تُعدّ نزعة الانسنة الأساس التكويني وأولى تجليات الإنسان الحديث في آنٍ واحد. فهي قرينةُ إرثٍ روحيٍّ مُثقلٍ بالفراغ وعلامةُ انحدارٍ في المقام العقليّ. وكونُها قد رُفعت اليوم إلى مصافّ القيمة المعيارية إنما هو ثمرةُ اختلاط الحقول واختلال الحدود الذي استقرّ في الفكر الغربي منذ قرابة ستة قرون. إذ لو أمعنّا النظر لوجدنا أن النزعة الإنسانية ليست إلا صورةً مقلوبةً عن المعيار الحقّ. فهي، وقد اتخذت موقع البديل بعد انحسار القيم المسيحية في أوروبا، صادقت على القطيعة مع كلّ تعالٍ، وأحلّت قدرات الإنسان محلّ المطلق، فجعلتها المقياس الأوحد للواقع ولمعنى الوجود.
ولتبرير هذا المنحى، استعاد الإنسانيون جميعًا الحكمة اليونانية القائلة إن «الإنسان مقياس كلّ شيء» كما فهمها عصر بركليس. ولم يكن هذا الادعاء ممكنًا لولا الوشائج العميقة التي تربط إنسانية النهضة بذهنية اليونان الكلاسيكية؛ ففي السياقين معًا اشتغل الانحدار العقلي ذاته. ففي أثينا البركليسية كان الإنسان قد هبط منذ أمد بعيد من عليائه الأولمبية التي منحته في اليونان العتيقة مقام «مقياس الكلّ»، ليغدو أداةً وضيعةً لحواسه الغليظة ونزواته. ومن ثمّ، فإن عبارة «الإنسان مقياس كلّ شيء» على لسان بروتاغوراس لا تعدو أن تكون سفسطةً: حقيقةً أصليةً منزوعةً عن جوهرها، مقلوبةَ الدلالة. وهنا يبدأ انقلابُ الأقطاب، حيث تُعلَن سيادة «حقائق الأسفل» على «حقائق الأعلى».
وتحت ستار التحرير والإنقاذ، ارتكبت النهضة الأوروبية الفعل ذاته من التقويض، إذ تخلّت عن المقام الآدمي الذي به خوّلت التقاليد الإبراهيمية الإنسانَ صفةَ «خليفة الله في الأرض»، ومنها استمدّ أهليته ليكون «مقياسًا لكلّ شيء». وبفصل الإنسان عن قطبه الروحيّ السماوي، أعادت النهضة توجيهه نحو قطبه الأرضيّ النفسي، حيث تتصدّر العقلَ البرهاني، والعاطفة، والنزعة الطبيعانية؛ وهي الأبعاد التي يلزم استحضارها بإيجاز لفهم جوهر المسألة.
العقل هو القوّة التي تتوّج قمّة الفردية الإنسانية، وفيها يعكس مبدئه المتعالي: العقل الكلّي (العقل). ومن هذا المنظور يحتلّ مركز الفكر، إذ ينسّق بين الملاحظة والخيال والذاكرة والشعور، ويغدو المحرّك الأساس لما يُسمّى اليوم نظريةً وتطبيقًا. غير أنّه، بوصفه ملكةً استدلاليةً تقوم على التقطيع والفصل، يصطدم بحدّه التجريبيّ المتمثّل في العالم المحسوس، رمزُه الثنائيّة الكونية «الزمان–المكان». ولذا، حين يبلغ العقلُ تخومه القصوى، يتجلّى – علميًّا وفلسفيًّا – مسارًا غير مكتمل، لا يعبّر عن معنى العالم إلا عبر تقريبات لا تنتهي، رجعيةً كانت أم استشرافية.
وحين يُفصل العقل في السياق الإنساني عن مبدئه المتعالي، يفقد بداهةً قيمته كمرآةٍ للكليّ في الطبيعة، وينحدر إلى ضربٍ من الجدل العقيم، مشفوعٍ بوهم الاكتفاء الذاتي. ويظهر ذلك في رفضه للرمزية التقليدية بوصفها مفتاحًا لمعنى العالم، وفي ادعائه القدرة على إضاءته انطلاقًا من البحث الفيزيائي والنفسي وحده، وهما المجالان الوحيدان المتاحان له. وفي أحسن أحواله، تختزل العقلانيةُ الدينَ في أثرٍ موروثٍ لازمٍ للنظام والأمن، بل قد تنتهي إلى ربوبيةٍ فلسفيةٍ باهتةٍ لا ترى في المبدأ الإلهي سوى تجريدٍ نظريّ، حيث كان الأجدر بها أن تعترف بعجزها عن هداية الإنسان إلى الله.
وإذ تعجز العقلانية عن إدراك العطب الكامن في بنيتها، فإنها تُسقطه خارجًا في صورة «إقصاء» الله عن خلقٍ تعترف له نظريًّا بأبوّته، وتحاول أن تسدّ الفراغ الروحيّ والتأويليّ الذي تولّد عن ذلك ببناءاتٍ فلسفيةٍ تستند إلى التجربة المختبرية. غير أنّ العقلانية، عند بلوغ حدودها القصوى، لا تنير الإنسان إلا عبر تقريباتٍ ما تلبث التجربة أن تنقضها كليًّا أو جزئيًّا. وهنا يجد العقل نفسه مضطرًّا إلى التنازل عن امتيازاته الطبيعية، ليغدو أداةً في يد الجانب الوجدانيّ المعتم من الإنسان.
إنّ «الصيرورة لذاتها» تمثّل المسلك الطوطميّ الذي يختصّ بكلّ من عجز – لسببٍ من الأسباب – عن تحويل قدره الإنسانيّ إلى مقامٍ متسامٍ، بل انتهى به الأمر إلى فقدان كرامة الحال البشريّ ذاتها. فالنزوع الصيروريّ، في جميع صوره، إنما يكرّس الإخفاق الوجوديّ. وفي هذا الأفق تتحدّث تقاليد الشرق الأقصى عن «تيّار الأشكال»، ويعبّر الهندوس عن المعنى ذاته بتمييزهم بين «طريق الأسلاف» (بيتري يانا) و«طريق الآلهة» (ديفا يانا). وعند الحكماء السابقين لسقراط، كما في أقوال هيراقليطس، يتردّد صدى المعطى التقليديّ نفسه في عبارته الشهيرة: «لا ينزل المرء النهر ذاته مرّتين» – أي نهر الوجود المتقلّب. أمّا في الصيغ الإبراهيمية للتقليد، كالإسلام، فإن هذا الانسياق المنفلت مع الصيرورة يُحال إلى الجحيم التي يصفها القرآن بأنها دائمةٌ في مكثها، بالغةٌ في سوءها.
ومن ثمّ، فليس من قبيل المصادفة أن يُتوَّج «الصيرورويّ» أو «التقدّميّ» – بما يحمله من انحدار – قيمةً معياريةً في العالم الحديث؛ إنها علامةٌ من علامات الأزمنة. فالصيرورة، حين تُتّخذ معنىً للعالم، ليست في أوروبا إلا ثمرة قطيعةٍ أنطولوجيةٍ وروحيةٍ عزلت عالمنا – ماضيًا ومستقبلًا – عن كليّة الوجود، وسلبته «لماذا» و«لأيّ غاية». أمّا أسطورة التقدّم، وهي التجسيد الحديث للصيرورة الدائمة، فترتكز على سذاجة الإيمان بمستقبلٍ حتميّ التفاؤل للجميع بلا استثناء. غير أنّ نزعتها المناهضة للروح لا تُكشف للعيان بادئ الأمر، لأسبابٍ تكتيكية. بل كثيرًا ما تُعرَض هذه الأسطورة على أنّها التعبير الأصدق عن الإيمان الدينيّ الحقّ.
في الدائرة البروتستانتية، حيث تلاشت غاية «الآخرة» واقعًا ثمّ تشريعًا، ظلّ الدافع المادّيّ للفعل يُفسَّر – في مرحلةٍ أولى – بوصفه تجلّيًا خاصًّا لنداء الله الذي يحدّد لكلّ إنسان موقعه في العالم. وعلى صعيد الأفكار، أتاحت نسبيّة القيم – بوصفها الأفق الأقصى للبحث – لأسطورة التقدّم أن تزرع «التسامح»، أي اللامبالاة بحقيقة الأشياء في أصلها. ومع انحسار القيم الروحية، واستيلاء النزعات الإنسانية على المؤسّسات الموكولة بحفظها، فرضت الطبيعيّة – وهي التبرير الفلسفيّ لأسطورة التقدّم – نفسها رؤيةً شاملةً للعالم.
وفي البيئة التطهّرية، تجلّت هذه النزعة مع جون لوك، الذي رأى الإنسان حصيلةً خالصةً لبيئته. ثمّ تضخّمت وتنسّقت مع التيار الموسوعيّ، الذي اتخذ من العلوم الطبيعية ترسانةً لإقصاء القيم الدينية وتدعيم أسطورة التقدّم. وهكذا جرى توظيف معطيات علم الآثار والجيولوجيا وعلم المستحاثات توظيفًا مفرطًا، موجّهًا ضدّ المعطى التقليديّ.
ومن دلائل هذا المزاج الفكريّ أنّ إسقاط السُّلّم الزمنيّ، الذي وُضع في علم الآثار، على الجيولوجيا وعلم المستحاثات، أفضى إلى نتيجتين: قُبلت إحداهما لأنها تناقض المعطيات التقليدية، ورُفضت الأخرى لأنها، على العكس، تؤيّدها.
الخلاصة الأولى تمثّلت في إسناد عمرٍ للأرض يبلغ ثمانين ألف سنة، وهو معطى تجريبيّ يناقض الرواية التوراتية التي تجعل خلق العالم سابقًا بستة آلاف عام. ومن هذا التعارض استخلص الذهن المناهض للتقليد حكمًا متعجّلًا مفاده أنّ الكتب المقدّسة ليست سوى نسيجٍ من الأساطير، من غير أن يكلّف نفسه عناء تمحيص حججه أو اختبار وجاهتها. ذلك أنّ هذا التباين – على فرض ثبوته – يظلّ مسألةً ثانوية، ما دام الرقم التوراتي لا يتعلّق بالعمر الفيزيائيّ للأرض، بل ببداية التقليد الإبراهيميّ. فكلّ تقليدٍ منتظم، منذ لحظة تأسيسه، يضطلع بدور «الأصل النسبيّ» أو صورة الأصل البدئيّ الأعظم، إذ يأتي ليجبر خللًا كونيًّا ويجدّد عالمه. وبهذا المعنى وحده يُفهم تحديدُ الكتاب المقدّس لستة آلاف سنة؛ إنّه تأريخٌ لبداية دورةٍ روحيّة، لا لولادة الكوكب في معناه الجيولوجيّ.
أمّا النتيجة الثانية المستخلَصة من الدراسات الجيولوجية وعلم المستحاثات، فتشير إلى زمنٍ يتسارع إيقاعه تدريجيًّا، وإلى ثبات الأنواع أو استقرارها. ويُستأنس لهذا من تناقص سماكة الطبقات الأرضية كلّما ارتقينا من الأعماق إلى السطح، ومن الانقطاعات الواضحة بين العوالم المتعاقبة، بل حتى بين أنواع العالم الواحد. وهذه المعطيات، في جوهرها، تسند الرؤية التقليدية لزمنٍ دوريٍّ يتعاظم تسارعه، يظهر فيه عالمٌ، وينمو، ثمّ ينطوي في كارثةٍ جامعة، قبل أن يتجلّى من جديد في صورةٍ أخرى.
غير أنّ العقلانية ترفض هذا التصوّر لأنه ينسف الفكرة المجرّدة لزمنٍ خطّيٍّ متجانس، لا وجود له في الواقع الملموس، لكنه يشكّل الأساس الخفيّ لأسطورة التطوّر. وترفضه أيضًا لأن أفق الكارثة الختامية الذي يحمله – وهو الخاتمة المنطقية لكلّ تجلٍّ كونيّ – يناقض التفاؤل الساذج الذي تروّجه أسطورة التقدّم؛ لا بوصفه يقينًا عقليًّا راسخًا، بل أقرب إلى مُسكّنٍ نفسيٍّ يخفّف وطأة مخاوف دفينة.
ومهما يكن، فإنّ الطبيعانيّة، عبر بوّابة أسطورة التقدّم، تجاوزت طورًا آخر من أطوار الشذوذ، حين جعلت إدراك الواقع رهينًا بحصريّة الزمن. فتوَهَّمت أنّ تعاقب العوالم دليلٌ على أنّ العالم يُبنى من الأبسط إلى الأعقد. وهذه الرؤية التي تجعل البناء ينبثق من الأسفل، أفضت إلى انقلابٍ فكريٍّ يشتقّ الحضارة من الهمجية، ويستخرج الدين من الغرائز. وهنا جرى توظيف العلوم المقارنة لإضفاء المشروعية على النظرية التطوّرية، ومن ثمّ لتبرير منظومةٍ من التصوّرات كشفت – نظريًّا وعمليًّا – الوجه الحيوانيّ والرؤيويّ الكارثيّ لصيرورةٍ منفلتةٍ اتُّخذت غايةً في ذاتها...
بقلم حمزة بن عيسى
