث صرّح أنّه محلّ مناورات المخابرات الغربية تُغريه بالمال مقابل شهادته ضد سوريا مع أنها شهادة زور.
والعجب أنّ من جملة الفرضيات المحتملة في اغتيال رفيق الحريري لم ترد في التقرير فرضية إسرائيل رغم سابقات التخريب المنسوبة للعدو الصهيوني. وقد قدّمت مخابرات حزب الله قرائن تدلّ على أنّ إسرائيل تعلّقت بالمسلك الذي كان يسلكه المغتال في الأسابيع التي سبقت قتله، مما يبرر فرضية إسرائيل. ودلّت قرائن أخرى رصدها حزب الله أنّ الطريق الذي سلكه ملف المقتول لم يصل إلى أوربا إلاّ بعد مروره من تل أبيب ليلفّق بحسب ما تتطلبه مصالح أمريكا وإسرائيل. وبهذه الطريقة تم اتهام حزب الله في اغتيال رفيق الحريري زورا.
ولتعويض هذا الفشل الجديد تذرّعت أمريكا وإسرائيل بالاشتباك الذي وقع بين عناصر حزب الله ودورية صهيونية في الحدود الجنوبية لشنّ حرب جديدة على البلاد في حملة غير مسبوقة نظرا لضخامة الوسائل العسكرية المسخرة لتوليد ما سمّتْه C.RICE الشرق الأوسط الجديد. إلاّ أنّ إسرائيل لم يبلغ أي هدف من الأهداف المسطرة بعد ثلاثة وثلاثين يوما من التدمير، إذ حسب تقرير VINOGRAD لم يحرر أسْراه ولم يُحطّم قدرات حزب الله في القتال ولم يستطع أن يتوغّل داخل الأراضي اللبنانية وتكبّد لأوّل مرة خسائر كبيرة في عتاده العسكري وفي مُدنه. فللأوّل مرة في ستّين سنة من المواجهة مع العرب انهزم إسرائيل أمام مقاومة ناجعة وردْعِية. وقد تكرر الفشل ثلاث مرات مع المقاومة الفلسطينية في غزة سنة 2008، 2012 و 2014.
VIII
مشروع الشرق الأوسط الجديد (تابع)
وفيما يخص مناوراتها نحو إيران دائما في مساعيها لإنجاز شرقها الأوسط الكبير امْططَت أمريكا الملف النووي بداية سنة 2000 بتحريض من اللبي الصهيوني ومُدّعية أنّ برنامج النووي الإيراني قد خرج من سياقه المدني ليخطو نحو الميدان العسكري مما يستدعي بحسب أمريكا تفكيكه بموجب الباب السابع لِميثاق الأمم المتحدة أي بإباحة استعمال القوة ضد إيران. إلاّ أنّ في الميدان لم تأت العشرات المهمات التفتيشية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية لم تأت بدليل واحد يُثبت ادّعاء الانحراف ولا بدليل نية الانحراف عن السياق السّلمي علمًا أنّ الإمام حامينائي قد سبق له أن أصدر فتوى تحريم إنجاز سلاح نووي.
والهدف من وراء كل هذه المناورات بلوغ عدة أهداف فضلا عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، منها إبقاء الاحتكار التقني النووي في أيدي القوى العظمى والغرب عامة ثم إجهاض التجربة الإيرانية في التنمية حتى ألاّ تكون أسوة لباقي بلاد الإسلام.
والعوامل التي حالت دون أن يتجرّأ إسرائيل وأمريكا على عملية عسكرية ضد إيران عديدة منها الشرعية السياسية الداخلية لإيران المتمثلة في وصلٍ بين دولة ذات رؤية إسلامية للوجود وواقعٍ شعبي ملائم لها. مما يبطل المناورات الخارجية المخرِّبة. والعامل الثاني الذي حال دون أن تنفّذ أمريكا وإسرائيل عدوانها على إيران رغم تهديداتها المتكررة يكمن في الثمار الهائلة التي أفضت إليها استثمارات الموارد البشرية والعلمية والتقنية والمالية والثرواتية الذاتية في نهضة علمية وصناعية وعسكرية مكّنت إيران منذ بداية الألفية الثالثة أن تكسب الشروط الثلاثة الحديثة لتجسيد استرتيجية ناجعة تواجه في الميدان النفوذ الأمريكية والصهيونية في الإقليم.
- وأولى هذه الشروط النفوذ الإقليمي كما دلّ على ذلك الانهزام الصهيوني سنة 2006 في لبنان أي في حرب تمّوز وفي الحروب التي شنّها ضدّ غزّة سنة 2008 و 2012 ثم 2014 دون أن يحقق أهدافه الاستراتيجية. وهذا الفشل الإسرائيلي نتيجة الدعم المعنوي والعسكري والتقني الذي تقدمه إيران للمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق ومنذ 2011 في سوريا واليمن.
- أمّأ الشرط الثاني الاستراتيجي فهو يتعلق بقوة الرّدع النووي لأنّ بفضل إتقانها لكل الدائرة النووية تُعد من بلدان العتَبة النووية أي بإمكانها إذا دَعَت الضرورة أن تحصل على سلاح نووي في زمن قياسي.
- أمّا الشرط الثالث فهو متعلق بالقوة الفضائية للاستطلاع من خلال الأجهزة بعيدة المدى والأقمار الصناعية والطيران المعدّ لذلك.
وبهذه المعطيات أصبحت إيران أوّل بلد مسلم بدأ يُسمع قدر الإمكان صوت المسلمين ووجهة نظرهم في المحفل الدولي ويواجه الهيمنة الأمريكية والصهيونية في الشرق الأوسط أي في المركز الروحي والجغرافي والتاريخي للعالم الإسلامي بإقامة مقاومة تنسجم فيها الشيعة والسنة وتستقطب كل القوى الوطنية على المساعي الخبيثة لأمريكا وإسرائيل في الإقليم وفي العالم.
وأمّا دور تركيا في الشرق الأوسط فهو صعب الفهم نظرا للإرث الأطتركي الذي ألحق تركيا بالمعسكر الغربي منذ أن أُلغيت الخلافة العثمانية سنة 1924 ونظرا للتغريب السياسي والثقافي الذي واكب هذا الإلغاء كالتخلّي عن الحروف العربية في الكتابة وتهميش الدّين الإسلامي إلى الشأن الخاص والفردي بعد أن كان طيلة قرون مرجعية السياسة وكل أبعاد الحياة.
لكن قساوة كل الإجراءات هذه والتي تقيد الحياة الرسمية لم يجفّف نفوذ القيم الإسلامية في عمق الحياة الاجتماعية. وهكذا بعد عقود من سياسة متجاهلة للدين بل معاكسة لمبادئه بدأ يظهر في الستينات من القرن العشرين تيار » سياسي » يركن إلى التراث الإسلامي معتمدا في الانتخابات إلى الفئة الاجتماعية التي بقيت على عهد الدين الإسلامي. وقد تمثّل هذا التيار الديني في شكل حزب صغير يدخل في تأليف الحكومات بدل إصلاحات أو قوانين تتيح للمسلم أن ينزع عددا من التسهيلات في تعليم القرآن والعربية وفي تأسيس جمعيات وبناء المساجد أو إعادة فتح مساجد تاريخية للصلاة بعد أن حُوِّلت إلى متاحف.
وأسفر هذا العمل السياسي البسيط والبطيء في بدايته إلى وصول أول حزب إسلامي ينال الأغلبية في البرلمان مع نجم الدين أربكان مؤسس حزب الرفاهية. مما خوّله منصب الوزير الأول يقود سياسة البلاد في التسعينات من القرن العشرين.
كان نجم الدين أربكان رجلا ذا خبرة سياسية طويلة ومخلصًا في عمله السياسي ومؤمنا بانتماء تركيا للعالم الإسلامي. ولذا كان يسهر على ربط العلاقات وتوطيدها مع البلدان الإسلامية. والهدف منها المساهمة في بعث النهضة الذاتية في هذه القارة التاريخية التي يكونها العالم الإسلامي. إلاّ أنّ هذا الاتجاه السياسي لم يُرضي أمريكا التي رأت فيه عاملا من العوامل المزيلة لاندماج تركيا في الحلف الأطلسي والمعرقلة لشبكة نفوذها في الشرق الأوسط سيّما بعد إعلان أربكان ربط علاقات تكامل مع إيران في استراتيجية واحدة. ولذا أقدمت أمريكا إلى تحريك ما سمي في تركيا » الدولة العميقة » المتمثلة في المؤسسة العسكرية الساهرة على تهميش الإسلام وإبقاء البلد على تحالفه مع الغرب، فعُزل أربكان وحكم عليه بالسجن بتهمة المساس بعلمانية الدولة وبمنْعِه ممارسة أي نشاط سياسي لما بقي له من عمره، حتى أن وفتْه المنية.
وكما جرت العادة في مثل هذه الظروف السياسية أثار هذا الحدث جدالا حادًا داخل التيار الإسلامي أسفر إلى تقسيمات وتأسيس أحزاب جديدة تكيفت للوضع الراهن وظهر حزب العدالة والتنمية يقوده طيب رجب أردﭬــان، وهو الحزب الذي يحكم البلاد منذ سنة 2002 بموجب أغلبيته في البرلمان.
لاشكّ أنّ صعود هذا الحزب في طليعة الحياة السياسية في تركيا تنج عن انتمائه للقيم الإسلامية وعن حضور هذه الأخيرة في المجتمع التركي ونتيجة التسيير الجيد لممثليه في البلديات مثل اسطنبول والولايات الأخرى ونتيجة أيضا التحالف مع تيارات إسلامية جمعوية أخرى. إلاّ أنّ موقف أردﭬــان بقي مترددا بين الميل إلى الالتحاق بالاتحاد الأوربي الشيء الذي أثار تحفظات شديدة في الأوساط الأوربية نظرا للإرث الإسلامي الذي تحمله وما زالت تحمله تركيا، وبين الميل إلى ربط الصلة مع العالم الإسلامي الذي يجمعه به الدين والتاريخ والجغرافية. ويبرز هذا التردد في معاملة سياسة إسرائيل. فإدانة أردﭬــان لسياسة إسرائيل في فلسطين وغزة لم تسفر إلى درجة قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الكيان الصهيوني نظرا لعمق اندماج الكيان السياسي والاقتصادي التركي في الاستراتيجية الغربية التي أوقفت بعنف الطموحات التحررية لنجم الدين أربكان.
وبعد وصوله إلى الحكم بادر أردﭬــان بسلسلة من الإصلاحات المسجلة رسميا في إطار ترقية الديمقراطية والحرية. ومن جملة الإصلاحات رفع الحظر الذي كان يمنع اعتلاء منصب رئيس الجمهورية لشخص ينتمي إلى حزب ديني، فأصبح عبد الله ﭬــول أوّل رئيس ينتمي إلى حزب إسلامي منذ 1924. ومن الإصلاحات الأخرى إلغاء نفوذ المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة كالإعلام والعدالة وتوجيه السياسة، كل أمور مستحسنة من قبل الكل في أوّل وهلة ووصلت هذه الإصلاحات إلى التخلص من مئات الضباط السامين في العسكرية على اختلاف شعبها بإحالتهم على التقاعد أو على العدالة بتهمة مساعي إلى قلب النظام بالعنف.
وهذا السؤال المطروح يتعلق بالسهولة العجيبة التي تخلص بها أردﭬــان من مؤسسة عسكرية هيمنت على الحياة السياسية في تركيا طيلة ثمانية عقد وجعلت من تركيا قلعة أمامية للمعسكر الغربي في مواجهته المعسكر الروسي. أليس ما حدث في تركيا منذ أكثر من عقد نتيجة صفقة بين تيار إسلامي يتحلى بالإصلاحات المنشودة وهيمنة أمريكية التفّت عليه لتبقى سياسة تركيا تموج في فلك الاستراتيجية الغربية ؟ ذلك ما يشهد له دور تركيا المشبوه منذ 2011 في سوريا والعراق. ما أكّده نجم الدين أربكان بعد خروجه من السجن في حديث لفضائية الجزيرة. فحوى هذا الحديث أنّ هناك صفقة بين أردوﭬــان وأمريكا مفادها أنّ الأول لا يعارض الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وأنّ واشطن تقبل بنظام إسلامي ينسجم لسياستها.
IX
الربيع العربي المشبوه
في أواخر سنة 2010 وبداية سنة 2011 انفجرت سلسلة ثورات مسّت بالخصوص بلدان عربية. فبدأت في تونس لتمتدّ للمغرب ثم لِمصرَ وليبيا واليمن والبحرين وسوريا. وأفضت الأحداث إلى إقالة رئيس الدولة في تونس ومصر واليمن وليبيا وإلى حرب إقليمية في سوريا واليمن – وهكذا انبسطت الأحداث على ظاهر العين.
وهنا يُطرح سؤال خاصّية هذه الأحداث في العالم العربي مع أنّ أحداثًا مماثلة الطبع جرت وتجري في أوربا الشرقية وسيما على الحدود الغربية للدولة الفدرالية الروسية مصاحَبة بدرجة أو بأخرى من العنف كما هو الشأن الآن في » أوكرانيا « . ممّا يبرّر فرضية أحداث تشابكت فيها أسباب داخلية وأسباب خارجية يُراد توجيهها والالتفاف عليها بمقتضى منطق مصالحها.
وباتخاذ في الحُسْبان الرُّقعة الواسعة لهذه الأحداث السياسية وتشابك أسبابها للنظر في كل العوامل التي قد لعبت دورا ما فيها، ولاستخلاص المعاني التي تحملها في طياتها نُركِّز سؤالنا على ما جرى ويجري في الأقطار العربية والمعروف تحت تسمية » الربيع العربي » المشبوهة. وإذا سلّمنا أنّ الصُّدفة لا مكان لها في قراءة هذه الأحداث إلاّ عند جاهل أو متحيّزٍ خفيٍّ فلنرفع الغطاء عن طبيعة العوامل الداخلية والعوامل الخارجية وتداخلها في علاقات جدلية حتى تتضح لنا الوضعية التي آلت إليها الأمور في هذه البلدان وحتى نتفهّم معانيها لاتخاذ الموقف الملائم لها بدلا أن نبقى أداةَ الأحداثِ والتضليل الإعلامي الذي يصاحبها عادة.
وفيما يخص العوامل الداخلية نذكِّر أنّ كل الأنظمة العربية التي اجتاحتها هذه الاضطرابات السياسية بما فيها الجزائر في التسعينات من القرن العشرين ناجمة عن منطق محور WASHINGTON-MOSCOU – مهما كانت صِبغتها قومية أو ليبرالية أو اشتراكية وِفقَ تأثّر مؤسّسيها بالنموذج الغربي الحديث وباستهتارهم بالقيم الروحية لشخصية الشعوب التي تولّوْها. مما فتح فجوة بين أنظمة مستوردة الفكر وبين واقع مجتمع باقٍ ولو شكلاً على وصلٍ بالمرجعية الروحية الدّالة لِقبلَتِه الوجودية والتي برّرت حق الانفصال عن واقع المستعمر. نجم عن هذه الوضعية التناقضية السياسية مواجهة ضمنية بين أنظمة اضطرت إلى تبعية سياسية خارجية وبين معارضة المجتمع الذي راح ضحية هذه التبعية.
وما دام منطق محور WASHINGTON-MOSCOU – قائما بقيت الأنظمة تمتَّعَت وتنعّمت في استقرار نسبي ممزوجٍ بقمْعِ كل معارضة مُشخَّصة لسياقها. لكن بعد انهيار المعسكر الشرقي أصبح العالم مستقطبا من قبل الهيمنة الأمريكية وحلفاءها فزال الاستقرار وخلفه الاضطراب باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وما شبه ذلك.
وحيث تملك أمريكا كل المعطيات الاستراتيجية لدول العالم الثالث ودول العالم بواسطة قنوات نفوذها كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة وبواسطة مخابراتها المتسترة بثياب التعاون أو المجتمع المدني تستطيع باستمرار جَسَّ نبض التوتر والتجاذب الحاصلين في بلاد ما. ومن ثم تتنبّأ بما يمكن حدوثُه وكيف يجب أن تتعاطى معه لِتُحصن مصالحها أو لِتوسّعها بحسب الظروف الميدانية وبموجب أولوية المصالح قبل نصرة الحق.
ومن هذه المعطيات أنّ تأزّم الوضع السياسي والاجتماعي قد بلغ مبلغه في جزء كبير من العالم العربي حتى أفضى ذلك في كثير من الأقطار إلى انتفاضة ذات صبغة إسلامية نظرا لفشل المشروع القومي في مِزاجَيْه الليبرالي والاشتراكي وبدَت الظروف كأنّها ترفع قيمة التيار الإسلامي إلى حامل حلٍّ بديل ومعوِّض لفشل التجربة السابقة والسائدة منذ 1945، ونظرا لوصله الظاهر مع المجتمع وتراثه الروحي والتاريخي وطموحاته إلى عيشٍ يجمع بين الدّنيا والدّين.
إلاّ أنّ في الواقع الملموس لم تظهر الأمور بهذه البساطة بل تفرّعت بتنوُّع التأثّر الفكري الذي تلقّاه أفراد التيار الإسلامي لِيعْكِسوه في مواقفهم الميدانية، ولذا تفرّع التيار الإسلامي في الميدان على ثلاث اتجاهات:
- منها تيّار مقاوم ذو رصيد وعمقٍ إسلامي سُنّي وشيعي يستقطب تيارات وطنية أخرى في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني في الشرق الأوسط ومتعاطف مع كلّ القوى في العالم التي تعارض هيمنة رأس المال العالمي. وتجسّد هذا التيار في الميدان بحسب مِحورٍ يمتدّ من إيران إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة. فقد أفشل هذا المحور إلى حد الآن كل المحاولات الأمريكية الصهيونية لترقية شرقٍ أوسطٍ مُوالٍ لهما بفضل تضحيات جسيمة وتوعية في الميدان وقلب توازنات القوى النفسية نحو نهضة ذاتية شاملة محفوفة بالقيم الروحية الإسلامية ترعى كل المذاهب بما فيها المذهب الوهابي وترعى كل الطوائف وكل العرقيات.
- أمّا التيار الثاني فلم يصدر منه جواب يجعله على مستوى التحديات لعدم جهوزيته السياسية للحدث رغم تجذّره في المجتمع كجمعية الإخوان المسلمين بمصر. وتَكمُن هذه العلة في غفلة الإخوان عن طرح ومعالجة المسألة السياسية في إطار إسلامي طيلة فترة تهميشهم السياسي وتهجيرهم. إذ في غالبية الأحيان تكتفي قيادات هذا التيار بإعكاس الخطاب السياسي المتداول عند البلدان الغربية التي منحت لها حكم اللجوء السياسي خصوصا في بريطانيا وأمريكا. نضيف أنّ لأسباب مذهبية لم تلتفت قيادة هذا التيار إلى التجربة الإيرانية كونها تجربة إسلامية للنظر بالأقل إلى أيّ حدٍّ يمكن الاستفادة منها في وضع الخطوط العريضة لمرجعية إسلامية بغية ترجمتها سياسيا، وفي ترقية نموذج تنموي لا يمر على شروط رأس المال العالمي وفي ترقية مبدأ الدولة في خدمة الأمة وتوازناتها لا في خدمة رأس المال العالمي. وبسبب كل هذه العلل كثيرا ما مال الخطاب السياسي عند الإخوان إلى الليبرالية كأنها عقيدة لا تجادل وبالمفهوم المنظّر لها الآن يعني أولوية دولة في خدمة رأس المال الخاص والموالي لرأس المال العالمي. مما يجعلها أداة لإبقاء الهيمنة الغربية وراء مظاهر تغيير جذري.
- وهناك تيار ثالث جعل من المذهب الوهابي واجتهاده عقيدة يتموقع بموجبها كأنه فوق كل المذاهب الأخرى. وهو مبغض للتصوف في مبدئه لا في الانحراف الظرفي لبعض أتباعه. يصنّف هذا التيار الأنظمة السياسية طغاة واجب محاربتها بالقوة. وقد ظهر وترعرع هذا التيار بمباركة وتمويل سعودي وتم توظيفه في الثمانينات من القرن العشرين في محاربة الوجود الروسي في أفغانستان تحت تسمية القاعدة وتحت رعاية المخابرات الأمريكية والباكستانية والسعودية إلى أن يفلِت من قبضتها بعد 1998 ليتفرّع على فرقٍ متنافسةٍ ومتحاربةٍ مع حملها فكرةٌ سياسيةٌ غامضةٌ رغم مطالبتها إقامة دولة إسلامية.
والجدير بالذّكر أنّ انفصال هذا التيار شكلاً عن السعودية أبقى فروعه في وصلٍ مع الجذور الفكرية الوهابية ممّا يجعل فروعه في متناول المخابرات الغربية فضلا عن المخابرات السعودية ولِتُصبح محلّ توظيفٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ في الأزمات السياسية التي تمرّ على العالم الإسلامي في خدمة الاستراتيجية الغربية الهادفة للسّطو على الثروات الطبيعية واستقطاب إسرائيل لكل الشرق الأوسط. وهكذا تم الالتفاف على الانتفاضة الشعبية في المغرب لإبقاء حكم المَحميّة بكتابةِ وإقرارٍ دستورٍ جديدٍ في وقت قياسي مع توريط حزب إسلامي. وتمّ الالتفاف على الحدث في تونس بمباركة التغيير الظاهر مع إدامة الآليات التي تُخضِع البلاد للهيمنة الغربية. وتمّ الإجهاض بثورة مصرَ بمُواكبة الأحداث والأخطاء حتى أن عاد النظام القديم بثوبٍ جديدٍ. وهكذا تجري المساعي لإبقاء اليمن في نفوذ أمريكا بالوكالة للسعودية وبمُباركةٍ من مجلس الأمن الدولي. وهكذا تمّ تخريب ليبيا، وربّما تجري المساعي الخبيثة لتخريب الجزائر من جديد في واجهة تُظهرُ تصادم العرقيات وتخفي نيّة أجنبية غربية تريد الاستيلاء على ثرواتها النفطية والغازية والمعدنية ونقلها وجنْيَها لفائدة الغرب المطلقة.
X
العولمة وأية عولمة ؟
إنّ العولمة بظاهرتها الحالية وبمفهومها الحاضر تعني مدًّا وامتدادا للحضارة الغربية الحديثة إلى كل أرجاء المعمورة مسلِّطة بالأقل مظاهرها المعيشية. فهي اندلعت في القرن الخامس عشر ميلادي من خلال الحملات البحرية الأريبة لاستكشاف العالم الخارجي عن العالم الغربي كإفريقيا وآسيا وأمريكا. وقد زادت العولمة سرعةً على وتيرة التّقدم العلمي والتقني في خدمة الدافع المادي والمدّ الاستعماري فضلا عن إحداثها المجتمع الصناعي مع كل التقلبات الجذرية التي صاحبتْها في نمط حياة الإنسان.
ثم أصبحت العولمة مستقطبة من قبل جدلية المحور WASHINGTON-MOSCOU – منذ 1945 إلى الثمانينات قبل أن يستقطبها رأس المال العالمي منذ التسعينات من القرن العشرين بعد انهيار المعسكر الشرقي وإلى يومنا هذا ومع نية فرض طريقته الملخّصة في فكرة » اقتصاد السوق » على الإنسانية.
وفكرة » اقتصاد السوق » وواقعها في الميدان ترويج وتجسيد سياسي للقوة المالية العالمية التي استوعبت فكرة الدولة السياسية في خدمة رأس المال الخاص والذي يركن إلى فلسفة ومنهج الدافع المادي المُسيطر على الحياة في الغرب الحديث منذ ستة قرون تقريبا. وتمّت هذه السيطرة على الدولة وعلى مجرى الحياة بإقصاء مرجعية القيم الروحية المسيحية في سياق تيار أدبي وفلسفي غذّته التجار وواكب صعود القوة المالية وهيَأتْ لها الطريق السياسية. ويزعُم رأس المال العالمي المتمثل سياسيا وعسكريا في الولايات المتحدة أنّ التجارة هو وسيلة للتواصل المثلى بين الناس وبين الأمم ويجب توطيدُها وتقويتُها فوق كل اعتبار مع أنّ الواقع يثبت العكس. إذ المادة التي هي في صلب التجارة من خامها إلى منتوجها تفتِن الناس وتفرّق الدول وتثير الحروب.
والملاحظ أنّ منذ التسعينات صاحب تعميم مبدأ اقتصاد السوق على مستوى الأرض فوضى سياسية عارمة في العالم الثالث ناهيك عن البطالة الضّخمة والبُؤس الاجتماعي والأزمات المالية المتتالية التي واكبته في البلدان النامية. الشيء الذي أثار الانطباع أنّ مطلق سياق اقتصاد السوق قد دفع حياة الإنسان من السيئ إلى الأسوأ خلافا لما تحمله يوميا الحملات الإعلامية وأنّ الحالة الوحيدة التي يجد فيها صاحبها حسابه هي حالة أصحاب البنوك يعني الذين يصنعون الإفلاس بتلاعُباتِهم المالية والرّبوية والذين يُصيِّرون ذلك الإفلاس مدْيونيةً على ظهر المجتمع ويطالبون الدولة بإعادة تمويلهم بطبع النقود من الكاغد.
إنّ اتجاه الإنسانية نحو الأسوأ في ظل اقتصاد السوق المُعوْلَم يُعيد بقوّةٍ خلاصةً في حِمى فلسفة التاريخ والتي أوْرَدت أنّ المدّ الأفقي الأقصى لحضارةٍ مَا دلالةٌ على أنّها وصلت إلى حدّ إمكانيتها قبل أن تندثِر وتنطفئ. وكأنّ قوّةً خفيةً تدفع القيم المرجعية لمهاجرةِ فضاءٍ تاريخيٍّ نفذت قدراته لِتلْتحِق بفضاءٍ تاريخيٍ جديدٍ تُغنيه. إنّ هذه الخلاصة ثبَتَت في دراسة الحضارات القديمة المُطِلّة على البحر الأبيض المتوسط كحضارات مصر والفينيقيين والأشور واليونان وروما.
وكيف تظهر وتُطرح المسألة إذا حملنا وطبقنا هذه الخلاصة التاريخية على فضاء العولمة الحالية علمًا أنّ السؤال يتعلق هنا بالكيان البشري كلّه ولا يختصر على عِرق دون الآخرين ولا يختصر على كيان محدودٍ دون الآخرين ؟ وفي غياب العلم عما ستُسْفِــر عنه العولمة في المستقبل القريب تطرح المسألة نفسها في شقّين:
- أمّا الشقّ الأوّل من المسألة يتعلق بالعولمة الليبرالية كنهاية يراد بها في سياق الدافع المادي وكهدف الأهداف كما تدعي أرباب اقتصاد السوق.
- أما الشقّ الثّاني يتعلق بمصير البشرية نحو انعدامٍ على ضوء تدهور الأوضاع الحالي أو نحو بعثٍ بديلٍ جذريٍّ.
أمّا العولمة المرغوبة في ظل الدافع المادي فللخطاب الليبرالي سلاح أساسي بل استراتيجي ليبرّر كل التقلبات بل النكبات النفسية والوجدانية الحاصلة في سياق اقتصاد السوق وله في هذا الاتجاه ترسنة من الوسائل في كل بلاد من البلدان، فضلا عن لوجستيته العالمية والمتمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية. ومنها أربعة بالامتياز:
- منها الوسيلة السياسية حيث يتم توظيف الدولة لإنجاز كل ما يصبو إليه رأس المال العالمي بإلغاء كل الجانب الاجتماعي والسّيادي من صلاحيات الدولة وبالإجابة التامّة لهوى رأس المال وما يتْبعه من تخفيضِ الرسوم والضرائب إلى الحدّ الأقصى بحجّة أنّ هذه الإجراءات من شأنها أن تخلق مناصبَ شُغل. الشيء الذي يكذِّبُه في الميدان الواقع الاجتماعي.
- من الترسنة الليبرالية وسيلة المعاهد العليا التي تُموِّلها البنوك لإنتاج الموظفِ المطلوب يسيِّر الإدارة والسياسة بمقتضى المقاييس الليبرالية في خدمة السلطة المالية العالمية.
- ومنها وسيلة الإعلام المُموّل في جذوره وتفاصيله السمعية البصرية والمكتوبة من قبل أصحاب رأس المال لِيُردِّدَ على مجرى الأيام والسِّنين خطابًا يخدم مصالح البنوك حتّى أن يعتقد المواطن أنّ ليس ثمّة في الحياة إلاّ النّمط الليبرالي.
- ومنها الوسيلة الأدبية الحديثة لإنجاز وإبقاء قابليةٍ في نفوس الناس لكل ما يُحدثُه هوى رأس المال من هروبٍ إلى الأمام في حياة الفرد والمجتمع، حتى أنّ التعامُل الأناني الذي هو في صُلْب الأدب الحديث يُصبح خصلة تقيّد سلوك الفرد والمجتمع نحو إنكار القواعد البانية للمجتمع والشارعة للمعاملة والمصنّفة للأجناس وقواعد تعاملهما.ممّا يُفضي إلى الاضمحلال الخُلُقي التّام وما يتبعه من فشّ الأمراض النفسية والمخدرات والانتحار والعنف وإلى واقع كيان ظاهرُه بشرٌ وباطنه أسفلُ من درجة الحيوان العادي لأنّ هذا الأخير لم يكن في عيْشِه الاجتماعي مظهرًا لمثل هذه الرّذائل.
إنّ هذه المشاهد الوجودية المأسوية التي أصبح الآن الكيان البشري مظهرا لها أثّرت بعمق في بيئته. ذلك أنّ النّمو غير المشروط للعامل التقني في خدمة الدافع المادي أخذ أبعادًا عديدة وخطيرة تهدد ما يسمى الحياة بالتّلوث وبالكوارث الطبيعية وبإطفاء كثير من أنواع النبات والحيوان ناهيك عن الأخطار المبيدة التي تحملها ترسانات الأسلحة النووية المخزونة والأسلحة الجرثومية ، وناهيك عن الحروب الظالمة التي لا يحركها إلاّ رغبة الكسب المادي.
نضيف أنّ في أحسن تقدير للنّموذج الليبرالي يعني إن فرضنا أنّ خيراته المادية موفرة للعامة وليس محتكرة كما هو الشأن الآن، لتِسعة عشورها لفائدة العالم الغربي فمن المستحيل أن تجيب لطلب كل الإنسانية. فمثلا إذا قرر الصيني أن يأخذ يوميًّا الكمية الغذائية التي يأكلها الأمريكي فيجب أن نلهمه ثلثي الإنتاج الحبوبي العالمي السنوي. وإذا نويْنا نفس العملية في ما يخص الكاغد يجب أن نضرب على 2,5 الإنتاج العالمي الحالي للكاغد.
وأمام أو في حضرة كل هذه المسلمات السلبية كيف يمكن لحضارة مادية مثل الحضارة الحديثة أن تدّعي بلوغ الكمال وهي استدرجت الإنسان وكونَه إلى وشك الزّوال ؟ هذا ما انتهى إليه الفكر الغربي الحديث نفسه وعن طرق عديدة. فمنها آفاق انقلاب القوة التقنية على مستغلِّيها الإنسان كما تنبّأ بذلك O.Spengler في العشرية الثانية من القرن العشرين في سياق فلسفة التاريخ. ومنها انطباع نهاية وجود الإنسان يسرعها منطق قوته كما تنبّأ بذلك C.L.Strauss في الخمسينات من القرن العشرين في سياق الفلسفة البُنْيوية. ومنها الشعور بمحدودية بل بفناء الإنسان ككيان بالعقل النظري وبإنكاره للتنزيه الروحي كما يُستنبط ذلك عند M. Foucault في سياق تحليله لأزمة الوجدان الناجمة عن مجتمع الاستهلاك في السبعينات من القرن العشرين.
فلنمضي الآن إلى الشّق الثاني من المسألة الذي يعالج مصير البشرية على ضوء الآفاق التي وردت في تعاليم الرّسالات السّماوية بذاتها أو بموازاةٍ لبعض خلاصات البحث العلمي. جرت العادة في البحث العلمي أنّ دائرة الحضارة مثل دائرة الحياة وأنّ الحضارات تتزامن أو تتابع وتتحاور أو تتصارع وفق الجدلية التي تتميز بها شُعَب الطبيعة. وأورد البحث العلمي كذلك أنّ اندماجًا جارٍ منذ آلاف السنين يدفع فرق وشعوب الإنسانية للتواصل ممّا يجعل من العولمة الحالية آخر مراحله ولو شكلاً أي بالمنأى عن دلالاتها. وهناك أخيرا مسلمة غفل عنها البحث العلي الحديث وتكمن في تناقضٍ بين ملاحظة المدّ الأفقي والجغرافي لحضارة قديمة قبل أن تموت قِيمُها المرجعية كما هو شأن الحضارة المصرية مثلاً وبين ملاحظة الانتكاس التاريخي لبعض الحضارات مع بقاء قيمها المرجعية عند وارثيها كما هو شأن الحضارة الهندية والإسلامية مثلاً.
وقد يفسّر لنا علّةَ البحث العلمي جهلُ أصحابه مكانة الروح في الرؤية الوجودية وفي سرّ بروز الحضارة وموتها، وفي سرّ طور الأكوان والعوالم. وبناء على المعطيات التي أوردناها آنفًا حول اندماج البشرية في ظلّ العولمة الحديثة مع الانطباع المؤكّد أنّ الإنسان ككيان وعالمه قد وصلا إلى عتبة نهايتهما، فحينئذ ما هي الآفاق التي رسمتها الرسالات السماوية في هذا الصدد علمًا أنّ التصور الوجودي الذي تحمله ذو مراتب وأطوار وراجع كله إلى حقيقة واحدة وهي أمر الله، وإن كان التعبير مختلفا لضرورة تكييف الرسالة لظروف بشرية تختلف بحسب الأمكنة والأزمنة. ولذا جاءت الرسالات وفي طياتها قصة الكون والأكوان وأطوارها بتعبير ملائم للوسط البشري المقصود. هذا شأن تسلسل الرسالات في تاريخ البشر إلى ختمها بالرسالة المحمدّية.
وكلّ الرّسالات ومنها البائدة تـتَنَــبّأ بوصول الإنسان إلى طوره الأخير وتــتــنبّأ بقيامةٍ كبرى تأتي بخَلقٍ جديدٍ يُعيد خلقها للأرض وللكون. وهنا يُطرح سؤالُ دورِ كلِّ رسالةٍ في هذا الحديثِ العظيمٍ المُنتظر هل لكلّ رسالةٍ دورٌ محدودٌ ومعيّن تكتفي بهذا القدر ؟ أم هناك مراتب متفاوتة في الدّور نفسه فتصبح الرّسالاتُ حينئذٍ متفاوِتةَ الدّورِ بعضها من بعض ؟ وإذا سلّمنا أنّ الرّسالات الغابِرةَ لها دورٌ معدومٌ أوْ لاَ دورَ لها لِذهاب شأنِها فالدّور لا يليق إلاّ برسالةٍ بقيت على حيويّتها الأولى مثل الرسالة الصينية والرسالة الهندية والرسالات الإبراهيمية منها اليهودية والمسيحية والإسلام. والدّورُ المقصود يكمن في استعداد وقدرة الرسالة للاستجابة للطلب الرّوحي على أحسن وجهٍ ممكنٍ في البسطِ وفي الطّول حتى تضعَ الإنسانيةَ في جهوزيَّةٍ تامّةٍ لِخوضِ الحدث الأكبر في مرور البشر إلى موضِعِ البرزخ حيث يجمع الله الأوّلين والآخرين ليرى الناسُ أعمالهم قبل أن يحكم الله بينهم.
- فالرّسالة الصينية معدّة للعنصر الأصفر وما يُواكبه من قِوى جماعيّةٍ أجدادية. فبارتباطِها بالعنصر لا تتجاوز وظيفتها الرّوحية ربوع العنصر الأصفر القاطن في آسيا منذ القدم.
- أمّا الرّسالة الهندية فنُفوذها الرّوحي مقيّد بخُلُقِ الاستعدادات النفسية الذي يدقّق مراتب الوظائف الاجتماعية كما هو الشأن في شبه القارة الهندية. فلا تنطبق في بيئة الغربِ الحديثِ محلِّ أمزِجةٍ نفسيةٍ متشابكة جدًّا بحيث لا يمكن للفرد الغربي أن يعرف الطريقة الملائمة له في الروحانية الهندية. ممّا يحُدُّ الدّور الرّوحي للرّسالة الهندية نحو البشرية.
- وأمّا الرّسالة اليهودية فنعتُ » اليهودية » هنا يُبرِز التعلق العُضوي الدَّمِّي للرّسالة منذ ظهور الملكية مع سيّدنا طالوت عليه السّلام عند بني إسرائيل، حتى ظنّ اليهود أنّ هذا الارتباط بين الرسالة وبينهم احتكار لهم دون باقي الإنسانية وحتى نسوا أساسه الروحي. وكان من شأن الرّسالة العيسويّة أن تُسوّيَ هذه العلة إلاّ أنّ صاحبَها قُبِل بالرّفض الجازِم فأسقط الله بذلك حكم » التفضيل » من اليهود، والرّوحانية اليهودية أصبحت ناقصة ولا تقيّد إلاّ الجلية اليهودية.
- أمّا الرّسالة المسيحية فهي بمثابة اقتباس لبعض التعاليم الرّوحية لسيّدنا عيسى(ع) لبيئة غير يهودية بطلبٍ من الحواريين حتّى أن لا تضيع كلِّيًا الرّحمة المصاحبة لسيّدنا المسيح عليه السّلام. والمسيحية محلّ ظاهرٍ وباطنٍ، ولا ترتقي في باطنها إلاّ إلى مرتبة أمر الله. وكان أفرادها في القرون الوسطى يستفتون أهل الله في الإسلام كلّما استشكل عليهم الوضع. وبعد ظهور العالم الحديث غاب شيئا فشيأً الجانب الرّوحي الباطني حتى أصبحت المسيحية بدون حقيقة. ما جعلها في الوقت الحاضر في عجزٍ بل في استحالة ِ الإجابة الروحية لِغربيّ الأصلِ الذين يتجاوز استعدادهم الروحي طور العقائد بدون فهمٍ.
- وبقيت الرّسالة الإسلامية. فهي ختمت الرّسالات كلّها وأكّدت حكمها الرّسالي الرّوحي وجعلت من الإيمان بِرُسُلِها وكُتُبها بندًا من عقيدتها وتفضلت عليها بجمع رسولِها محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لعلَم الأوّلين والآخرين وبتمييزه بجوامع الكلم مما يُعلي شأنه وشأن رسالته فوق الرّسالات السابقة وفوق أمر طور البشر. ولذا للرسالة المحمّدية من البسط والطول الروحيين ما يمكنها اجتياز كل العوامل الظرفية والمبدئية التي تحدّ من دور الرّسالات الأخرى كما رأيناه آنفًا.
فالرّسالة الإسلامية تكفل نجاة وتحقيق كلّ غربيّ الأصل الذين لم يجدوا هدىً روحيًّا لدى الكنيسة واليهودية. فهي لهم الوسيلة بالامتياز نظرا للقرابة الإبراهيمية بين الإسلام والمسيحية واليهودية.
وبنفس المنهج يضمن الإسلام الآن نجاة وتحقيق مِئات الملايين من الهنود الذين أُنجِبوا خارج سياق مراتب الوظائف الاجتماعية. ويعوض كذلك الإسلام التراخي العرقي الموجود على هوامش الجغرافية الروحية الصينية بانتشار العقيدة الإسلامية في شمال غرب آسيا وجنوب غربها. وأخيرًا تجذّر الإسلام في إفريقيا بواسطة الشريعة والحقيقة واستقامة التراث المحلّي.
وبكلّ هذه المسلّمات ومن خلالها تبدو ملامحُ عولمةٍ روحيةٍ من وراء العولمة الليبرالية عولمةٌ يتمحورها الإسلام الذي سيُوحِّد البشرية تحت شأنه في العقود الآتية والذي سيقود الإنسانية للمستقرّ الذي قدّر الله لها بظهور سيّد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم في المقام المحمود الذي وعد الله إيّاه.
الفهـــــرس
العامل الاستراتيجي والمسألة السياسية 1
I – الهيمنة الغربية التاريخية 1
– IIالعالم الإسلامي والنفوذ الغربي 4
-IIIجدلية المحورWashington –Moscou 8
V- في خدمة السلطة المالية العالمية……………………………………………………………………………….15
– VIحدث خارج التبعية الغربية 18
– VIIمشروع الشرق الأوسط الجديد 21
– VIIIمشروع الشرق الأوسط الجديد (تابع) 24
