Home حمزة بن عيسىالثقافة الإمبراطورية

الثقافة الإمبراطورية

-الجذور التاريخية والنفسية و الفكرية و الدجالة -بقلم حمزة بن عيسى

by عيسى محمدي
43 views

الثقافة الإمبراطورية

الجذور التاريخية والنفسية و الفكرية و الدجالة -بقلم حمزة بن عيسى

الحلقة الأولى: الجذور التاريخية الظاهرة والخفية للثقافة الامبراطورية

تمهيد الحلقة

ليست كل المفاهيم الكبرى التي صنعت العالم الحديث وليدة لحظة سياسية عابرة أو حدث تاريخي منفرد؛ فبعضها يحمل في داخله تاريخًا طويلًا من التحولات، يبدأ من تبدّل الإنسان في نظرته إلى نفسه، ثم ينتقل إلى الاقتصاد والسياسة، وينتهي إلى بناء مؤسسات وأنظمة كاملة.

ومن بين هذه المفاهيم يقف مفهوم « ثقافة الإمبراطورية » بوصفه مفتاحًا لقراءة مسار حضاري كامل.

فالمقصود هنا ليس الإمبراطوريات القديمة بالمعنى العسكري أو الجغرافي فقط، بل نمطٌ من التفكير والسلوك يرى أن القوة والهيمنة والتوسع ليست مجرد وسائل ظرفية، وإنما تصبح مبدأً من مبادئ تنظيم العالم.

ينطلق المؤلف من قراءة خاصة لجذور هذا التحول؛ قراءة لا تكتفي بمتابعة الأحداث السياسية والاقتصادية، بل تبحث عن البنية الأعمق التي سبقتها: التحول في علاقة الإنسان بالروح، وبالمال، وبالسلطة، وبالمعرفة.

ولهذا يبدأ من التمييز بين السلطة السياسية والمرجعية الروحية التي كانت تمنحها مشروعيتها في الحضارات السابقة، ثم يتابع كيف بدأ الانفصال بين المجالين، وكيف أدى ذلك ـ في نظره ـ إلى صعود قوة جديدة جعلت الدافع المادي مركزًا متقدمًا في بناء المجتمع والدولة.

غير أن المؤلف لا يقف عند الجذور الظاهرة وحدها، بل ينتقل إلى ما يعتبره جذورًا خفية، تتعلق بالبنى الفكرية والتنظيمية التي رافقت نشأة العالم الحديث، وبالتيارات التي يرى أنها ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الإنساني والسياسي.

إن هذه الحلقة الأولى تمثل مدخلًا تأسيسيًا للسلسلة كلها؛ فهي لا تقدم نتيجة نهائية بقدر ما تفتح خارطة المفاهيم التي سيبني عليها المؤلف بقية تحليله:
مفهوم الإمبراطورية، والدافع المادي، والغريزة الماسكة، والحضرة الروحية، والانقلاب الوجودي، والسنّة الدجالة.

ونحن إذ نقدم هذا النص، نحافظ على لغة المؤلف ومصطلحاته وبنيته الفكرية، مع تقسيمه إلى حلقات تساعد القارئ على متابعة مساره الطويل، لا باعتباره مقالًا منفردًا، بل باعتباره مشروعًا فكريًا متكاملًا.

والآن نترك الكلمة للمؤلف.

ثقافة الإمبراطوريّة
جذورها التّاريخية والنّفسية والفكرية والدّجالة
بقلم حمزة بن عيسى

إنّ كلمةَ  » إمبراطورية  » مشتقّةٌ من الكلمةِ اللاّتينية IMPERIUM، مفادها السّلطةُ السّياسيةُ، تمييزًا من المرجعيةِ الرّوحيّةِ التي تُعطيها شرعيتَها. هذا شأنُ كلِّ الحضاراتِ التي سبقتْ العالَم الحديثَ، والمبنيّةِ على رسالةٍ سماويةٍ. وأمّا عبارةُ  » امبراطورية  » فهي النّطق المعرّب لكلمة IMPERATOR صادرة من الكلمةِ الأولى المذكورةِ فمفادها رئيس الدّولة مع اتّساعِ المعنى إلى كلِّ الفضاءِ الجغرافي والإنساني المبسوطِ عليهما نفوذُ السّلطةِ الّسياسيةِ. وأمّا مصطلح  » ثقافةُ الامبراطورية  » الذي استحدثهُ المفكّر مالك بن نبيّ في سياقِ معالجتِه ظاهرةَ الحضارات، فيقصد به ثقافةَ الغربِ الحديثِ الهادفةَ فرضَ سيطرتِها وهيمنتِها على كلّ الأممِ الأخرى مع تجريدِها من أراضيها وخيراتِها بل مع إبادتها كأنّ قهرَ الآخرِ هو المحرّكُ الأساسيُّ والطّبيعيُّ لها وما يترتّب على ذلك من مؤسّساتٍ مسخّرةٍ لاستثمارِ الهيمنةِ.

إنّ ثقافةَ الامبراطوريةِ في أُورُبّا لم تُولد صدفةً كما اكتفَيْنا بالإشارةِ إلى ذلك في أحاديثٍ سابقةٍ، بل هي ظهرتْ بعد القرونِ الوسطى في سلوكِ الإنسانِ الحاملِ للأنانيةِ طبعًا والهاوي لها في حياتِه اليوميةِ والمتجنِّدِ للدّافِع المادِّي كالتّوجُّه الوجوديِّ الوحيدِ والممكنِ للإنسانِ. وقد كرّس التيّارُ الأُنُسي (Le courant humaniste) هذا المنهجَ بِتناغمٍ مع طبقةِ التّجار والبنوكِ الناشئةِ قبل أن يُنظّرَ له في وقتٍ لاحقٍ. نذكّر أنّ بروزَ التّيارِ الأنسيِّ وانتشار نفوذِه في المجتمع، لم يتمَّا إلاّ بشرطِ تراجُعِ القيمةِ المسيحية بتراجُعٍ ذاتيٍّ لتأثيرِ الكنيسةِ بسببِ سقوطِ قاداتِها وتخلّيهم رُويْدًا رويْدًا عن نموذجِ المسيحِ (ع) وبتعلّقِهم بالأطلالِ النفسيةِ التّابعةِ للحضارتين اليونانية والرومانية القديمتَيْن. ما يُنذِرُ أنّ هذه البقايا النفسيةَ مفتوحٌ لها البابُ لِتفشّيها في نفوسِ النّاسِ حتى تُصبحَ لاحقًا قوّةً تعارض سياقَ الدّين في المجتمعِ. ونضيف أنّ ما أسرعَ تفشّي هذه الظاهرةِ السّلبيةِ هو حظرُ منظّمةِ الهيكل  (L’ordre du temple) الذّي أقدمت عليه الكنيسةُ سنة 1312 وإدانةُ أفراده ظلمًا في فرنسا سنة 1314 مع أنّ هذه المنظمةَ المكتوبَ نظامُها من قبل SAINT BERNARD، تمثّل في الحضارة المسيحية نافذةً روحيةً تتجاوز عتبةَ الاعتقاداتِ العامّة إلى حقيقتِها الكونيةِ والرّوحيةِ. ما يُطلعنا على قيمةِ حضرتِهم على الكنيسة وعلى أجهزة الحِرفِ وعلى كل المجتمعِ. وكانوا على وصلٍ مع أهلِ الله في الإسلام كلما استشكل عليهم الأمرُ في المسائلِ الرّوحيةِ. وبحظر منظمة الهيكل وبمطاردة أعضائها وإدانتِهم ظلمًا، بدت ملامِحُ سلطةٍ سياسيةٍ تدّعي أخذَ الشرعيةَ من ذاتِها ودون حاجةٍ إلى مرجعيةٍ روحيةٍ ترسّمُها.

هذا ما أقبل عليه ملك فرنسا (Philipe Le Bel) مؤسّسُ الملكيةِ المطلقةِL’absolutisme royal  والمُبادرُ للنّموذجِ السّياسيّ الذي سيعُمُّ لاحقًا ربوعَ أورُبّا في ظروفٍ محليةٍ مختلفةٍ كما سنراه بعد حينٍ. وإذا علمنا أنّ السّياسةَ فنُّ تدبيرِ شؤونِ أمّةٍ بموجبِ توازُنِ فئاتِها وتناغُمِ أفرادها وتعاضدِهم بعضهم لبعضٍ وبموجب التوفير لهم الأمن الدّاخليَّ والخارجيَّ،  فما أقدم عليه هذا الملكُ مناقضٌ حرفيًّا لما جاء في التعريف السّابق. إذ أحدثَ انقلابًا في معنى وفي ممارسةِ هذا الفنّ لِيجعلَ من السياسة منهجًا محتكرًا لإرضاءِ هوى الملكِ أوّلاً وأخيرًا وعلى حساب المجتمعِ الذي وُلِّيَ عليه.

ولما كانت هوى نفسِه لا تقبلُ أيَّ حدٍّ كان لشهواتِها أخذ الملكُ كلَّ حقِّ رعِيّتِه ونقضَ العهودَ المبرمةَ وزوّر النّقود حتى اضطرّ للتّوجّهِ إلى ذوي الأموالِ والبنوك الناشئةِ لإرضاء فسوقِه وفجورِه. فمنحوا له القروضَ وشروا منه الوظائف السياسيةَ كتسييرِ المدنِ وشروا منه  » متقنات الحرف  » (les maîtrises) لاحتكارها. ما أعاد توجيهَ معنى الحرفةِ من تقييدها بالقِيمِ الرّوحيةِ إلى جعلها مجرّدَ وسيلةٍ للمعيشةِ ولنيل الرّفاهيةِ. وفي المقابل لِما قدّمتهُ تسرّبت طبقةُ التّجار والبنوكِ رويدًا رويدًا في مجاري السّلطة السياسية وأوحت العزلَ التدريجي للطبقة السياسية والعسكرية العتيقة، حتّى أن سيطرت على رمزِ الدّولة مع ممرّ الوقتِ. وبالتّوازي لتسرّبها السّياسي داخلَ أجهزةِ الدّولةِ، استفاد نفوذُ القوّةِ الماليةِ من كلِّ ما حمله بالفعل « الإصلاحُ الاحتجاجي »(La réforme protestante) من زيغٍ عن روح المسيحية بإحلالِه الرِّبَا في المعاملةِ الماليةِ والتجارية وبِوَضْعِه مقامَ الإيمان الذي هو الإلهامِ في المقولات النفسية أي في صورةٍ ممزوجةٍ بالعاطفةِ وطلبِ السّلوانِ، ناهيكَ عن جعله فقهَ الدّين مسألةَ النّظرِ الفردي فقط باستبعادِه مبدأَ مرجعيةٍ دينيةٍ روحيةٍ كالكشفِ تفوقُ طورَ النّظر. ما دفع هذا التيار الديني المنحرفَ إلى التعاضدِ بالفعل مع التيارِ الأنسيّ بجعل الأنانيةِ والدّافع المادي كمنهجٍ شرعيٍ للحياةِ. وقد أسفر هذا الانسجام الوجودي بين التيار الأُنسي والإصلاح الاحتجاجي على توسُّعِ قاعدةِ التّيار الفكري والفلسفي الذي غذّته القوّةُ المالية لتبرير نمطِها الوجودي ولإعطائها شرعيةً لتسرّبها في أجهزة الدولة ثم لقلبها نظام الملكية. ويكمن هذا الفكر في إفراغِ واستبعاد كلّ ما يذكر التصور الوجودي المركّز على الرّوح، ثم في ملئ الأذهان بفكرةِ الانفصال بين الدنيا والآخرة وبإنكار أيّةِ جدليةٍ بين الأولى وبين المصير إلى الثانية وأخيرًا بتكريس المقاييس الفكرية المستحدثةِ كمطالبةِ التّقدّم وتعظيم الطبيعة إلى آخره.

إنّ هذا الانقلابَ السّياسي في قمّةِ الدّولةِ حدث بالتّدريجِ وبأشكالٍ عديدةٍ تلائمُ الوضعَ العامَ السّائدَ في بلادٍ ما. ففي  » إيطاليا  » مثلا، إنّ حظر منظمة الهيكل  » فتح الباب للفوضى والعنفِ السّياسييْن لقُرابةِ قرنيْنِ مع ظهورِ عِصاباتٍ مرتزقةٍ تدعى » condottières  » تنصِب وتستأصِل في الميدانِ السّياسي بقوّةِ المالِ حتى نظّر Machiavel لسلوكِها ليُصبحَ منهجًا سياسيًّا. وبينما ساهمتْ هذه الفوضى السّياسية في إضعاف الكنيسة في مركزها التّاريخي وفي نشرِ الفكرِ الأُنسي تأسّست جمهورياتٌ تجاريةٌ في شكلٍ سياسيٍّ مختلفٍ. فجمهوريةُ GENES مثلا اعتمدت شكلَ دولةٍ مائلةٍ إلى المغامرات الخارجية نحو إفريقيا، وأمريكا والهند وفيها مكانة لرأس المال اليهودي. أما جمهورية VENISE، فهي ارتدتْ شكلَ حزبٍ أحاديٍّ يتظاهرُ بالدّين ومحرّكُه الدّافعُ المادّي والرّبا. وأما جمهورية FLORENCE فهي عين الفكر الأُنسي، وواجهت روح الهيكليّين مثل معارضتها لنداء DANTE السّياسي لتأسيس دولةٍ مرجعيتها الرّوحُ.

أمّا في  » فرنسا  » فقد ارتدى الانقلابُ السّياسيُّ لفائدةِ النّفوذِ المالي شكلَ عمليةٍ بطيئةٍ نظرًا للمقاومة التي اعترضتها بسببِ رسوخِ المذهبِ الكاطوليكي في البلاد، بحيث أنّ إذا كان الحكمُ بيدِ ذوي المالِ منذ القرن الرّابعِ عشرَ تقريبًا، فتكريسُه الرّسميُّ لا يرى النّورَ إلاّ عند ثورة 1789، بعد أن أحدثَ التّيّارُ الأدبيُّ والفلسفيُّ في المدنِ رأْيًا عامًّا كافٍ لتوظيفِ الجماهيرِ الشّعبيةِ في خدمةِ القوّة الماليةِ وراء ظواهر ثورة شعبيةٍ. وقد تحمّلَ التّيارُ الأدبيُّ والفلسفيُّ مسؤوليةَ مقاومةِ مبدأ الدّين على يدِ الموسوعيّين مثلDIDEROT    وD’ALEMBERT. فهي نافذةٌ إلى حدِّ الآن في فرنسا من خلالِ كلّ القوانين والمشاريع المناهضة  للدّين وراء مطالبةِ الحريّةِ.

وأمّا في بلاد  » الانـــﭭــليز  » فالتّحاذي المبكّرِ بين طبقةِ التّجارِ والملكية المطلقةِ التي نظّرَ لها HOBBES، أفضى إلى فكِّ الصّلةِ العضويةِ الرّابطةِ بين الكنيسةِ المحليةِ والبابويّةِ الرّومانيةِ لجعلِ أو لِوضعِ الأولى تحت وصايةِ الملكِ بموجبِ قانون  » Suprémacy Act أصدره Henry VIII، مع تجريده الكنيسةَ من كلّ مكاسبِها المادية وتوزيعها على الأعيان وعلى ذوي الأموال. وبعدَ ظهور حركة  » الإصلاح الاحتجاجي  » في ألمانيا مع كلّ ما تفرّع عنها من نزعاتٍ متضاربةٍ، هجرت إحداهنّ المسمّاة « l’Eglise anabaptiste   » إلى بلاد  » انـــﭭــلترة  » أين وجدت أرضًا خصبًا لاتجاهِها وانسجمت مع طبقةِ التّجار وفكرة الملكية المطلقةِ نحو نصرةِ الدّافع المادّي ونحو صعودِ القوّة الماليةِ. وبعدما هُزمت المقاومةُ الكاطوليكيةُ الممثّلة من آل STUARTS، تخلّصت القوّة المالية وعلى رأسها CROMWELL ، تخلّصت من الملكية المطلقة بإعدام الملك سنة 1649 وبتجريد خلفائه من كلّ صلاحياتهم السياسية القديمةِ وبإرساء الملكية الدّستورية في القرن الثامن عشر ميلادي.

وأمّا في ألمانيا فالتّحول السياسي مختلفٌ ممّا هو عليه في البلدانِ الثلاثة المذكورةِ آنفًا. ولذلك فالمسارُ السياسي أخذ طبعًا خاصًّا ولو كان حضورُ طبقةِ التّجار والبنوكِ راسخًا وفي نموٍّ مستمرٍّ. والسّببُ في ذلك أنّ روح الهيكليين باقٍ محسوسًا رغمَ حِظارِهم الرّسمي. ما أبقى المجتمع الألماني في تركيبه القديمِ، بحيث أنّ القوّةَ الماليةَ هنا لم تصل إلى السّيطرةِ على الحكم السّياسي كما فعل أشياعُها في باقي أوربّا الغربية. ذلك أنّ في ألمانيا أحدث تراجُع الكنيسة انزلاقًا معنويًا من الهوية الرّوحية المسيحية إلى مطالبة الهويّة النّفسية وهوية الأجداد تحت تأثير الأُنسيّةِ والتي أيقظت في الأذهان عناوينَ وبقايا الذّاكرةِ الجماعية حتى أصبحت قوّةً في نفوس الناسِ.

وبما أنّ هذا الرّجوعَ إلى الماضي تمَّ في غيابِ استقامةٍ روحيةٍ، ارتدت مطالبةُ الذّاكرةِ الجماعيةِ في ألمانيا شكلاً عنصريًا يقيّدُ الفنَّ السّياسي وأجهزةَ الدّولةِ مع ادّعاء مهمّةٍ على رأس الإنسانيةِ. ولذا في ألمانيا بقيَت القوةُ المالية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، بقيَت في شعبة الوسائل المسخّرة ومعها الفلسفة المسخّرة لمهامِ الدّولة السّياسية.

وقبلَ ختمِ كلِّ هذه العباراتِ حول الجذورِ التّاريخيةِ لثقافةِ الإمبراطورية بقيَ لنا أن نذكرَ علاقتَها مع رأسِ المالِ اليهودي. وقد أشرنا في هذا الحديث إلى توجّه رأس المال اليهودي نحو المغامرات الخارجيةِ في إطار سياسة GENES ، إحدى الجمهوريات التجارية الثلاثة الإيطالية. ولمّا تراجعت المرجعيةُ المسيحيةُ وظهرت الملكية المطلقةُ وصعدت القوةُ الماليةُ ونفوذُها السّياسي صارت هذه الأحداثُ أبوابًا مفتوحةً لارتقاءِ القوّةِ الماليةِ اليهوديةِ. كأنّ كلّ مرحلةِ ضعفٍ للمسيحيةِ تُصاحبُها مرحلةُ تخلُّصِ رأسِ المال اليهودي من القيود التي وضعتْها الكنيسةُ للحدّ من نفوذه في المجتمع حتى أصبح يُستثمر داخل أوربَّا ذاتِها. ومن جهةٍ أخرى قد أعطى طردُ اليهودِ من إسبانيا في القرن الخامس عشرِ، أعطى لِرأس مالهم فرصةً ثمينةً لاستثماره في  » الأقاليم المتحدة  » (Les provinces unies) أي فيما يسمّى الآن  » هولندا  » حتى سيطرَ على جلّ المعاملات المالية والتجارية على مستوى أوربا والبحر الأبيض المتوسط وذلك ابتداءً من القرن السّادس عشر (م). وفي هذا السّياق نذكّر أنّ بعد عودتهم إلى انـــﭭــلترا بقرارٍ منCromwell  ، في القرن السّابع عشر وبحسب ما أورده J. attali، في كتابه Le monde, les juifs et l’argent ،(Fayard 2002) فإنّ اليهودَ منحوا للدّولةِ البريطانية قروضًا لتمويلِ البُنية التّحتِيةِ وحصلوا على مراقبةِ تسييرها. ما أمكنَهم التّحكم في اقتصاد المملكة منذ القرنِ الثامنِ عشرِ.

إنّ نفس العمليةِ تكرّرت بولادة الولايات المتحدة الأمريكية لفائدتهم. وأينما تأخّر تمدُّدُ شبكةِ رأسِ المالِ اليهودي، كأوربا الوسطى تمّ هذا التّمدّد بواسطة غزواتB.Napoléon فضلا عن منحِه اليهودَ جنسيةَ البلادِ الذي يقطنونَه على غرار ما فعلته فرنسا منه سنة 1791. ما يُطلِعنا على جانبٍ من عولمةِ القوة اليهودية وسيّما على قوّتهم الماليةِ منذ قرونٍ إلى يومنا هذا. والسّر في ذلك يكمن في تشرّد اليهود التاريخي الحالي والذي له علاقةٌ وطيدةٌ بالدّور المنوطِ بهم في آخرِ الطّورِ البشري كما سنتطرّق إلى ذلك في آخر حديثنا.

فتشرّد اليهود يُموقِعهم دائما وراء الحدود القوميةِ ما يمكّنهم بالدّوام كسبَ أولويةِ الأخبارِ الاقتصادية والمناورة فيها قبل منافسيهم المحجورة طاقتُهم الاقتصادية في الحدود الوطنية. فبواسطة دورِ اليهودِ أصبح المالُ بيد اليهودِ قوةً عالمية بشهادة K.MARX، في كتابه  » المسألة اليهودية « La question juive  » (Ed. 10-18  (إذ كتبَ أنّ  » اليهوديَّ تخلّص   [ من القيود التي تحدُّ من حركتِه] تخلّص بشكلٍ يهوديٍّ لا باستيلائه على السّاحة المالية فقط، بل بسببه وبخلاقِه أصبح المال قوةً عالمية وأصبح العقل التطبيقيُّ اليهوديُّ عقلاً تطبيقيًا عند المسيحيّين « 

إضافة إلى جذورها التاريخية الظاهرة، لثقافةِ الامبراطوريةِ جذورٌ خفيةٌ تمثّلها المنظماتُ السّرية. فهي فضاءٌ راسخٌ وثابتٌ إلى يومنا، حيث تتفاعل بل تتنازع فيه نُخبُ الحداثةِ في الكواليس لقيدِ السّياسة بموجب الدّافع المادي والقوة المالية داخل الوطن وعلى مستوى الإقليم أو على مستوى الدّولي. ما يجعل من كلّ الفضاء السياسي أداةَ السلطة المالية في خدمة السلطةِ المالية، بعيدًا كلّ البعد عن كيان الشعب الذي تُرجع إليه رسميًا الشرعية السياسية بمقتضى الدّعاية أنّ  » الشعبَ منبع السلطة « .

والخوض في شأن المنظمات السرية صعبٌ جدًّا لِجهلِ جلّ الخائضين فيه مراتبَ معنى السرّ المتعلّقِ بها أوّلاً، وثانيا لتوجيه البحثِ فيها قصد التضليل حتى يبقى الموضوع غامضا لدى الرأي العام، بحيث أن يجد كلُّ واحدٍ فيما قرأ أو سمِع ما يلائم ميلَ نفسه. ولذا لا تُذكر عادةً المنظمات السرية في الإعلام والبحوث إلاّ بحذرٍ أو بخجلٍ دون أن يصل القارئُ أو المخاطبُ إلى فكرةٍ دقيقةٍ لتحديد موقفه منها. ولا يفقه أمرَ المنظمات السرية إلاّ من اقتـــفى أثر ما جاء على يد أهلِ الله حتى تبيّن فيها الخبيث من الطيّب. فبحسب ما جاء على قلمِ الشيخ عبد الواحد يحي وما يُستخلص منه فإنّ السّرَّ سِرّان وأنّ المنظمات السّرية نوعان.

فالسِّرُّ الحقيقي هو السّر المكنون الغائب والمتعلق بالذات المقدّسة والتي هي محلّ سلبِ الأحكام والقيود لإطلاق شأنها بحيث أنّ النّظرَ واللسان عاجزان عن التعبير عن حقيقتها وإن لم يجهلاها مطلقا. وفي مرتبةِ تَدَلٍّ عن حقيقة هذا السّر المطلق، فالسّر تابع لأمره تعالى الموجِد لكلّ شيء ولا يطّلع عليه إلاّ الرّسولُ والنبيّ والوليّ كلّ بما سبقت له منّةُ الله في الأزل. وهو سرّ مرمى السفر الروحي لدى الذاكر الملقّن. وفي مرتبة تدلٍّ أخرى فالسر تابعٌ لمشاهد الأكوان التي تصادف سفر الفقير الروحي إلى الله. إنّ هذه الأسرار محمولةٌ بتفاوتٍ من قبلِ كل الرّسالات السّماويّة على اختلاف أشكالها وأهدافها الروحية. وفي الحضارة المسيحية قبل ظهور العالم الحديث جرت العادة أنّ السّر الروحي ثابتٌ في مراتبِه السّفلى عند الهيكليين وعند منظمات الحِرف، وغايتُه منزلةُ آدم القديم. أمّا السّر التّابع للمنظمات السّرية الحديثة فهو سرٌّ نسبيٌّ جدًّا لِمداه المحدود ولا يتجاوز الغاية الدّنيوية. ومن هذه المنظمات فرعٌ ذو أصالةٍ تاريخيةٍ إلاّ أنه منحرفٌ عن روحها، بحيث أنّ دوام التلقين فيها مسخّرٌ لهوى النفس ولكل ما يبعد الإنسانَ عن مقاصده الرّوحية، فيصبح التّلقين هنا تلقينًا في خدمة الدّجالla Contre) – initiation). هذا مصيرُ الماصونيةِ الحديثةِ بعد تراجُعِها إلى الجدلية الفلسفيةِ ومناصرتها للدّافعِ المادّي ولكلّ ما يصبُّ فكرًا وعملاً نحو الفسادِ الوجودي. وأوّل منظّمةٍ ماصونيةٍ زائغةٍ عن غايتِها الرّوحيةِ المسمّاة (La grande loge d’Angleterre).

وقد نشأت سنة 1723 بمبادرةٍ من Anderson بعدما تحمّلَ هذا الأخيرُ جريمةَ حريق المحفلِ St Paul بــ  » لندن  » والذي كان عضوا فيه. والهدف من هذا الحريق إخفاءَ انحرافِ كلِّ ما سيُحدثُه في تنظيم المحفلِ الجديد لِملائمتِه لاتّجاه  » الإصلاح الاحتجاجي  » كنَبذِ مبدأ المرجعية الرّوحية أو كحجر فقه الدّين في حدود ما يُعطيه النّظر الفردي أو كنُصرةِ الدّافع المادي وإباحةِ الرّبا ناهيك عن نبذِ الوفاء للملِكِ. فبِتفريخها في أوربا وأمريكا وحول البحر الأبيض المتوسط مهّدت الماصونية الحديثة لتسرّب النفوذ اليهودي فيها لتوطيد هيمنتِه في كلّ المعاملات المالية والتجارية وعلى مستوى الكرة الأرضيةِ وفي مضاعفةِ تفشيِّ الفكر الأنسي في المجتمعِ. إنّ التّلقين في خدمة الدّجّال أيضًا مصير بعض المنظّماتِ السّريةِ اليهودية في سياق انحرافِ الطريقةِ  » الحَسِدية  » (Hassidisme). ما أفضى إلى إنتاجِ اليهوديةِ المنحرفةِ (Le judaïsme dévié) والحاملةِ للتّنبُّؤ الدّجّال (Le pseudo prophétisme) مع K. Marx من خلال ادّعائه الوجودَ مكنونًا في ما سمّاه  » الجدلية المادية  » ومع Durkheim من خلال جعله المجتمعَ المبدأَ و المرجعَ الوحيدَ لحقيقة الإنسان ومع S. Freud الذي جعل من الامتدادات النفسية السُّلفى منبعًا للدّين والحضارة أو مع A. Einstein من خلال مفهومه  » النسبية العامة  » الذي يترك الوجود في تفاعلاتِ مكوّناته جاهلاً وحدتَه رغم محاولاته إدراكها من خلال المنهج الرّياضي. ولليهودية المنحرفة بصمةٌ خاصةٌ في المنظمات السرية ذات ميلٍ عاطفيٍّ ولا حقيقيٍّ لتراثِ الهيكليين والمنتشرة في ألمانيا وأوربا الشمالية مثل منظمة  » La stricte observance  » علما أنّ هذه المنظمات تجنّد أعضاءها في النُّخب السّياسية، فأصبح أصحابها عرضةً وأداةً لِسحرةٍ يهوديةٍ تدّعي أمامهم معرفةً روحيةً عاليةً. وكما يبدو الأمر على كلّ ما أوردناه عن الشيخ عبد الواحد، فنفوذ اليهود يشمل كلّ ساحات الحياة المالية منها والسّياسيّة والفكرية والنفسية بقدر ما تراجعت المسيحية وتلاشت القيود الموضوعة سابقًا في وجهه.

أمّا خارج إطار المنظماتِ السرية القديمة والمنحرفة، هناك كلّ المنظمات المستحدثة والمدعية وهمًا أصالةً إلى التراث المصري واليوناني القديم. فهي عموما إناءٌ فارغٌ من الرّوح ووسيلةُ مناورات الكواليس صوبَ الدافع المادي ولتقييد سياسة الدول إلى ما يخدم مصالح السلطة المالية والتي يعتليها رأس المال اليهودي.

ومن جملة هذه المنظمات  » الجمعية التيؤوسوفية (La société théosophique). فهي ظهرت على تقاطع الهويان الماصوني والتعلّق بإحداث الظواهر الحسية. فلها منذ نشأتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (م) فلها وصلٌ شبه عضوي مع المخابرات البريطانية، ووظيفتها فضلا عن هويانها الداخلي الطبيعي تشويه فهم مغزى الرسالات عن العامة والنُّخب الظاهرة المستعمرة حتى بزغ التيار البهائي في إيران والتيار الأحمدي في باكستان وأخيرا حتى صنعت شخصيةَKrishnamurti   » معلم الكون  » المزعوم في الهند.

أمّا البهائيةُ فتكوّنت بانحرافٍ عن الطريقة البابيّة، فهي تناقضُ مبدأ الرّسالة المحمّدية خاتمَ النّبوّة التشريعية وتدّعي إعلانَ رسالةٍ جديدةٍ تحملُ كلّ ما تهوى إليه نفوسُ النّخب المالية والسّياسية البريطانية والأمريكية. ما يدلّ على منبعها الغربيّ الحديث علمًا أنّ مقرّها الإداري في حيف بإسرائيل. وتُذكر البهاية من حين إلى آخر في إطار المناورات الجيو السياسية في الشرق الأوسط. أمّا التّيار الأحمديُّ فميزتُهُ الاعتقاد أنّ شيخه هو المهديُّ المنتظرُ ودون أن يُعلم عنه زيغٌ صريحٍ عن الأحكام الشرعية الإسلامية. وبما أنّه لم تحدث الاستقامة المنتظرة من المهدي في حياة الشيخ، وبما أنّ الشيخَ مات ولم يقض على المسيح الدّجال بموجب ما جاء في الخبر وما زالت الإنسانيةُ تعيش حاليًا مظاهرَ الدّجال ولم يحِن ظهورُه بِعينِه، فكما قال الدّاعي عمران حسين لو كانت الأحمدية على الصّواب لتخلّى أفرادها عن النسبة إلى شيخهم وظيفةَ المهدية ولم يفعلوا.

وأمّا شخص Krishnamurti فهو هندي الأصل خطفته المنظمة التّيووسفية منذ صغره رغم معارضةِ والديهِ وعرّضتْه للاعتداء الجنسي. هدف المنظمة من هذا التصرّف صيرورة عقله وفكرهِ في موقفٍ يعارض روح الرّسالة الهنديةِ. وقد استطاع الشخص في وقتٍ لاحقٍ أن يتخلّص جسديًّا من مخالِب هذه الجمعية وبقيَ نفسيًّا وفكريًّا في سياقِها. ففكرُه لا يتجاوزُ طورَ النّظرِ مع الجحودِ لِما يعتليه في مراتب الوجودِ. والدّعاية أنّه محقّقٌ لتغطية مواقفه الضّالةِ، فهذه الدّعاية يُكذِّبُها خضوعُه لقيود الأكوان كما يشير إلى ذلك تعلّقه الخاص بالحياة الدّنيا ويُكذّبُها أيضًا إنكارُه لمبدأِ الدّين الذي يوحِّد كلّ الرّسالاتِ. وبإنكارِه هذا يناقضُ ما أكّده الأولياء فضلاً عن الأنبياء والرّسلِ. وهنا وفي حدودِ فِكرِ Krishnamurti بصمة المنبع الغربي الحديثِ الذي صنعه على صورته كما يشهد لذلك أيضًا السّهولةُ التي تُطبع كُتبه وتُنشر في كلّ ساحات الكتب.

وأخيرًا إنّ صلةَ ما ذكرناه في الأمثلة الثلاثةِ بالنفوذ البريطاني يعني صلةً بالنفوذ اليهودي الشّاملِ. وللإشارة فقط ولمن أراد أن يطّلع على تفاصيل المراجع اليهودية حول دور اليهود في العالم الحديث عليه أن يلجأ إلى شبكة التواصل حيث تُذاع الأعمالُ الجامعيةُ للباحث Pierre Hillard. فهي مهمّةٌ من حيث القيمة الوثائقية إلاّ أنّها تفتقرُ إلى مقاييسِ التحقيق الروحي والانحراف عنه. ما يُنقص من صحة تأويلاته
بقلم حمزة بن عيسى

خاتمة الحلقة الأولى

بهذا المدخل وضع المؤلف الأساس الأول لفهم « ثقافة الإمبراطورية » من خلال جذورها التاريخية الظاهرة والخفية.

لكن التاريخ وحده لا يفسر كل شيء؛ فبعد تتبع المسار السياسي والاقتصادي والتنظيمي، ينتقل المؤلف في الحلقة القادمة إلى مستوى آخر من التحليل: المقاييس الفكرية التي واكبت هذا التحول، وكيف تشكلت الرؤية التي جعلت الدافع المادي مركزًا في بناء العالم الحديث.

من سلسلة: الثقافة الإمبراطورية
إعداد للنشر: عيسى محمدي.
النص الأصلي: حمزة بن عيسى
يتبع في الحلقة الثانية:
المقاييس الفكرية لثقافة الإمبراطورية

You may also like

error: Content is protected !!
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00