الفصل بين
النّظر والكشف
حمزة بن عيسى
قال الشيخ محي الدّين ابن عربي (ر) في الفتوحات (الفصل I- باب 15) حاكٍ عن اجتماعِه بأبي الوليد ابنِ رشد بقرطبة وقال » كان يرغبُ في لِقائي لمّا سمِع وبلغَه ما فتحَ اللّهُ به عليَّ وقال لِي: نعم؟ قُلتُ له نعم ! فزادَ فرحُه بِي لِفهمِي عنه. ثمّ إنّي استشْعرتُ بما أفرحَهُ في ذلك فقلتُ له لاَ. فانقَبَض وتغيّرَ لونُه وشكَّ فيما عنده وقال: كيف وجَدتُم الأمرَ في الكشفِ والفيضِ الإلاَهِي هل هو ما أعطاه لنَا النّظر؟ قلْتُ له: نعم لا – وبين نعم ولا تطيرُ الأرواحُ من موادِها والأعناقُ من أجسادِها. فاصفَرَّ لونُه … وقعدَ يحوقِلُ وعرفَ ما أشرتُ به إليهِ وهو عينُ هذه المسألةِ التي ذكرها هذا القطبُ الإمامُ أعني مداوى الكلومِ وطلبَ بعد ذلك من أبي الاجتماعَ بِنا لِيعرضَ ما عنده علينا هل هو يُوافق أو يخالفُ؟ فإنّه كان منْ أربابِ الفكرِ والنّظرِ العقلي فشكر الله تعالى أن كان في زمنٍ رأى فيه من دخل خُلوَتَه جاهِلاً وخرج مثل هذا الخروج من غير درسٍ ولا بحثٍ ولا مطالعةٍ ولا قِراءةٍ. وقال هذه حالةٌ أثبتْناها وما رأينا لها أربابًا والحمد للّه الذّي أنا في زمانٍ فيه واحدٌ من أربابِها الفاتحين مغالقَ أبوابها والحمد للّه الذي خصّنِي برؤيتِه … »
قبل أن نشرَع في شرح هذا الاجتماعِ فشهادة الشيخ محي الدّين هذه تُفنّد وتكذّبُ شكوكَ المُستشْرِقين مثل L.Gauthier في إيمان ابن رشد. ما يجعل من كلّ ما كُتبَ ورُسِم في هذا الموضوع إلى حدِّ الآن طيّاتٍ من التضليل الإعلامي والثقافي خدمةً للهيمنة الغربية الحالية.
أمّا الأبعادُ التي يتمَحْوَرُ حولها هذا الاجتماع فهي أبعادٌ فكريةٌ من جهةٍ وأبعادٌ روحيةٌ من جهةٍ أخرى. إنّ هذا الحوار القصير في مفرداته وشكلِه والعميقَ في مغزاه يطرح إشكاليةَ العلاقةِ بين العقل النّظري الاستدلالي والإيمانِ أهي علاقة مساواةٍ كما يشير إلى ذلك قول ابن رشد؟ أم بالعكس فالعلاقة بينهما علاقة رتبةٍ تجعل بالضّرورة أحدَهما فوق مرتبةِ الآخر كما يشير إلى ذلك جواب الشيخ محي الدّين (ر)؟ وإكمالاً لِسياقِها تطرحُ نفسُ الإشكاليةِ السّؤالَ حول طبيعةِ العلاقةِ بين الفكرِ الفلسفي والوحِي الرّبّانِي. فعندما يقول الشيخ محي الدّين » نعم » فإقرارًا منه أنّ النّظرَ يوصلُ صاحبَه إلى بعض الحقائق. وعندما قرن » نعم بلاَ » فإقرارا منه أنّ ثمّة حقائقُ من وراءِ مبلَغِ النّظرِ ولا يُعايِنها إلاّ الكشفُ والإلهامُ.
وإنْ لمْ تردْ هذه الإشكاليةُ في خبرِ العهودِ القديمةِ لانْطِواءِ النّفوسِ والأجسادِ تحت سُلطانِ الرّوح. فالمشْهدُ يكتَسي طابِعًا مُعاكِسًا في أواخِرِ الطّورِ البشري حيث انحَجبَتْ القوّةُ الرّوحيةُ وصعِدَ حكمُ القِوى النّفسيةِ بادّعاءِ الكفاءةِ للفصلِ في سؤالِ معنى الوجودِ حتّى غرِق الإنسانُ في أهوالِ الجدالِ.
فبِسبَبِ هذا الضّعفِ الطّوري الذّي طرأ على وُجدانِ الإنسانِ وتكَيُّفًا لوضْعِه الجديدِ ميّزت الرّسالاتُ السّماويةُ الواردةُ في الفصلِ الأخيرِ من الطّورِ البشري ميّزت بين العلمِ المُكتسَبِ وبين العلمِ الموْهوبِ هذا سواءٌ في الهند أو في الصين أو في الفضاء السّامي (l’espace sémitique).
وعيّنت الرّسالاتُ في نفس الوقتِ الجِهازَ العصبيّ المركزيّ وسيّما الدِّماغَ مركزًا للعلمِ المُكتسبِ وجعلتْ من القلبِ وسيّما من لُبِّهِ مظهرًا للعلمِ الموهوبِ وللكشفِ وللوحيِ. وهكذا تقدّمت وظيفةُ الدّماغِ كأداةٍ بالامتِيازِ لعملِيات العقلِ النّظري الاستدلالي في الفهم والاعتبارِ مع مكانةٍ خاصّةٍ للسّمعِ والبصرِ. وبقي لُبُّ القلبِ في الخفأ على وظيفتِه القديمةِ المُعايِنةِ والمُظهِرةِ للحقائقِ الرّوحية من إيمانٍ ونبوّةٍ ومن رسالةٍ. نضيف كما سنراه أنّ لُبُّ القلبِ باقٍ على وصلٍ مع السّمعِ والبصرِ بحكم جمعِ القلبِ كلّ القوى النّفسيةِ والجوارحيّة.
إنّ التمييزَ الواردَ آنفًا بين العلمِ المكتسب وبين العلم الموهوبِ يعني تفوّقًا للإيمان والوحي على النّظرِ والخطابِ الفلسفي. ما يُعطي أنّ العقلَ النّظري لا يرقى إلى منزلةِ الكشفِ والفيض الإلاهي. ولإفْصاحِ أبعادِ المسألةِ وللفصل فيها لنا من جهةٍ أنْ نُدقِّقَ بعض الشيء العلاقة بين وظيفةِ النّظرِ والدّماغ قبل أنْ نُقدِّرَ الكيفيةَ التي يتمُّ بها النّظرُ عند الإنسانِ. ثمّ لنا من جهةٍ ثانيةٍ أن نرفعَ السِّتارَ على سرِّ الإيمانِ والوحيِ وعلى علاقاتِهما مع القلبِ في إدراكِ حقائق ما بعد الطبيعة. وكلّ المعطياتِ التي سنُورِدها تُفنِّدُ ما آلت إليه النّظرياتُ الحديثةُ في هذا الصّدد بِترتِيبها الإيمانَ والوحيَ في المقولاتِ النّفسية كالعاطفةِ وكالذّاكرة الجماعيةِ.
أمّا العلاقةُ العضويةُ بين النّظرِ والدّماغِ فراجِعةٌ إلى كونِ الجهازِ العصبيّ بوّابةَ عالِمَ الشّهادةِ إلى عالمِ البرزخِ الذّي يستَوْعبُ الظّواهرَ والبواطِنة المُدركة لِيعكِسها في شكل خطابٍ أو في شكل فكرٍ أو في شكل فعلٍ. ولذا ورد في تُراثِ الحضارات القديمة ذاتِ مرجعيّةٍ روحيةٍ حيّةٍ، ورد فيه معنى الإعكاسِ في القِرانِ الرّمزي بين الدّماغِ والقمرِ لكونِ نورِه نورًا مُنعكَسًا وليس النّور بعيْنه. وهكذا كرّس التراثُ تسميةَ الفكرِ بكلِمةٍ مشتقّةٍ من اسم القمرِ في عدّة لغاتٍ مثل الانـﭭليزية حيث لفظ Mind الذي يعيّن الفكرَ مشتقّ من لفظ Moon الذّي يعيّن القمر. وتسود نفس الملاحظةِ في اللغة الألمانية واللاتينية والهندية وتتوسّع إلى تسمية الإنسان لِكونِه يفكّر كَكلِمة Man وMann في الانـﭭليزية والألمانية أو كلمة Manava في الهندية. أورد هذه المعطيات الشّيخ عبد الواحد يحي.
وأمّا العقل الاستدلاليُّ فهو المرتبةُ البرزخيةُ للحقيقةِ الرّوحيةِ التي تتموْقع في الظّاهر وراء الطبيعةِ. ما جعلَ العقلَ النّظري قوّةً نفسيةً تحصلُ بها معرفةُ الأشياءِ والإحاطةُ بها بالتّمييز والفرقِ في كلّ ما حملتْه الطبيعة من أشكالٍ شهاديةٍ ولطيفةٍ. وفي تاريخِ البشرِ قد رُسّخَ سلطانُ النّظر منذُ أن ضعُفت قدرةُ الإنسان الرّوحية للنّظر إلى الكثرة بعينِ الوِحدةِ لتسقُطَ قدرتُه إلى منزلةِ النّظرِ إلى الكثرةِ بعين الكثرةِ. وبما أنّ الكثرةَ يتبعُها التّمييزُ بين الأشياء وبين العالِمِ ومعْلومِه فهي تقتضي وساطةً أسنِدت للحواسِ الخمسِ والقوى النّفسيةِ الباطنةِ كالتّخيّلِ والذّاكرةِ والغرائزِ.
فالعقلُ الاستدلالي في عملية المعرفة له دورُ المنسِّق والجامعِ لكلّ ما تحمِلُه الحواسُ والنّفسُ من أخبارٍ يستنبِطُ معانيها الخاصة إمّا بكيانِ صاحبِه كالشّعورِ بالجوعِ والعطشِ مثلا، أو لِيسْتخرِج معانيها الخاصة بِبيْئتِه حتّى يُقدِمَ على ردود فعلٍ مناسبٍ لها مثلَ الكلامِ والفكرِ أو مثلَ الفعلِ.
نضيف أنّ بموجب الوصل الوجودي السّائدِ بين الأشياءِ فالوسائطُ الجوارحيةُ والنّفسية الحائلةُ بين العقل النّظري ومعلوماتِه فهذه الوسائط تحملُ سرّ كلّ العناصرِ واللطائف التي هي محلُّ إدراكها ومصدرُ الإخبار عنها. نذكّرُ في هذا الشأن وباختصار العلاقة الحميمة الموجودةَ بين حسِّ السّمع وعنصرِ الإثير (Ether)، ثم العلاقة الموجودة بين حسّ البصر وعنصر النّار، ثم العلاقة الموجودة بين حسّ اللّمس وعنصر الهواء، وثمّ هكذا بين حسّ الذّوق وعنصر الماء ثم بين حسّ الشّمّ وعنصر التّراب. أمّا العقل الاستدلالي فنظرًا لاقْتِدارِه إدماجَ الأخبارِ المحمولةِ من قبل الحواسِ والنّفس في عمليةِ تكاملٍ فهو يعكِسُ جميع أبعادِ الطبيعةِ في صورة خطابٍ علميٍّ يفسّرُ وجوهها أو في صورة شعورٍ أدبيٍّ أو في صورة خطابٍ فلسفيٍّ أو في صورة خطابٍ تطبيقي في إطار اقتصاد الحياة.
بقيَ لنا أن نذكرَ نجاعة العقل النّظري وحدّه في المعرفة. أمّا حدّ قوّة النّظر فهو مجبولٌ في طبيعة التّمييز والكثرة وضرورةِ الوَساطة لِيبْلغ مرماه في مجرى الحياةِ. ما يجعل من المعرفةِ بالنّظرِ معرفةً غيرَ مباشرةٍ إذ تقتصرُ على الظّواهر دون أن توصِل حقائقَها. الشيء الذّي يُدخِل في سياقِها هامشًا من الخطأ في تقييم ما أُدركَ وفي صياغةِ الجوابِ الملائمِ له. ما يثيرُ الشّكّ ويتطلّب الدّليل.
أمّا نجاعةُ العقلِ النّظري فهي من جهةٍ مسألةٌ أثارَها حدُّه، ومن جهةٍ أخرى فنجاعتُه تظهرُ جَلِيًّا في أهميةِ علمِ الرّياضيّاتِ في وجوهِ حياةِ الإنسانِ. فعلاً فالرّياضيّات مزْجٌ بين المنطقِ الذّي لا يقبلُ التّناقضَ وبين العددِ في وجْهيْه المجرّدِ كما هو شأنُ الجبرِ والمقيّدِ بالوصلِ الفضائي الزّمني كما هو شأن الهندسةِ والأعراضِ الطبيعية. والمنطقِ هنا ذو وجهيْنِ: وجهٌ فاعلٌ في وظيفةِ العقل النّظري نفسِه ووجهٌ ظاهرٌ في كلّ ما تبسُطُه الطبيعة من أشكال في أطوارها النّفسيةِ والمعدنيةِ والنّباتيةِ والحيوانيةِ والبشريةِ. ما يجعلُ من الرّياضيّاتِ الوسيلةَ المُثلى لِيُتقِن ولِيَكسِب العقلُ النّظري ظواهرَ الطبيعةِ كما يبدو الشأن من خلالِ المعادلات الرّياضيةِ التي تقيّدُ كلَّ العلومِ الطبيعيةِ. ودورُ الرّياضيّاتِ في إحاطةِ أعراض الطبيعة تابعٌ لِكونِها مرتبة للحقيقةِ الرّوحيةِ بما يتكَيّفُ للفهم البشري نظرًا لِعُلُوِّ منزلتِه في عالَمِه. فالرّياضيّات هي الأساسُ الوجوديُّ الكمّيُّ الضّروريُّ لِبروزِ وَمعرفةِ الأعراضِ الطبيعيةِ والموحِّدُ لها في نفس الوقتِ بحيثُ يمتدُّ سجالُ الرّياضيات في العلمِ المكتسبِـ يمتدُّ من كونِها ميزةً لطيفةً للعقل النّظري إلى كونِها سرَّ الأشكالِ الطبيعية الكائنةِ والمُمكِنةِ. إنّ كلّ هذه المعطياتِ الواردةَ آنفًا تُقلِّلُ إنْ لم تُفنِّدُ الفرضيةَ الحديثةَ التي تجعلُ من الرّياضيات نتيجةَ التَّجربة مع أنّها مظهرُ كلّ أشكالِ الطبيعةِ. ولهذا السّببِ الأخير للرّياضيات وجهٌ ومعنى آخر في تراثِ الرّسالةِ السّماويةِ وسيّما في اللغاتِ المقدّسةِ كالعربيةِ والعبرية أو كالهندية، إذ العددُ المنْسوبُ لكلّ حرفٍ يذكّرُ بالعدد المنسوبِ إلى شكلٍ من أشكالِ الطبيعة إلاّ أنّ الأعدادَ والحروفَ هنا مظاهرٌ رمزيةٌ لاختراقِ الحدودِ الشّكليةِ الخاصّةِ بالنّظر نحو الحقائقِ الرّوحيةِ والتّوحيدِ فضلاً عن كلّ التطبيقاتِ الثّناويةِ الممكِنةِ في اقتصادِ الحياةِ. وهذا هو المغزى الرّوحي الذّي كان يستهدِفُه PYTHAGORE من خلال خوْضِه في الحساب والهندسةِ في إطار التّلقينِ (L’initiation). لأنّ أقصى ما يصلُ إليه النّظرُ بمفردِ قوّتِه وهو في أحسنِ ظروفِه فهو الإقرارُ بِمنْطقيّةِ فكرةِ سبب الأسباب (L’idée logique d’une cause première) من وراء أسبابِ الطبيعة، لكن دون الإفصاحِ عن حقيقةِ هذا السبب ودون توفيرِ الوسيلةِ لِوصلِ هذه الحقيقةِ. ما يثيرُ الشّك في وجودِه عند كلّ باحثٍ محجوبٍ ذكاءُه ولم يتخلّص من إيلاف المظاهر الشّهادية، ذلك أنّه لا ينْسبُ الوجودَ إلاّ للظاهرِ والملموسِ. هذا شأن علماءُ الطبيعة والفلاسفةِ الذّين يُنكرون حقيقة ما يُعبّر عنه الإيمان والوحي مع أنّ النّظرَ عندهم يُثبتُ أنّ كلّ علقةٍ منطقيةٍ فهي علقةٌ وجوديةٌ (Toute relation logique est une relation ontologique). وكثيرا ما يبقَى النّظرُ يترَدّدُ بين شُعورِه لِوحدَةِ أحوالِ كوْنِه وعالَمِه وبين منهجِه التّحليلِي الذّي يعترضُ سُبُلَ الوصول إلى تلك الوحدة كما هو شأن علمِ فيزيا الجُزيات (La physique des particules). ومن وجهٍ آخر فإنّ فكرة ترقية ترابُط الشُّعَب العلمية الطبيعية لسَدِّ هذا الاعتراض ما هو في الواقع إلاّ سرابٌ فكريٌّ يُغطّي دوامَ المنهجِ التّحليلي في مجرى العلوم الطبيعية والإنسانية في عالمٍ طغى عليه الدّافعُ المادّي وهوى النفسِ حتى اعتقد الباحثُ غيابَ الوصلِ بين العالمِ ومعلومِه. وكلّ ذلك على حسابِ وتهميشِ المنهج التّكامُلي الضّامنِ الوحيدِ للإقرارِ بحقيقةِ ما وراء الطبيعة. وحيث لم يكن المنهجُ التّكامُلي في مسالِك النّطريات والعلوم التجريبيةِ فهو يظهر دائما بوجهٍ فلسفي كلّما يشعر الباحثُ أو العالمُ وهو على حدّ ما وصلت إليه المعرفةُ التحليليةُ، يشعرُ أنّ علمه لا يحملُ الجوابَ لسؤال لماذا الوجودُ قائمٌ ؟ ومن أجل ماذا هو قائم ؟ فإنّ مواجهة هذا السؤالين في حالِ احتجابٍ عن الإيمان قد أفضت إلى انتحار كثيرٍ من العلماءِ ومن الفلاسفةِ ومن الأدباء.
وبالعكسِ فإنّ الإقرارَ بما وراء الطبيعةِ قد يحصلُ لاَ نتيجةَ النّظر نفسِه بل نتيجةَ إيمانٍ مسبّقٍ ينَوّرُ سياق النّظر في اكتشافِ الحكمة الإلاهية في كلّ شيءٍ. وتارةً إنّ عجزَ النّظرِ عن إدراكِ أو قبولِ فكرة ما وراء الطبيعة راجعٌ إلى تقييده بالوصل الفضائي الزّمني بحيث يصعب عليه تخيّل بُعدٍ وجوديّ مُخلصٍ من هذه القيودِ. ولنا في هذا الصّدد المثل الذّي جاء به سيّدنا إبراهيم (ع) في نظرته للنّجوم علمًا أنّ ما بدَا منه ظاهرًا ليس قدحًا في تحقيقِه الرّوحي وهو رسول الله، بل ما بدا منه منهجُ تعليمِ العامّةِ من قومِه حتّى يُدركُوا حدودَ النّظر في الحكمِ على شيءٍ ولِيُدركوا علوَّ الإيمانِ في البصيرةِ والمعاينةِ.
نضيف أنّ إذا حاز النظّرُ عند العبدِ مكانةً أكبر ممّا يستحقّه فهو يهمّشُ دورَ الإيمان ويؤدّي إلى خلاصات عارية من التحقيق والتي تكاد أن تُغذّي من غير قصدٍ حزب المنكرين للحقائقِ الروحية. ذلك ما أورده الشيخ عبد الواحد يحي في تقييمه لفكر St. THOMAS d’A. في أوربا. وأمّا إذا كان النّظر ترعرع في كنفِ الإيمان فله دورٌ كبير في تأليف العلوم الشرعية وفي الكلام دون أن يرفع الستار على سرّ حركات الصلاة مثلا أو على أسرار العمرة والحجّ مثلا آخر.
٭٭٭
إنّ عجزَ النّظر عن إيصالِ صاحِبه إلى حقيقةِ ما وراء الطّبيعةِ قد أقرّه PYTHAGORE في التاريخ القديمِ إذ لم يُعِرْ له إلاّ القيمةَ التّمْهيدية لمنْ له استعْدادٌ للاطِّلاعِ على ما يتجاوزُ حدودَ الطبيعةِ. ولذا كان يتوسّلُ بفكرة الرّموز الحسابيّةِ والشّكلية الهندسية في إطار التّلقين (L’INITIATION) لفقه مراتبِ الأكوانِ ثم لِرفعِ السّتارِ على المبدأِ الذّي يُوحِّدُها. وتُدخلنا هذه المسلّماتُ في موضوعي الإيمان والكشفِ.
أمّا الإيمانُ ففي ظاهرِه العامِّ والمعهودِ فهو اعتقادٌ جازِمٌ يجِده الإنسانُ مُقرّرًا عنده من غير نظرٍ ولا بحثٍ. وعُمومًا يعجِزُ المعني بالأمرِ أن يُفسِّرَ حالَ إيمانِه. والشيءُ الذّي زاد الأمورَ تعقيدًا أنّ الفكرَ الحديث جاء جهلاً بعبارةِ » الشعور الدّيني « (Le sentiment religieux) لِينْعتَ الإيمانَ كأنّه مُندمِجٌ في المقولاتِ النّفسيةِ مع أنّ منزِلةَ الإيمانٍ كما أشرنا إليه تستَبْعد فكرةَ التّوسّط التي تُلازمُ النّظرَ، لأنّ الإيمانَ قوّةٌ ذاتُ صعيدِ رُتبةٍ في الوجودِ على القِوى النفسية والجوارحية. ما يجعلُها تعاينُ الأشياء مباشرةً دون نظرٍ مسبقٍ وما يمنحُها صفةَ عينِ اليقينِ في إعلانِها ويُجنِّبُها احتمالَ الخطأِ. وإنّ معاينةَ الأشياءِ وعينَ اليقينِ الذي يصاحبُها ميزتان تخصُّ الإيمانَ كونَه قوّةً روحيةً عزيزةً أكّدتها كلّ الرّسالاتِ السّماويةِ على اختِلاف أشكالِها سواءً في الصّين أيْنَ معنى الرّوحِ واردٌ في لفظِ (QI) وفي الهند أين هذا المعنى واردٌ في لفظ (ATMA) وفي اليونان أين نفس المعنى واردٌ في لفظ (PNEUMA) وفي روما أين نفس الحقيقة مشارٌ إليها بلفظ (SPIRITUS). نضيفُ أنّ كلمة الرّوح في القرآن الكريم وأنّ كلمة « رُواح » في اللغة العبرية تشيرانِ إلى حقيقةٍ ألطَفٍ من لطافةِ النّفسِ والزّمن. فالرّوح في سرِّه لا يقيِّده الوصل الفضائي الزّماني وهو يقيِّدهما ضرورةً. إذ لوْلا الرّوحُ منْبعُهما لَمَا ثمّة من فضاءٍ ولا زمنٍ. وحيث أصبحتْ هذه المسألةُ صعبةَ المنالِ نظرا لِلَطافةِ الأمرِ الرّوحي ونظرًا لضعفِ إنسانٍ طغى الوصلُ الفضائي على مقاييسِ إدراكِه وتكيّفًا لاستِدراجِه الطّوري دلَّتْه الرّسالاتُ السّماوية على عُضوِ القلبِ كمسْكنٍ للرّوحِ وكمنْفذٍ إلى معارج القُدسِ نحو الحقيقةِ المحمّدية أو أمرِ اللهِ، كما دلّتْه إلى الجهاز العصبيّ كمسْكنٍ للقوى النفسية وكمنْفذٍ إلى عالمِ البرزخِ. نُريد القول بالإشارة إلى تنْزِيه الرّوح إلى أنّ التحقيقَ يؤدّي إلى انقِلابِ الصّورةِ بحيث أنّ ما هو محتوِى (بكسر الواو) في الظاهر (وهو الوصل الفضائي الزمني) فهو محتوًى (بفتح الواو) في الحقيقة ( وهي الكيان الروحي). ولِفِقه هذا المغزى فليَتأمّلُ المعني بالأمر أنّ الوصل الفضائي كامنٌ في النُّقطة كما أنّ الأعدادَ كامنةٌ في الوحدةِ. وبِسببِ العلاقةِ الرّمزيةِ التي وضعتْها الرّسالاتُ بين الرّوحِ والقلبِ كان القلبُ ولا يزالُ محلَّ الإيمانِ والكشف ومحلَّ التحقيقِ الرّوحي. ما يُفنّدُ صفةَ العاطفةِ التي نسبها له خطأً الفكرُ الحديث.
لقد كانت القوة الروحيةُ في العهودِ القديمة حيث كان الإنسانُ في أحسنِ تقويمٍ، كانت تتجلّى في مظهرِ الفطرةِ باسطةً سُلطانَها على النفس والجوارح وكانت سببَ تناغُمٍ وجوديٍّ شاملٍ بمعنى أنّ الإلهامَ الرّباني كان ينَوّرُ فكرَ العبدِ وكلامَه وحركاتِه في صورة عبودية تامّةٍ لا يطلبُ منها صاحبُها إلاّ وجه الله ليمُدَّ الخلقَ ما خوّلتْ له المشيئةُ الإلهيةُ في الأزلِ وخارج السّياق الشرعي الذي يقتضي الثّوابَ والعقابَ.
أمّا في المراحل الأخيرة من الطور البشري انحجبت الفطرةُ الأولى لِتصبحَ حظَّ أقلّية كمّلِ البشر من الرّسلِ والأنبياء والأولياءِ، ولِتظهرَ عند العامّةِ في صورة الإيمانِ المعهودةِ والممْزوجةِ بالميْلِ إلى الأمن والسّلوان ناهيِكَ عن ميْلِها للزّيادة والنُّقصانِ عند العبدِ. وإذا كان أمرُ الإيمان أمرَ الرّوحِ ما هي آفاقُه المعرفية ؟ إنّ الإجابةَ لهذا السُّؤال يتطلّب الرّجوعَ إلى زمريّة القلبِ وإلى علاقتِه مع الرّوح. وفي هذا الصّدد أجمعتِ الرّسالاتُ السماوية ويصبُو إلى نفسِ الاتجاهِ تُراثُ الحضاراتِ القديمة والمُندثرة، كلٌّ أجمع على طليعةِ القلب من الأعضاء الأخرى في الكيانِ البشري. وطليعةُ القلب واردةٌ أيضا بالمعنى. فعُضوِيًّا إنّ القلب بمثابةِ الشّمسِ المشِعّة في كلّ جهاتِ الفضاء الشّهادي وفي آنٍ واحدٍ بمُوجبِ قِرانِه رمزيًا بالشّمس في كلّ التّراث الرّوحي البشري، لِكونِ نورِ الشمس عينَ النّور يُظهرُ الأشياءَ في آن بُزوغِه وكلّ هذا لإيحاءِ معاينةِ الرّوح لكلّ شيءٍ في بارقةٍ واحدةٍ. فعلاً فالقلبُ مركزُ الدورةِ الدّموية يحملُ الدّمُ من خلالها حرارةَ الحياة إلى كلّ شبرٍ من الجسدِ. ولذا سُمّيَ الدّمُ النّفس السّائلةُ، وبهذه الوظيفةِ الموزّعة للحياة استحقَّ القلبُ تسميةَ المركز الحيّ (Le centre vital) بالحرف أو إشارةً في خطابِ وتراثِ كلّ الرّسالاتِ.
أمّا معنًى ودلالةً فالقلبُ يَكِنُّ مرتَبتَيْن: مرتبةٌ سُفلى تجمعُ كلَّ القوى النفسيةَ والجوارحية. ما يؤكّد دورَه مركزًا حيًّا. وكلّما ذمَّ الله على القلوب في القرآن فإشارةً إلى هذه المرتبةِ والتي تفيدُ النّفسَ. ويحتوي القلبُ أيضًا مرتبةً عليًّا تسمّى اللّبُ الذي هو محلّ مدحٍ من الله في تنزيله. ما يؤكّد أن طابعَ اللّبِّ ليس طابعًا نفسيًا بل هو طابعٌ روحيّ بالامتياز. فهو على وصلٍ مع مدارجِ القدسِ إلى الحقيقة المحمّدية، وهو على تواصلٍ من جهةٍ أخرى مع كلّ الأعراض الجسدية والنّفسية في عمليةِ تكاملٍ بالمعنى الرّياضي تُزيلُ حكمَ الخلقِ لِيظهرَ مكانَه الوجه الرّبّاني تصديقا لقوله تعالى: ﴿ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ (القصص، 88) وإشارةً إلى سرّ التحقيق في قوله تعالى: ﴿ وإليه ترجعون ﴾. وكلمة وجه في الآية الكريمة لا يُراد بها المعنى اللّغوي أو ما يظهر من الجسد يقابلُ به صاحبُه محيطَه، بل الوجه في سياق الآية يفيد تجلّي ذاته السّاري في الوجود المقيّد من خلال أعماله بقدرته ومن خلال أسمائه تعالى بحِكمتِه ومن خلال صفاتِه بحقيقته. ما يشير إلى اسمه تعالى الظّاهر واسمُه الظاهر هو أمرُه بالتّجلّي وأمرُه هو علمُه تعالى. ما يعيدُنا إلى حضرة الرّوح محلّ ومصدرِ العلم العزيز الذي يرقِّي صاحبه ويرفعُه من أعراض الأكوان إلى سرّ الأعيان. ذلك أنّ الإيمان والكشف والوحي يصبّون في اتجاهٍ واحدٍ ألا وهو إيصال الإنسان إلى تحقيق توحيد الله وتعظيمه والتزام العبودية نحوه، إلاّ أنّ الاستعداد لذلك ومواجهة هوى النفس يتفاوت فيهما الناس. ما فتح الآفاقَ الرّوحية إلى مراتِبِ التّحقيقِ الثلاثةِ والمتداولة في نصّ القرآن بعلم اليقين وبعين اليقين وأخيرا بحقّ اليقين.
أمّا علم اليقين فهو كلّ علمٍ قائمٍ بالدّليل وهو حظُّ قوّةِ النّظر التي ذكرناها في الحديث السّابق حتّى لا نكرّر ما أوردناه في الموضوع. نضيف أنّ علم اليقين يُفضي إلى التّوحيد مع بقاءِ الفرق بين الخالِق والمخلوقِ، ومع بقاء الكثرة على عينِها. وأخيرا إنّ علم اليقين يُبقي صاحبَه في ادّعائِه كسبَ توابِعِ الوجودِ من حياة ومن علمٍ ومن مشيئةٍ ومن قدرةٍ ومن قولٍ ومن سمعٍ ومن بصرٍ. ومآله في الآخرة جنة الأعمال واللّذات فجزاه الله بما كان يعمل في الدّنيا.
وأمّا عين اليقين عند أهل الله فهو العلم الذّي أسفر عنه الكشف والمشاهدةُ. والكشف حقيقةً ما يُفضي إليه الإلقاءُ الرّوحي الرّبّاني تصديقا لقوله تعالى: ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ﴾ (غافر، 15). وإنّ هذا المعنى يتّسع للإلهام والوحي وللوهِبِ وللعلم اللاّدُنّي وللعلم الامّيّ مع مراعاة لميّزاتٍ بين كلّ هذه التسميات. فكلمة الكشف تفيد رفع الغطاء لتَبرز حقيقة الأشياء. وكلمتا الوهب والإلهام تُشيران إلى عطاءٍ منّةً من الله. ما يستبعد الكسبَ والاكتسابَ اللّذان يلازمان النّظر. وأمّا كلمة الوحي فهي تفيد الإلقاء في القلب دون الواسطةِ أو بالواسطة وهو الروح الأمين لتفادي تداخُل هوى النفس وهو خاص بالرسالة. وأمّا العلم الأمّيّ فإشارةٌ إلى العلم الموهوب خارج السّياق الدّراسي والنّظري. وأمّا العلم اللاّدنّي فهو العلم الموهوب لعبدٍ من وجهه الخاص ولا يُشاركه فيه أحدٌ من الخلقِ. فهو يقتضي عبوديةً تامّةً. وفي هذا الصدد الرّوحي الذّي يستبعد تسرّب هوى النفس، يكاد الإيمانُ عند العامة أن يكون عتبةَ الكشفِ بمِيزتِه اعتقادًا مقرّرًا من غير نظرٍ مسبقٍ. فهو يُذكّرنا بالإقرارِ القديم بِربوبيّة ربّ الأرباب كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بِربِّكم قالوا بلى..﴾ (الأعراف، 172). إلاّ أنّ في واقع الأمور ليست منزلةُ عين اليقين في متناول العامة، إذ خارج سياق الرّسالة والنّبوّة باللّقب فمنزلة عين اليقين توجب إيفاء التلقين بعد الاستعداد في سياق السّلوك الرّوحي عند الخاصة. فكلّما توفّرت هذه الشروط وواظب الفقير على الذّكر تحت إشراف همّة شيخه الخفية، فهو يصعد من منزلة الكثرة الشّهادية إلى منزلة توحيدها في عملية تكاملٍ روحيةٍ تُدمِج أعدادَها في وجدان الذّاكر، بحيث أنّه يطّلع على سرّ العين بِتيَقُّنِه أنّ الكثرة المعهودةَ ما هي في الحقيقة إلاّ وجوه الأمر الرّبّاني الذّي تولاّه عند النّفخة، مع أنّ إزالة الكثرة هنا لا تُزيل الفرقَ بين الخالق والمخلوق، لأنّ منزلة عين اليقين ما هي إلاّ درجةٌ من مدارج الكشف. فهي مرمى إسراءِ الفقير حيث يُطلِعه الله فيها على سرّ عالمِه، ويطلعه على سرّ وظيفة الخلافة التي كرّم الله بها بني آدم على خلقه لكون الإنسانِ مختصَرًا لأمر الله الكلّي، حيث يجمع في ذاته عالمَ الرّوح بقلبِه وعالم البرزخ بنفسه ويجمع عالم الشهادة بجسده. وفي هذه المنزلة يتجرّد صاحبُها من ادّعاء كسب توابِعِ الوجود ليَحِلّ محلّه اليقين أنّ ما له منها إلاّ النّسبة. فيعتمد سلوك التّوكّل على الله لا بتَركِ الأسباب بل باعتبارها عند الله. إذ يقول عند تعاطيه الأسباب يقول » عنده ولا بها » يقينًا أنّ الله هو الفاعل الحقيقي من وراء كلّ سببٍ فاعلٍ. نضيف أنّ بموجب ما تعطيه منزلةُ عين اليقين يجني صاحبها فواكه جنّة المعارف لأنه أصبح يفقَه الأمور بقلبِه لا بِنفسِه. فيتجنّب كل المسبّقات الفلسفية المسخّرة للدافع المادي ليلتزم بما توجبُه المرجعية الرّوحية في تقييمه للأمورِ.
ومن جهة أخرى فإنّ صقالة قلْبِه تستحضِر تقلّباتِه بين اصبعي الرّحمان وتُمكِّنُه في تجدّد المعاني القرآنية من قراءةٍ إلى أخرى. ما يدلّ أنّه تخلّص من قيود ودواعي العقل النّظري المخلوق وأنّه على باب العبودية التي ستُوصِلُه إلى التوحيد الحقّ الذي بقي لنا أن نذكره من خلال تعبير حق اليقين.
إنّ حق اليقين منزلةٌ روحية تحصل عند أهل الله بإزالة حكم عين اليقين أو عند فناء صاحبه في وحدة أمر الله. ولتوضيح المسألة نعود إلى طبيعة العلم المكرّس في السّلوك، إذ ورد في الخبر أنّه سُئل الإمام الجنيد (ر) عن العلمِ والعالمِ. فأجاب قائلا: » لونُ الماءِ لونُ إنائِه « . وإذا تذكّرنا أنّ عنصر الماءِ في الآفاق الرّوحية يرمز إلى المادة الأوّلية (Matéria Prima) التي تكوّنت عنها الخلائق، فالماء هنا إشارةٌ للعلم مطلقا، أما الإناءُ فإشارةٌ واضحةٌ لشخص العالِم. وأمّا اللّون فهو إشارةٌ إلى مستوى إيقاض الهمّة عند العالم ودائما تحت إشراف همّة الشيخ الخفية. فبِقدر ما ارتقت الهمّة فبقدر ما يفتح الله به على صاحبِه بأسرار القلب. وبالعكس فبِقدر ما تكون الهمّة أسيرة هوى النفس فبنفس القدر يبقى صاحبها خادمًا لِهواها. وبالرجوع إلى عبارة حق اليقين، فإذا أخذنا في الحسبان كافة الأشكال النّحوية التي تظهران في التنزيل فإن لفظتي الحقّ واليقين واردتان بنوعٍ من الغزارة في كلام الله. ولغةً تعني كلمة الحق التأكيد بوجود الشيء. وأما كلمة اليقين فتعني الثبات بوجود الشيء. أما عبارة حقّ اليقين فقد وردت مرّتين في القرآن ذِمًّا على أصحاب المشأمة. وورد عن أهل الله أنّ حق اليقين عمومًا هو كل علم حصل باعتبار مرتبةٍ من مراتب الوجود. ما يجعل معنى هذه العبارة يتسع للوجود المقيّد وللوجود المطلق. ويقصد بحق اليقين في السّلوك درجة التّوحيد أعلى مما هو عليه التّوحيد في عين اليقين، فضلا عن المشاهدة التي تحصل فيها.
والمشاهدة مبنِيّةٌ على اثْنيْنِيةِ المشاهِد والمشاهَد إلاّ أنّ معناها يتغيّر بحسَب ما يُعطيه النّظرُ في علمِ اليقينِ وبِحسب ما يُعطيه الكشفُ في عين اليقين وحقّ اليقين. المشاهدةُ في النّظر تُبقي مسافةً وجوديّةً بين المشاهِد والمشاهَد. ما يوحي أنّ المعرفةَ التّابعةَ لهُ جزئيّةٌ ولا تحيطُ بمَعلُومِها من كلّ جوانِبه. أمّا المشاهدةُ في عين اليقين فتُوجِب أنّ كلَّ المعلوماتِ هي عينُ العالمِ بها. فالتّكاملُ المعرفي هنا أتمُّ من الأوّلِ بِحلولِ المسافةِ الوجوديةِ (الفرق) بين العالِمِ ومعلوماتِه. ولِذا صحّ في هذه المنزلةِ أنْ يُقال أنّ المُحقِّقَ عينُ ما حقّقَه. أمّا المشاهدةُ في حقّ اليقين فتعني في حالِ إتمامِها بلوغَ وتحقيقَ التّوحيدِ الحقّ بِزوالِ كلِّ الاعتبارات الزّمانيةِ والمكانيةِ والتّرتِيبِية. والتّوحيدُ هنا قائمٌ لا بِجمْعِ وُجودَيْن مُنفَصِليْن الشيء الذّي يحمِلُ شِركًا خفِيًّا، بل بالتّأكيدِ والثّباتِ أنّ حُكمَ الوُجوديْن السّائدِ في النّظر والباقي في عين اليقين، نسبةٌ عقليةٌ لا أساسَ لها في الحقيقة. وبعبارةٍ أخرى أنّ التّكاملَ النِّسبي الذّي أفضى إليه عينُ اليقين ما هو في عالَمِنا إلاّ مرتبةٌ لِوحدةِ أمرِ الله تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ وما أمرُنا إلاّ واحدة كلمحٍ بالبصر﴾ (القمر، 50). فمنزلةُ حقّ اليقينِ تقتضي فناءَ صاحبِها في حضرةِ وِحدةِ أمر الله. وبما أنّ أمرَه تعالى هو تجلّيه وظهورُه في كلّ شيء، فالوجودُ المقيّدُ كلّه وجهُه تعالى حقيقةً وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿وما خلقْنا السّماوات والأرض وما بينَهما إلاّ بالحقّ﴾(الحجر، 85). ما يشير إلى أنّ منزلة حق اليقين مُنقلَب مشْهدِ عين اليقين، بحيث يرى السّالك فيها كُرةَ شمس أمر الله مُشِعّةً الجهات السّتة الوجوديةَ في بارقةٍ، وبما فيها الشُّعاع الوجودي الذّي تولاّه وقيّده في الأزل. ما يشير إلى تقلُّصِ المسافة الوجودية بين الحقّ والخلق دون زوالِها. فالعبد هنا يعمل لله، وهو محفوفٌ بالعبوديةِ التّامة، حيث يعظِّم اللهَ في كلّ خلقِه، ويحمدُه على كلِّ حال ويشكرُه لِنِعمِه تعالى التي أنعمَ بها عليه في إيجاد نفسِه وفي كلِّ شيء. ما يلفتُ النّظرَ إلى الرّضا عن الله في السّراء والضّرّاء وإلى ذوقِ فواكهِ جنة الذّات. أما الفناء في الوحدة فسَنذْكرُه في حديثٍ لاحقٍ في مكانة القلبِ في القرآن وفي أسرارٍ أخرى من وظيفتِه في السُّلوكِ.
٭٭٭
كما ورد في الحديث السّابق فإنّ القلبَ يحظى برُتبة الطّليعةِ عضويًّا ومعنًى في الكيان البشري بشهادةِ تراثِ كلِّ الرّسالاتِ السّماويّةِ. إذ القلبُ محلُّ إدماجِ الأعضاءِ الأخرى وما يصاحبُها من قِوى عقليةٍ وغريزيةٍ وحواسيّةٍ. ومن جانبٍ آخر فالقلبُ محلُّ صِقالةٍ تبرُق فيها شؤونُ الرّوح لِتُنوِّرَ طريقَ السّالكِ ولِترفَعَه في مدارِجَ القدسِ حتّى يُوحِّدَ اللّهَ حقًّأ. ولكلِّ هذه الاعتبارات فلِلْقلبِ علاقةٌ حميمةٌ مع التّنزيلِ تصديقا لقوله تعالى ﴿وإنّه لتنزيل ربّ العالمين(192) نزل به الرّوح الأمين(193) على قلبك لتكون من المنذرين(194)﴾(الشّعراء). وقبل الإفصاح عن فحوى هذه العلاقة لابدّ من إزالةِ الالتباس الذّي قد يطرأ عند القارئِ عند ملاحظتِه ازدِواجية المعنى بل تضارُبَه في وُرودِ كلمةِ القلبِ في كتاب اللّه، إذ يذكُر الله القلبَ تارةً مدْحًا له كقوله تعالى﴿ من خشِيَ الرحمن بالغيب وجاء بقلبٍ مُنيبٍ﴾ (ق، 33) أو كقوله تعالى ﴿إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيدٌ﴾ (ق،37). وتارةً يذكر الله القلبَ ذمًّأ عليه كقوله تعالى ﴿فإنّها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصّدور﴾(الحج،46) أو كقوله تعالى ﴿ثمّ قست قلوبكم …﴾ (البقرة، 74).
إنّ التّناقضَ في المعنى هنا راجعٌ إلى كونِ القلبِ في الكيان البشري يرتدي صورةَ برزخٍ. إذ يستقبِل بوجهٍ مدارِجَ الرّوحِ فهو حقٌّ. ويستقبلُ بوجهٍ آخرِ سلّم الخلقِ فهو حلقٌ مثلُهم. ولذا كلّ الآياتِ الواردة فيها كلمةُ » القلب » ذمًّا على صاحبه فإشارةٌ إلى النّفس وقِواها النّظرية والغريزيةِ المتجادِلة حتى احتُجِبت عن أنوارِ الرّوحِ وذهبت ضحيّةَ هواها. فصدر عليها الحكم الإلهي. وأمّا الآياتُ التي وردت فيها كلمة » القلب » مدحًا لصاحبه فإشارة إلى النفس المطمئِنّة و الخاضعة لسلطان الرّوح ولقيادة لبِّ القلب. فصدر الحكمُ الإلهي لها.
ولقد تطرّق الإمام أبو حامد لهذه الوضعية القلبية في » معارج القدس » وفي الإحياء (السماع والوجد)، وإن كان ذلك بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، إلاّ أنّه بيّن من جهةٍ وصلَ القلبِ بالرّوحِ عند عروجِه وبيّن من جهةٍ أخرى وصلَ القلبِ بكلِّ الأعراضِ الطبيعية. ما يجعل الوصلَ بين التّنزيلِ ولُبِّ القلبِ حقيقةً قائمةً بأمره تعالى وإن احتُجبَ العبدُ عنها بسببِ زيْغِه. ولذا فالقلبُ عند الإنسان عبارة عن مرتبةِ الأمرِ الإيجادي الإلهي يكِنُّ في سرّه حرارةَ الحياةِ والنّورَ الوُجوديَّ. وبِوجهيْه يجمعُ القلب كلّ الحقائقَ الكونيةِ لِيظهرَ كمالُ أسماءِ الله في الكثرةِ وليُظهر الحقائقَ الالهية الموصلَة إلى الثّقليِن. وهو في نفس الوقت مركبةٌ تعرجُ بصاحبها من التّوحيدِ التّقليدي والاستدلالي إلى التّوحيد الحقِّ ذوْقًا ولا بالعلم المجرّدِ. أمّا القرآن فهو كلام الله وإضافتُه إلى الله تعني أنّ للقرآن ما للّه من الغنى والعزّة والتّنزيهِ والتقديس ومن الأزلية، لأنّ الصّفة لا تفارقُ الموصوفَ بها. ولفظُ » كلام » في عبارة كلام الله إشارةٌ إلى عمليةِ إيصال معاني الذّات المقدّسة ومعاني الصّفات والأسماءِ الإلهيةِ في صورة » ذكرٍ محدثٍ » تكَيّفًا لِوضعِ إنسانٍ ضعفَ إيقاظُ همّتِه علمًا أنّ الحدوثَ أيًّا كان فهو تقييدٌ بالحقِّ كما هو شأنُ كلِّ الوجود الإضافي. نضيفُ أنّ القرآن آياتُ رحمتِه وآياتُ رأفَتِه بعبادِه، إذ يدعوهم به وفيه ليَسعَدوا في الدّنيا وفي الآخرة بعد أن زاغت أنفسُهم عن هداية الرّوح.
وبما أنّ القرآن لغةً هو الجمعُ الكلّي والكمال الكلّي فنسب الله له العظمة في عبارة » القرآن العظيم » ليُظهر وسعَ جلالِه للوجود المقيّدِ. ثمّ أضاف إليه الكرم في عبارة » القرآن الكريم » لِرأفته بسائر خلقه ثم أضاف إلى القرآن المجد في عبارة » القرآن المجيد » لِعلوّ شأنه ولحمله التوحيد الحقّ في تجلّياتِه تعالى وفي الرجوع إليه.
شهد أهل الله أنّ لكل قلب قرآن تجري معانيه بقدر إيقاظ او احتجاب الهمة عند العبد. فمن الناس من يقرأ القرآن بقوة نظره على حساب الإيمان أو في غيابه. فتنزل معانيه لا على قلبِه، بل على خياله ولا يتناولُها إلاّ بما تُوجب عليه المسبّقات النّظرية والفلسفية والعادية التي كوّنت وشكّلت فكرَه. وفي أحسن تقويمٍ يرتِّب هذا القارئ كلامَ الله في المقولات النفسية كالعاطفة والذّاكرة الجماعية. أمّا إذا طغتْ عليه مسبّقاتٌ فلسفيةٌ كنظرية التطور أو كنظرية الجدلية المادية لم يُعرِ القارئ حقيقةً للرّوح فيجعل من القرآن إما بُنيةً فكريةً في خدمة الطبقة المستغِلّة، وإما يجعل منه بقايا من الذّاكرة الجماعية بعد أن غُسِلت من وحشيتِها.
ومن الناس من يقرأ القرآن بإيمانٍ استدلالي فتنزل معانيه على الخيال والنظر المستَضيئين بنور الإيمان، فيحصل خطابٌ سادَ فيه الفكر لِيرى حكمة الله في كلّ شيء، ولِيؤكّد منطقية العقيدة والأحكام الشّرعية مع إثارةِ علمِ الكلامِ. والخطاب يحتوي المعاني الحرفية والمجازية والسياسية ويحتوي التوحيد المفتوح لعلم اليقين. ويحتوي الخطاب النصوص التي تؤكد المعنى الرّوحي دون الخوض فيها مثل الحركات في الصلاة. ومن كُمّلِ الناس من يقرأ القرآن فينزل على قلبه ليذوق أسرار الأسماء ثم الأسرار الرّبّانية بعد انقلاب المشهد في حضرة الحقيقة. ومن الكمّل الرّسل والأنبياء والأولياء كلٌّ بحسب ما أعطتْه رتبته الروحية. ما يعيدنا إلى الوصل الحميم بين القلب والقرآن.
أمّا في جانب الرّسلِ والأنبياءِ فصقالةُ القلبِ اللاّزمةِ للوحيِ فهي محلُّ اهتمامٍ ربّاني مباشرٍ لتعليمِ العبد المختارِ بحسب بيئتِه والمهمّة الرّوحية الموكَّلِ بها. أمّا خارجَ السّياقِ الرّسلِي والنّبوي فصقالةُ القلبِ تحصلُ بالسّلوكِ بعد التّلقين في إطار الطّريقة وتحت إشراف شيخٍ جامعٍ بين الشريعة والحقيقة. وسرُّ التّلقين أنّه يوقظُ عند الفقير الوصلَ الرّوحيَّ السّاري في الوجودِ ويستحضِرُ الرّجوعَ إلى الله من خلالِ كلّ ما سخّره الله له ليتَقرّب منه. ما يطلِعُنا على كلّ من يلقاه الفقير في سلوكِه من أولياء الله وفيهم شيخه ومن يلقاه من الصّحابة الكِرام (ر) بل من مقابلتِه الرّسول سيّدنا محمدًا (ص آس) فضلاً عن كلّ ما يتلقّاه من مشهدِ شعائر الله عزّ وجلّ شأنه.
وكلّما توفّرت شروط التّلقين وثابرت همّة الفقير على الذّكر الملقَّنِ تنطلق شيئا فشيئا عملية تطهير القلب ويتغيّر مشهد الأشياء بقدرِ مدارجِها، لا في أعيانِها بل في معانيها. فبدايةً يتنَوّر الإيمان بِبركة الذّكر فيتحوّل من حالٍ مقرّرٍ إلى التّمكين في اليقين. ما يضاعِف صقالةَ القلبِ حتّى تتبَلْورَ فيه تجلّيات الرّوح بموجب تقليبِه بين اِصبَعيْ الرّحمان كما جاء الأمر في الحديث الشّريف، وقد تخلّص الفقير من ضيق وزيغ كلّ المسبّقات الفلسفية السّائدة في الفكر الحديث.
إنّ فحوى تقليبِ القلب بين اِصبعَي الرّحمان يتعلّق بكلّ المعاني الرّوحية التي يجنيها الفقير في المناسبات التي يستقبلُها سواءٌ في الرّؤية أو في اليقظة إثر استِماع كلامٍ أو إثر قراءةٍ أو إثر مشهدٍ. نضيفُ كلّ المعاني القرآنية التي يتلقّاها بقدر تتابُع ودوامِ وتأمّل ما جاء في قراءته كتاب الله. ولِتقلّبات القلب بين اِصبَعيْ الرّحمان مَنزِلَتان: إحداهما تتعلق بالرّوح المنفوخة في كيان الفقير ما يذكّرنا بمنزلة عين اليقين التي تلعب دور المرآة تنعكسُ فيها المعاني الرّوحية التي تردُ عليه ويتحلّى بها لكونها صفاتِ الأمرِ الرّبّاني الذّي تولاّه منذ القِدم. ورمز الانعكاس يعني أنّ الحقائق الرّبّانية تتجلّى بالشّروط الوجودِية المودَعةِ في روح الفقير. ما يجعلها تجلّياتٍ غير مباشرة أي من وراء حجابٍ. وأمّا المنزلة الثانية لتَقلُّبات القلبِ فهي قصدُ الفقير فهي عبارةٌ عن انقلابِ المشهدِ بحيث أنّ ما كان حُكمَ خلقٍ سابقًا يزول في هذه المنزلة بظهور حكمِ الحقِّ. ذلك أنّه لمّا يعرجُ الفقير في المنازل الرّوحية ويصل إلى حقيقة الروح المنفوخةِ فيه تزول النّسبة الوجودية التي كان يعتقِدها لِنفسِه بموجب عين اليقين، تزول نسبته بحقّ اليقين أنَّ روحَه وجهٌ من وجوه الله تصديقا لقوله تعالى ﴿فأينما تولّوا فثمّ وجه الله﴾ (البقرة، 115) وتصديقا لقوله تعالى ﴿قل الرّوحُ من أمرِ ربّي﴾ (الإسراء، 85). إنّ هذه المنزلة الثانية تقتضي فناء النّسب الوجودية وزوالَ رمزي المركز والدائرة واستبعادَ أيةَ سؤالٍ مثلما هو الشأن في منزلة الفرق. وكلّما سبقت مِنّةُ الله لصاحب هذه المنزلة الروحية وجعله من الذين اتخذوا القرآن مأدبة الله على الأرض كما جاء في حديثٍ شريفٍ رواه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (ر) فيُصبح قلبه عرشًا لكتاب الله بحسب ما خوّل له من الأسرار في جبل ق أي مركز الكون فيكون عرشَ القرآن العظيم أو عرشَ القرآن الكريم أو عرشَ القرآن المجيد وهو الجامع للعرشين الأولين وبه حصل خُلُق سيّدنا محمد (ص آس) وبه يتحقّق معنى الحديث القدسي حيث قال الله على لسان رسوله الأعظم (ص آس) [ ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ].