الحداثة من حيث الاشتقاق، تنحدر كلمة «الحداثة» من اللاتينية modernus وmodus، ومعناهما على التوالي «حديث العهد» و«المقياس». وعليه فإن لفظ «حديث» يحيل إلى «المقياس الراهن» أو «الآني» أو «الآن». وهكذا تغدو الحداثة، بوصفها خيارًا وجوديًا، نزوعًا إلى تحفيز التغيّر والصيرورة لذاتهما، وجعل التحوّل غاية قائمة بنفسها. وهو ما يستلزم حالة دائمة من القطيعة مع الماضي، ويلازمها من جهة أخرى مناخ من الإباحة يُشرعن ويُضفي المشروعية على كل أمر واقع، ما دام قد تحقق وفرض نفسه بوصفه «معطًى جديدًا». فنكون بإزاء تعاقب غير متناهٍ من الوقائع، تختلط دلالتها بأفول الحدث السابق أمام اللاحق، ثم يتكرر المشهد بلا نهاية.
غير أنّ من احتفظ بقدر من البصيرة يدرك أن في منطق «الجديد لأجل الجديد» كل العناصر الدلالية للاغتراب؛ إذ إن أصل الكلمة اللاتيني alienare يعني «أن يُجعل المرء غير ذاته»، وأن يُفصل عن طبيعته ويُعادِيها. ومن ثمّ تقوم مواءمة لافتة بين تمجيد الصيرورة في ذاتها كما تحتفي بها الحداثة، وبين الاغتراب بما ينطوي عليه من محو للشخصية. فهنا وهناك، وتحت تعبيرين مختلفين، الفكرة ذاتها: قطيعة مع قطب أصيل، وانجراف وجودي بلا مرسى.
ومهما يكن، فإن الحداثة، بوصفها ظاهرة غربية المنشأ تاريخيًا، إذ وُلدت في أوروبا أواخر العصور الوسطى، قد كرّست انفصالًا عن «حضارة الكينونة» التي حملتها وأعلت شأنها كل التقاليد الميتافيزيقية والدينية، لتُقيم مقامها «حضارة الصيرورة» المتروكة لذاتها. وبدل التعالي نصّبت اليوتوبيا؛ أي المشروع الإنساني المحض الذي لا يحدّد لوجود الإنسان في الكون غاية سوى استثمار الطبيعة لإشباع نزعاته الغريزية الدنيا. ومن خلال هذه اليوتوبيا تحمل الحداثة في أحشائها بذور دولة يتسيّد فيها الأنانية والاندفاع الفطري.
وعبر توظيف الدافع المادي في المجتمع والتاريخ، أفرزت الحداثة سلسلة من القطيعات صنّفها علم الاجتماع السياسي إلى مطلقية، وليبرالية، وشيوعية، واشتراكية قومية، وديمقراطية… إلى غير ذلك. فما تصنّفه قِصَرُ النظر الفكري، تبعًا للمزاج، «تقدمًا» أو «حادثًا» أو «شذوذًا»، ليس في الحقيقة إلا تجليات متعاقبة أو متزامنة لمراحل سقوط واحد في الهاوية. ذلك أن قلة من الناس ما زالت قادرة على تمزيق سراب التبرير التقني–الصناعي بوصفه حجة وسلطانًا؛ وهؤلاء يرون أن الحداثة قد حوّلت الإنسان الذي زعمت خدمته نظريًا إلى حالة من العبودية لم يعرف التاريخ لها مثيلًا من حيث الثقل الوجودي والامتداد العددي.
هنا يُخلَع الإنسان من مقامه الطبيعي بوصفه خلاصة جامعة للكون، ليُختزل إلى ترس صغير في آلة «الإنتاج–الاستهلاك» وعبادة الناتج القومي. إن علم النفس الاجتماعي للعمل – أو بالأحرى توظيفه المعكوس منهجيًا – يشكّل الدعامة الأساسية لهذا الإخضاع للآلة، ولهذا المحو للشخصية، وتحويل العمل إلى ضرب من الإدانة الدائمة. فبعد أن يُجرَّد الإنسان من كينونته ويُنزَل إلى مرتبة العبد، سرعان ما يغدو في المجتمع الصناعي فريسة لغرائزه؛ تستثمرها التايلورية في المصنع، وتلتقطها الدعاية خارجه، لتعيد بثّها في صورة «حاجات معيارية» توصف بأنها «ضرورية». وهكذا تكتمل الدائرة، لتدوم عبودية مذهّبة.
وفي هذا المناخ الثقافي المَرَضي تنبت وقائع أشد خطرًا وأدق مكرًا من تلك الصارخة التي أشرنا إليها. والمقصود خاصة تلك الإباحة التي تُقنّن وتُمجّد أي أمر واقع بوصفه «تعبيرًا عن الحرية» أو «عن الشخصية»، لمجرد أنه وقع أو لأنه حاز تزكية رأي عام مُصنَّع سلفًا؛ بينما الأمر في حقيقته انبثاق مبهج لنزعات جهنمية غايتها تفكيك الإنسان عبر ربطه بما فيه من أرضيٍّ مظلم ونزوع شيطاني.
ومن خلال هذه المعطيات الموجزة يتبدّى الترابط بين الحداثة والاغتراب، كما أشرنا منذ البدء، بوصفه من طبيعة الأشياء ذاتها. ولا يبدو ذلك ضربًا من الهرطقة إلا لمن لا يرى بديلًا عن الخضوع لحتمية الوقائع كما بشّرت بها الهيغلية. ذلك أن المسبقة القائلة إن «تحرر الإنسان رهين بالتقدم العلمي والتقني» تُحدث سُكرًا جماعيًا، لا يجرؤ على مناقضته إلا قلة تؤكد أن «التقدم العلمي والتقني» إذا انفصل عن أي مبدأ متعالٍ، فإنه يسحق الإنسان ولا يحرره. وهكذا تغدو الحضارة الحديثة ذات دلالة غرقٍ وجوديٍّ هائل.
ينبغي، عند صياغة هذا التشخيص، استبعاد كل من لم يدرك المأزق أو الهاوية التي دفعت الحداثةُ الإنسانَ إليها إلا إدراكًا غائمًا مرتبكًا، فعجز تبعًا لذلك عن استنباط ما يترتب منطقيًا من نتائج حاسمة. بل نضيف أن أولئك الذين حوّلوا إخفاقهم الوجودي إلى نجاح أدبي أو فلسفي، إنما يؤدّون دور الكابح أمام تبلور وعي سليم بطبيعة الأزمة. فهم في المحصلة وكلاء للحداثة، سواء تجلّت فيهم في صورة نضالٍ مستهلك، أو تشاؤمٍ شامل، أو رواقيةٍ مترددة، أو حتى في الفعل الأخير لانحلال الذات. وكلها أعراض مرضية لعالمٍ منتشٍ بالتقنية، لكنه متداعٍ في أعماقه، يمدّ «علم الضحايا» بأمثلة سريرية لا تنضب.
ويقابل هذا التشخيصَ وعيٌ أولمبيّ، أو «فردوسيّ»، تحمله التعاليم الميتافيزيقية والدينية. من امتلك هذا الصفاء تعالَى بعلوّه عن كل النتوءات والمستنقعات التي يتخبط فيها اليوم ضفادع الفكر. إن هذه البصيرة العليا تفتح الإنسان على «ما هو كائن» بمعزل عن كل تعاقب زمني. ومن ثمّ، واعتبارًا لمنهج البحث، ستكون «التقليد» – بوصفه الرابطة المصونة بين الإلهي والإنساني – دليلنا ومحورنا المرجعي في الدراسة التالية، لفكّ أسطورة صخب العالم الحديث، والإسهام قدر المستطاع في إيقاظ الإنسان إلى وعي إمكاناته العليا.
ومن منظور تقليدي، تمثل الحداثة طور «آخر الزمان»، بل مرحلته الأشد انحطاطًا. وليس من قبيل المصادفة إذن أن نشهد سيادة اللامعيارية وانحلال كل ما له دعوى مشروعة في صورة أو نظام، أيًّا كان المجال. فظاهريًا على الأقل، تتهاوى سدود المقاومة واحدًا تلو الآخر تحت ضغط الغازي الدنس. لقد فقدت الحدود وظيفتها الوقائية، وغدت مجرد مصفاة، أو وهم عائق يُجتاز في لمح البصر. ويكاد الفوضى اليوم أن يكون ظاهرة كوكبية، عمّمها الوسيط التقني على النوع الإنساني بأسره.
ومع ذلك، لا نتجاهل الاعتراض الشائع الذي يخلط بين «التقليد» والشذوذ، كلما كشف التقليد عن النزعة الاغترابية الكامنة في كل نزعة إنسانوية مكتفية بذاتها. ويبدو هذا الاعتراض أكثر إقناعًا لحامليه بقدر ما كانت آفاقهم الذهنية، المستعبَدة لمنطق الصيرورة، لا تعترف بالقيمة إلا للأفكار التي انتصرت، ولو كانت أفكارًا آثمة. فإذا ما فُرض عليهم واقع باعتباره «روح التاريخ»، لم يفعلوا سوى إضفاء المشروعية على انحدار قائم.
أما في منظور كل تقليد أصيل، فإن عالمنا – بوصفه كونًا – هو المسرح الطبيعي والحتمي لصراعٍ بين قوى علوية سماوية وقوى سفلية أرضية، بين أنوارٍ رافعة وظلماتٍ جاذبة. وكل واقعة ليست إلا محصلة هذا التوازن أو الاختلال في القوى. فغلبة القوى النورانية تمنح الحدث معنًى ساميًا، بينما تفوّق القوى المضادة يهبُه معنًى منحطًا. وكذلك التاريخ، وهو أحد ميادين هذا الصراع في عالمنا، يمكن أن يحمل معنًى أسمى أو أدنى، بحسب خضوع مساراته لروح التقليد أو لروح مناهضته.
وعلى ضوء هذه المعطيات، تنحلّ عبادة التاريخ التي مجّدها القرنان التاسع عشر والعشرون من تلقاء نفسها. فالتاريخ – باعتباره مجالًا جزئيًا ضمن مجالات الصيرورة الكونية – ليس له أن يتربّع على عرش الألوهية الزائفة الذي نصّبه له قصور النظر العقلي. بل ينبغي أن يعود إلى مرتبته الحقيقية: واقع نسبي، وحقيقة نسبية. ومن هذا المنطلق، فإن ما فكّكه هيغل، بسلبية تنظيرية، ثم ماركس، بحركية موهومة، بوصفه «معنى التاريخ»، ليس إلا تقنينًا متأخرًا أو استباقيًا لأقسى أشكال العبودية التي عرفتها الإنسانية.
أما الاتهام الساذج بـ«العداء للتاريخ»، فنجيب عنه بأن التقليد، بوصفه رمزًا لما فوق العالم، لا يرفض من حيث المبدأ وسائل المرحلة الدورية التي نحياها. بل تتمثل مهمته في السهر على أن تتطور إمكانات هذه الدورة وفق روحه، بحيث تكون الوسيلة سندًا لتجلّي شخصية الإنسان وتحقيقه الروحي، لا أداة خنق في خدمة قوى لا عقلانية وما دون عقلانية بات الإنسان اليوم فريستها. وإذا تعذّر ظرفيًا التأثير المباشر في مجرى الأحداث، يبقى دور التقليد التذكير بالمبادئ الروحية وتثبيتها، في وجه العواصف، مدركًا أن الحقيقة لا تتماهى بالضرورة مع كل انتصار عابر.
وأخيرًا، فإن هذه الدراسة تعكس العناصر الجوهرية للأساس العقدي الذي بموجبه لا يمكن لأي تقليد ميتافيزيقي أو ديني أن يكون «رأسماليًا» أو «اشتراكيًا»؛ لأن الدافع الروحي هو الأصل في الفعل الذي يستمد منه مشروعيته، لا الدافع المادي.
بقلم حمزة بن عيسى

1 comment
لاشك ان من مفرزات الحداثة بهذا المعنى الذي فككته لا تكون نتيجته الا الاغتراب اغتراب الانسان عن عن ذاته التي كانت تتجلى بمقولات دينية وروحية تعطيه حده الذي يعرف به وان يحل محله حد جديد ..ستعمل ما يسمى علوم الانسان على صياغته وهو ما يفسر لنا تلك النظريات التي تشيء النفس والعلاقات الاحتماعية ووحتى الماضي وليس غريبا ان يكون انسان الحداثة مجرد حيوان حي جوهره الغرائز والميول. حيث ان التصور المادي القائم على تشيئه .سيعطي ذرايع مريحة نفسيا. لكل ذالك التوحش والاستغلال الذي مارسه الاستعمار على قارات وشعوب باكملها