القطيعة الأنطولوجية هي كلُّ فعلٍ يبتُر الإنسان عن المبدأ الأسمى الذي يُولِّد الخلق ويهيمن عليه في آنٍ معًا. هي لحظ انفصالٍ عن المنبع، وانخلاعٍ عن العلّة الأولى، كأنّ الوعي يعلن تمرّده على أصله، فيغدو قائمًا بذاته ظاهراً، وهو في الحقيقة ظلٌّ فقد شمسَه.
وفي الحالة الخاصة بالحضارة الغربية، تتجسّد هذه القطيعة في درجاتٍ متعاقبة من الانحدار العقلي، في مسارٍ طويل من تراجع البصيرة: من العداء الذي أضمره الهيلينيون لأهل أورشليم، إلى إدانة مبدأ التلقّي الروحي في أواخر العصور الوسطى، مرورًا بإضفاء الصيغة الرسمية على عقيدة التثليث في مجمع نيقية في القرن الرابع للميلاد. إنها سلسلة حلقات، كلّ حلقةٍ منها تبتعد خطوةً أخرى عن المركز، وتُمعن في تغريب العقل عن منبعه الميتافيزيقي.
وبالتلازم، وعلى المدى البعيد، فإن هذا التعتيم الذي أصاب فكرة المسيحية في الوعي الغربي قد أفسح المجال لبروز الروح المناهضة للتقليد وتجليها؛ وهي روحٌ تقوم منطقيتها على اغتصاب الأسبقية التي تعود في الأصل إلى الكينونة، لإسنادها على نحو غير مشروع إلى الصيرورة.
ولفهم المقصود فهمًا سليمًا، يكفي أن نُبيّن بإيجاز ما يفصل بين مفهوم الكينونة ومفهوم الصيرورة، وأن نُظهر بذلك العلاقة الهرمية التي تربط بينهما بالضرورة.
في منظور كل تقليدٍ أصيل منتظم، تتأسس أسبقية الكينونة على الصيرورة في تعالي الأولى وثباتها إزاء نسبية الثانية وتقلبها. فالكيان يُعرَّف بصفاته، أي بخصائص لا تقبل الزيادة والنقصان، بخلاف ما يعتري الصيرورة من تغيّر وتدرّج.
وبالنسبة إلى الحالة الإنسانية بوصفها حدًّا مرجعيًا، فإن مفهوم الكينونة يحيل إلى الشخصيّة، بالمعنى الميتافيزيقي والتقليدي، لا بالمعنى النفسي والفردي الذي حصرتها فيه الحداثة. فمن جهة المبدأ، تمثّل الشخصيّة الأساس الروحي الذي يربط جميع أحوال العالم الواحد، بل ويربط بين جميع العوالم الممكنة. ومن ثمّ، وبحكم اتصالها بمبدأ الكينونة، تغدو الشخصيّة مرادفةً للثبات، بل للدوام الذي لا يتبدّل.
وهذا الثبات بعينه هو ما تسعى كلُّ تقليدٍ ميتافيزيقي وديني إلى صونه عبر تقلبات الصيرورة، وذلك بإخضاع ما في الحالة الإنسانية من اضطرابٍ ونزوعٍ فوضويّ إلى ما فيها من عنصرٍ علويٍّ خالدٍ غير قابلٍ للاندثار.
ومن جهة التجلّي، تعبّر الشخصيّة عن مقدار ما يعكسه كلُّ إنسانٍ من الصفات الإلهية، بحسب استعداده للتأمل أو للفعل. وفي صورتها المكتملة، تجسّد الشخصيّة فعل الغلبة والسيادة الذي به تُحوِّل الصفات المتعالية النزعةَ الأنانية والاندفاعات الغريزية الكامنة في الإنسان، وترتقي بها، حفظًا للنظام الإلهي في الذات، وفي الجماعة، وفي الكون بأسره.
إن منطق سيادة الأعلى على الأدنى، الذي يُدعى كلُّ إنسان إلى تحقيقه في ذاته ضمن إطار التقليد، يشكّل الأساس الذي تقوم عليه التهيئة الكهنوتية والملكية، وكذلك التهيئة في الحِرَف. وهي مسالك وطرائق عملية تُمكِّن الكائن البشري، بحسب قابلياته، من أن يعبّر عن ذاته وأن يحقّقها في آنٍ واحد على الصعيد الباطني.
وهنا تتجاوز إرادة السيطرة على الصيرورة وإخضاعها – بدل الارتهان لها – حدود الاستقرار الاجتماعي والتاريخي الذي يقف عنده نظر العامة، لتمتد صعودًا نحو الحالة التي حدّدت الميلاد في الوضع الإنساني، وامتدادًا نزولًا نحو الحالة التي تؤول إليها الوفاة ضمن هذا الوضع نفسه. وهكذا تنتقل الفضائل العملية النافعة والمثبِّتة للطقوس، في مواجهة الاغتراب الذي تغذّيه الصيرورة المنفلتة، إلى مستوى أرفع ميتافيزيقيًا، من خلال تحصيل حالة الكمال الإنساني، عاجلًا أو آجلًا، بل ومن خلال نيل حالات متعالية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الامتناع عن ممارسة الطقوس، بدافع اللامبالاة أو العداء، واستبدالها باحتفالات مدنية، يترك الصيرورة لذاتها، ويعرّض الفرد للاختلال، والجماعة للفوضى، والكون للاضطراب، فضلًا عمّا يترتب على ذلك من أثرٍ في الحال اللاحق للموت لدى من يتحمّلون تبعات هذا الانحراف. وهي عواقب تعتبرها جميع التقاليد احتمالاتٍ مخيفة جديرة بالحذر والخشية.
تكشف هذه المعطيات، بالمقابلة، عن النزعة الاغترابية الملازمة للصيرورة حين تُترك لنفسها، وهي النزعة التي تشكّل الأساس العميق للحداثة. فالتلازم الوثيق بين الحداثة والاغتراب مردّه إلى الأسبقية غير المشروعة التي تُمنح للصيرورة، وإلى الفهم المنحطّ ذي الطابع النفسي الذي يُلحق بمفهوم الشخصيّة. فعندما تُرفع الصيرورة إلى مرتبة الغاية في ذاتها، يُدان الإنسان إلى الخضوع الدائم لوقائعها المفروضة.
أما الشخصيّة في معناها الحديث، فهي مفهوم مبتور وخطر في آن. هي مبتورة لأن الإنسان يُفصل، من علُ، عن بُعده الروحي الثابت غير القابل للفناء، لتُختزل شخصيّته في البنية العضوية-الحيوية التي تنتقل عبرها خصائص النوع الجسدية إلى الأفراد، وفي الإرث النفسي الجمعي-السلالي، وفي التجربة الفردية المتراكمة من الميلاد إلى الموت.
وهي خطِرة لأن إنكار أساسها الأعلى يُوجّه الفرد تلقائيًا نحو الأسفل، فيجعله عرضة لإرث جمعي-سلالي منحطّ ومؤذٍ، بل ويفتحه لتأثيراتٍ أدنى، ذات طبيعة حيوانية أو جحيمية. وهذا هو الهوّة الوجودية التي تغذّي ما يُمجَّد اليوم باسم “الأصالة” بوصفها العلامة الأصدق على الشخصيّة، بينما هي في حقيقتها انقلابٌ مرضيٌّ عليها، يفضي – عند الحدّ – إلى تفكك الإنسان عن نوعه نفسه.
ومن هذه الهوّة تنبثق تلك الظلال المهووسة المعلّقة فوق هاويتها، تُسقِطها أحيانًا على قماش لوحة، أو في قصيدة، أو في رواية، إن لم تكن أشباحًا تائهة تحوم على تخوم المصحّات العقلية.
مهما يكن من أمر، فإن الآثار الملازمة للصيرورة المنفلتة، وللخلط بين الشخصيّة وانحطاطها المرضي، قد غدت منذ زمنٍ طويل مشهودة في الغرب. غير أن تعميمها على نطاق البشرية يتسارع اليوم بقدر ما يتوسع النموذج الوجودي الغربي ويتمدّد.
وتتجلى هذه النتائج في أقنعةٍ شتى، متباينة حدَّ التناقض: كأسطورة «التقدّم»، وادّعاء «اللاامتثال»، و«الابتذال المُعلَن» بوصفه فضيلة، وذاك النقاب الفلسفي لنقابية «حقوق الإنسان» حين تُختزل في حقّ المرء في أن يكون عبدًا لغرائزه… إلى غير ذلك من الشعارات التي تُزيَّن بها الهشاشة وتُسوَّق بها الفوضى.
ونكتفي عند هذا الحد بهذه الإشارات، راجين أن تكون قد أبانت بقدرٍ كافٍ عن الصدع الذي يفصل بين حضارةٍ قوامها الكينونة، وحضارةٍ لا تعترف إلا بالصيرورة.
بقلم حمزة بن عيسى
