معالم العولمة والعالمية
في
فكر مالك بن نبيّ
حمزة بن عيسى
إنّ العولمةَ عمليةُ إدماجٍ تاريخية تجري منذُ قرنيْنِ تقريبًا على مستوى الإنسانيةِ. وقد بدأت هذه العمليةُ قبل سِتّةِ آلافِ سنين على شكلِ إدماجٍ محلّيٍّ في الصّينِ وفي الهندِ وفي الشرق الأوسطِ وآسيا الصُّغرى. ثمّ زاد هذا الإدماجُ التّاريخيُّ سرعةً في القرن الأوّل قبل الميلادِ وتحت تأثير الامبراطورية الرّومانية ثمّ تحت تأثير الحضارتين المسيحية والإسلامية. وتكلّلت هذه الحركةُ التّاريخيةُ بتوحيدٍ شكليِّ للعالمِ المحيطِ بالبحر الأبيض المتوسط. وقد تسارعَ هذا الإدماجُ في القرن التّاسعِ عشر (م) في أثر طبيعة التوسّع التابع للحضارة الغربية الحديثة وتحت أثر العامل التقنيّ الذي وظفتْهُ خدمةً لتوسّعِها والذّي ضاعف سرعةَ الحركةِ التاريخيةِ.
وهكذا أصبحت عمليةُ الاستعمارِ والمحميّةِ سياسةً مُمنهجةً، واضعةً كلَّ الإنسانيةِ تحت هيمنةِ الغربِ الحديثِ مع دعوةِ حملِ مشعَلِ الحضارةِ الى من هو خارجِ حدودِها التاريخيةِ. إلاّ أنّ هذا الشكلَ من الهيمنةِ لم يدُمْ إلاّ قرنًا تقريبًا. ذلك أنّ السّلطةَ الماليةَ (Le pouvoir financier) التي هي مركزُ ثقافةِ الامبراطورية (Culture d’empire)، كما سمّاها مالك بن نبيّ، أنّ السّلطةَ الماليةَ أحدَثتْ انقلابًا وجوديًّا بإطلاقِ سراحِ منطقِ رأس المال الصناعي والإنتاجي (Capitalisme productif et industriel ). ويكمنُ هذا التّحوّل في نمطِ الحياة، في ظهورِ ترتيبٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يتوسّطه المال وفي ظهور فجوةٍ عميقةٍ في المجتمع تفصلُ بين أقليّةٍ تحتكرُ كلَّ الثروة بشكلٍ يتجاوزُ بكثيرٍ احتياجاتها الطبيعية، وبين مشهدِ أغلبيةٍ في غمراتِ البؤس الشديد نفسيًّا وعضويًا وماديًّا.
وأثار هذا الانقلابُ الوجودي انزلاقًا في مرجعيةِ الهويةِ من مظهرها القومي إلى مظهرين فلسفيين وسياسيين. فالمظهر الأول أرجع الهوية إلى التراث الجماعي. ونجم عنه النظرياتُ العنصريةُ مع ادّعاء العنصر السّامي والمخوّل له قيادةُ البشرِ. هذا فحوى الخطاب النّازي والفاشي والصهيوني وما أسفر عنه في ألمانيا وفي إيطاليا وفي فلسطين ؛ أما المظهر الثاني فأرجع الهوية إلى مكانةِ الإنسان في عملية الإنتاج الماديّ. هذا فحوى الخطاب الماركسي وما أسفر عنه في روسيا والصين أي في بقعتين لم تتـــنبّـــأ بهما النظرية ُ حدوثَ الثورة نظرًا لِتأخُّرهما الطّوري الاجتماعي بحسب نفس النظرية
إنّ هذه التجاذبات الفكرية والسياسية والثورية داخل حدودِ الغرب الحديثِ ساهمت في ارتخاء القبضة الاستعمارية على باقي الأمم وفتحت البابَ للنّضال السياسي بمطالبة الحرية والاستقلال.
وقد اغتـــنَـــمَ هذه الفرصةَ التّيّار النّهضويُّ في المجتمع المسلمِ في شكلِه السّياسيِّ لِمُطالبةِ الاستقلال من المُستعمِر. وكان من المفروضِ أن تكمُنَ النّهضةُ في تكييفِ وسائلِ العصرِ للقِيمِ الإسلاميةِ. إلاّ أنّ الأمورَ لم تجرِ بحسبِ هذا المنهجِ على واقِعِ الأرضِ لكونِ النّهضةِ في جناحيْها السّياسي والثّقافيّ نتيجةَ انفِعالٍ بعد خرقِ حدودِ دار الإسلامِ من قبلِ قوّة الاستعمارِ وليستْ نتيجةَ انطلاقةٍ ذاتيةٍ. ما جعلَ من النّموذجِ الغربيّ في ذهنِ النّهضةِ مثلاً يُقتدى به من خلال وجوهِه القوميّ واللّبرالي والشيوعيّ. وبسبَبِ هذه الغلطةِ في تقييمِ الأمور كان الاستقلالُ في العالَمِ الثّالِث وسيّما في العالَم الإسلامي عبارةً عن إنتاجِ النّموذج الغربيّ في صورةِ تبعيّةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ واقتصاديةٍ تُناقضُ هويةَ الأمّةِ ومصالِحَها ومصيرَها. ما جعل من العالَمِ الثّالثِ ومن المجتمعِ المسلمِ ميدانًا يوظِّفُه الغربُ لدفعِ الأسباب التي أفضتْ داخلَ حدودِه إلى اندلاعِ الثورةِ الرّوسيةِ والحربينِ الكونيين في القرن العشرين. هذا هو المشهدُ التّاريخي المُتشابِكُ والشّائِكُ الذّي واجهَه وتحدّاهُ فكرُ مالك بن نبيّ لِوضعِ أبعادِ إشكاليةِ المسلمِ كمُسلِمِ في العالمِ الحديثِ، ثمّ لِرسمِ الخطوطِ العريضةِ للمكانةِ التي من المفروضِ أنْ يتحلّى بها في عملية العوْلمةِ ولِلدّورِ الذّي عليهِ أنْ يلعبَه في ترقيةِ العالميةِ بالرّجوعِ إلى القِيمِ الرّوحيةِ. إنّ المنارتَينِ هاتيْنِ سرُّ جهد مالك بن نبيّ الفكريّ في تعريف ما سمّاهُ: ثقافةَ الحضارة الخليةَ من إرادةِ التّسلّطِ على الغيرِ والمُتشبّعةَ بالقيمِ الرّوحيةِ المشخّصةِ في سلوكِ الإنسانِ.
إنّ نهاية الحربِ العالميةِ الثانيةِ سنة 1945، أسفرت عن إحداثِ توازنِ القِوى جديدٍ تستقطِبه روسيا والولايات المتحدة. ما سمّاه مالك بن نبيّ بِمحورِ » واشنطن – موسكو » الذي أصبح يقيّد الحياةَ على وجهِ الأرضِ سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا والذي تكوّن على إثره المُعسْكران الغربيّ والشّرقيّ. وفي الخمسينات من القرن العشرين بدأت تظهرُ ملامِحُ تنسيقٍ اقتصاديٍّ داخلَ كلّ معسكرٍ.
أمّا على مُستوى العالَمِ الثّالثِ وسيّما على مستوى العالَمِ الإسلامي، فالدُّولُ الفتِيّةُ كلّها نتيجةُ حتميّةٍ خارجيةٍ، علمًا أنّ النّضالَ السّياسيّ من أجلِ الاستقلالِ لمْ يصاحبْه تفكيرٌ ذاتيٌّ في طبيعةِ الدّولةِ السّياسيةِ عند إعلانِ الاستقلالِ. ما أفضى إلى ظهورِ دُوَلٍ قوميةٍ ذات صبعةٍ ليبراليةٍ و صبغةٍ اشتراكيةٍ ما يؤكّدُ تقييدَها إلى الدّولتَينِ العُظمييْنِ. وما أعاقَ الجهدَ الفكريَّ الذّاتيَّ للمُسلمِ وهُمِّشت بالفعل مرجعيةُ الإسلامِ في الفكرِ السّياسيّ لِتحلَّ محلّها المرجعيةُ اللّيبراليةُ أو الماركسيةُ، وأصبحت القوميةُ نهايةً لِذاتها مع كلّ ما تحمِله من تنازُعِ الهوياتِ النّفسية عندما تتحاذى في المجتمعِ.
٭٭٭
وكان فكرُ مالك بن نبيّ محاولةً لوضعِ المراحلَ الممكنةِ لإِعادةِ التّرتيبِ السّياسي والاقتصادي في العالمِ الإسلامي بما يَقتضيه التّصوّر الوُجوديُّ الإسلاميُّ. وفكرته أن تتكوّن اتحاداتٌ قطريةٌ بتنسيقٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ يعود بالتّكامُلِ والتّناغُمِ على البلدانِ الأعضاء، وقبل أن تأتي مرحلةٌ أوسعُ في نفس السّياقِ السياسي والاقتصادي والتي يتمُّ فيها إدماج الدّولِ الإسلامية. ما سيُساهِم في ترقيةِ ثقلِ العالمِ الإسلامي في العلاقات الدّولية وفي فرضِ وجهةِ نظرِه في المسائلِ التي تهمُّ مصالحه مثلَ قضية فلسطين أو تهمُّ مصيرَ البشرِ. إلاّ أنّ الأقدارَ لم تجرِ بما تمنّاه مالك بن نبيّ رغم سلسلةٍ من الأحداثِ من شأنها أن تثيرَ الحركةَ نحوه مثل استقلال اندونيسيا سنة 1947 ومثل اغتصاب أراضي فلسطين سنة 1948 ومثل اندلاع الثورة التحريرية في الجزائر سنة 1954 أو مثلَ نكبة العرب سنة 1967. وأمام كلّ هذه الفرص الضائعةِ أصدر مالك بن نبيّ حكمًا مفادُه أنّه بقيَ للمسلمُ الثّلث الأخير من القرن العشرين لأخذِ المبادرة الذاتية ليتخلّصَ من التبعيةِ. وإن لم يفعل فمآله إلى أسوء ما هو عليه من قبل. سيبقى حينئذٍ أداة التاريخ عوض أن يكون فاعلَه. وفي هذا الصدد قد أجاب التاريخ ولو رمزيًا لما كان يدعو إليه وفي الحدودِ الزّمنيةِ التي عيّنها وذلك من خلال تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران سنة 1979 كظاهرة إسلاميةٍ ذاتيةٍ وخارجَ الحتميةِ الخارجيةِ الممثّلةِ من قبل المِحور » واشنطن – موسكو « . فبعد أربعة عقودٍ من تكريسها أصبحت الجمهورية الفتيةُ القوةَ الاقتصاديةَ العشرين في العالَم، ولها المرتبة التاسعة في البحث العلمي، وتُتقنُ دائرةَ الوقود النّووي. وقد اجتازت عتبة الصناعةِ الفضائيةِ وصناعة الطيران، وأسست صناعة ثقيلةً مدنيةً وعسكريةً، ما أتاح لها أن تصبح قوةً إقليميةً. فكلُّ الطاقات الفاعلة في إيران محمولةٌ بالقوة عند باقي البلدان الإسلامية ولا يُشترط إلاّ الإرادة السّياسية لتصيرَ واقِعًا على أرض الواقع وفي زمنٍ قياسيٍّ.
أمّا المحور الثاني الذي تطرّق إليه فكرُ مالك بن نبيّ نعني العالمية فهو مشارٌ إليه بشكلٍ ضمنيٍّ فيما يُسمّيه » ثقافةَ الحضارةِ » من حيث أنّها تنبُذُ إرادةَ الهيمنة على الآخر وتدعو إلى ارتقاءِ التكاملِ بين الأُممِ وإلى إعطاء الأولوية للإنسانِ. ما يبعدها من المادية التطبيقية (Le matérialisme pratique) لليبرالية بجعلها الرّبحَ قبل الإنسانِ ؛ وما يبعدها من المادية الفلسفية للماركسية بإنكارها البعدَ الرّوحيَّ والتّنزيهيّ للوجودِ. ولذا تلقّى بن نبيّ بفرحةٍ كبيرةٍ تأسيسَ حركة بلدان عدمِ الانحيازِ سنة 1955 في » بوندنغ » باندونسيه. وقد رأى في هذه الحركة مظهرًا هدفه التخلّصَ من ثقافة الامبراطورية وإرجاعَ مكانتَها للقيم الرّوحية في كلّ أبعادِ حياة الإنسان.
بالفعلِ فإنّ الفضاءَ الجغرافي الذّي تحتلّه بلدان عدم الانحياز يجمع كلّ العناصِر البشرية مع امتزاجٍ كاملٍ ويتضمن مجرى كلّ الرّسالاتِ السّماويةَ التي تلقّاها الإنسان على اختلاف أنماطِها. ومنها الحكمة الصينية والهندية ومنها البوذية ومنها الإسلام والمسيحية واليهوديةُ ناهيك عن الواقع أنّ هذا الفضاء الإنساني يمثّل أغلبيةَ البشرِ عددًا. ما وظّفهم لِحملِ طريقٍ ثالثٍ يختلفُ من الليبرالية ومن الشيوعية. وما وظّفهم لِتوحيدِ البشرِ قاطبةً بموقعهم البرزخي بين شرقِ الأرض ومغربها
وهنا أيضًا لم تأتِ هذه الحركةُ ثمارَها المرجوّةَ منها لأنّ قادتَها لم يكونوا على المستوى الفكري والسّياسي من مهمّتِهم إذ تأثّروا من غير قصدٍ أو بحسن نيّةٍ إمّا بالخطاب الليبرالي إمّا بالخطاب الماركسي، بحيث تكوّنَ شقاقٌ ضمنيّ في الحركة بين مائلٍ إلى روسيا ومائل إلى أمريكا. ما أدّى إلى إضعافِ الحركةِ الحاليّ بعد ما لعِبت دورًا هامًّا في تصفيةِ الاستعمارِ شكلاً. إلاّ أنّ مع ممَرِّ الوقتِ والمراجعةِ الفكريةِ التي يتيحُها يبدو جليًّا أنّ النّموذجَ الغربيّ قد وصل إلى حدّه في انهيارِ الاتحاد السّفيتي ثمّ في أشكال الاستلاب التي آلت إليها إثــنَيْنيّة » الإنتاج والاستهلاك » في المعسكر الغربي ناهيك عن انقلابِ التّقنِيةِ على حياةِ الإنسانِ من خلال القوّة التدميرية التي خزنها ومن خلال تدهور البيئة إلى ما لاَ رجعةَ فيه ومن خلال الأخطار التي سيُسفِرُ عنها تغييرُ تركيبِ الكائنات الحيّة. وأمام هذه الآفاقِ الخطيرة لم يبقَ للإنسان سوى الرّجوعَ إلى ثرواتِه الرّوحيةِ لِيستَرجِعَ رُشدَه ولِيُعيدَ النّظرَ في نموذجِ الحياةِ بجعلِ الاقتصادِ وسيلةً وليست نهايةً لذاتِها وليربِطَ فنُّ السّياسةِ وصلَه مع القيمِ الرّوحيةِ حتى يظهرَ في أسمى ما كلّف اللهُ الإنسانَ في الأرض. وللإسلام في هذا الصددِ من قوّةٍ ذاتيةٍ ما يُخوّلُه الاستجابةَ لكلِّ أشكالِ الطّلبِ الرّوحي. وبما لا تتمكّنُ الدّياناتُ الأخرى إيفاءه نظرًا لِبُـــنيـــَتِها الأصلية أو نظرًا لِحدودِ مداها أو نظرًا لِتدهوُرِ وظيفتِها الظرفيّ.
وخلاصةُ القولِ أنّ من جملةِ المعلوماتِ التي يستَـــنــبِطُها الباحثُ من فلسفةِ التاريخِ أنّ كلَّ حضارةٍ عبارةٌ عن دائرة حياة. ما يُثبِتُ أنّ لكلّ حضارةٍ بدايةٌ ونهايةٌ. وباعتبارِ سلسلةِ الحضاراتِ التاريخيةِ المتتاليةِ فإنّ نهايةَ حضارةٍ ما في إحداثِيّاتٍ تاريخيةٍ معيّنةٍ تتبِعها دائمًا بدايةُ حضارةٍ أخرى بإحداثِيّاتٍ أخرى كأنّ القيمَ الحضاريةَ تهجُرُ مكانًا لمكانٍ آخرٍ. والملاحظُ أيضًا أنّ الحضاراتِ تبلغُ اتّساعًا فضائيًّا غيرَ مسبوقٍ قبلَ أن يُصيبَها الفشلُ وتنطفئُ. ومن هنا فما هو شأن العولمةِ من هذا الوصف ؟ من البديهي أنّ الوصفَ السّابقَ لا يتطابقُ على العولمةِ. ذلك أنّها ظاهرةٌ حضاريةٌ تجري أمورُها في إحداثيّاتٍ غيرِ مسبوقةٍ بحيث تضمُّ الإنسانيةَ قاطبةً ويجتازُ حجمُها حجمَ الإحداثياتِ المحدودةِ السابقةِ. ومن جهةٍ أخرى فإنّ حجمَ العولمةِ يُبعدُ فرضيةَ هجرةِ القيمِ لأنّ هذا الاحتمالَ غيرُ واردٍ في ظلِّ عولمةٍ عمّت كلّ البشر وكلّ الأقطارِ الأرضيةِ. ما يُنذِرُ أنّ الإنسانيةَ قد بلغت مبلَغَها وأنّها على وشكِ حدثٍ عظيمٍ لم يسبق له مثيلٌ في أطوارِها. أليسَ في هذا الحدثِ المُرتَقبِ تكمُنُ مهمَّةُ الإسلامِ في إظهارِه على الدّينِ كلّه كما وعدَنا الله في محكمِ تنزيلِه ؟ ما يوحيِ وشكَ استقامةِ سلمِ القيمِ في نمطٍ يتوسّطُه الدّافِعُ الرّوحيّ مع إرجاعِ فنِّ السّياسةِ والاقتصادِ إلى كونِه وسيلةً في خدمةِ المجتمعِ واستقرارِه وتناغُمِهِ.
خ