ثقافة الإمبراطوريّة : جذورها التّاريخية والنّفسية والفكرية والدّجالة

ثقافة الإمبراطوريّة 

جذورها التّاريخية والنّفسية والفكرية والدّجالة

  حمزة بن عيسى

إنّ كلمةَ  » إمبراطورية  » مشتقّةٌ من الكلمةِ اللاّتينية IMPERIUM، مفادها السّلطةُ السّياسيةُ، تمييزًا من المرجعيةِ الرّوحيّةِ التي تُعطيها شرعيتَها. هذا شأنُ كلِّ الحضاراتِ التي سبقتْ العالَم الحديثَ، والمبنيّةِ على رسالةٍ سماويةٍ. وأمّا عبارةُ  » امبراطورية  » فهي النّطق المعرّب لكلمة IMPERATOR صادرة من الكلمةِ الأولى المذكورةِ فمفادها رئيس الدّولة مع اتّساعِ المعنى إلى كلِّ الفضاءِ الجغرافي والإنساني المبسوطِ عليهما نفوذُ السّلطةِ الّسياسيةِ. وأمّا مصطلح  » ثقافةُ الامبراطورية  » الذي استحدثهُ المفكّر مالك بن نبيّ في سياقِ معالجتِه ظاهرةَ الحضارات، فيقصد به ثقافةَ الغربِ الحديثِ الهادفةَ فرضَ سيطرتِها وهيمنتِها على كلّ الأممِ الأخرى مع تجريدِها من أراضيها وخيراتِها بل مع إبادتها كأنّ قهرَ الآخرِ هو المحرّكُ الأساسيُّ والطّبيعيُّ لها وما يترتّب على ذلك من مؤسّساتٍ مسخّرةٍ لاستثمارِ الهيمنةِ. 

إنّ ثقافةَ الامبراطوريةِ في أُورُبّا لم تُولد صدفةً كما اكتفَيْنا بالإشارةِ إلى ذلك في أحاديثٍ سابقةٍ، بل هي ظهرتْ بعد القرونِ الوسطى في سلوكِ الإنسانِ الحاملِ للأنانيةِ طبعًا والهاوي لها في حياتِه اليوميةِ والمتجنِّدِ للدّافِع المادِّي كالتّوجُّه الوجوديِّ الوحيدِ والممكنِ للإنسانِ. وقد كرّس التيّارُ الأُنُسي (Le courant humaniste) هذا المنهجَ بِتناغمٍ مع طبقةِ التّجار والبنوكِ الناشئةِ قبل أن يُنظّرَ له في وقتٍ لاحقٍ. نذكّر أنّ بروزَ التّيارِ الأنسيِّ وانتشار نفوذِه في المجتمع، لم يتمَّا إلاّ بشرطِ تراجُعِ القيمةِ المسيحية بتراجُعٍ ذاتيٍّ لتأثيرِ الكنيسةِ بسببِ سقوطِ قاداتِها وتخلّيهم رُويْدًا رويْدًا عن نموذجِ المسيحِ (ع) وبتعلّقِهم بالأطلالِ النفسيةِ التّابعةِ للحضارتين اليونانية والرومانية القديمتَيْن. ما يُنذِرُ أنّ هذه البقايا النفسيةَ مفتوحٌ لها البابُ لِتفشّيها في نفوسِ النّاسِ حتى تُصبحَ لاحقًا قوّةً تعارض سياقَ الدّين في المجتمعِ. ونضيف أنّ ما أسرعَ تفشّي هذه الظاهرةِ السّلبيةِ هو حظرُ منظّمةِ الهيكل  (L’ordre du temple) الذّي أقدمت عليه الكنيسةُ سنة 1312 وإدانةُ أفراده ظلمًا في فرنسا سنة 1314 مع أنّ هذه المنظمةَ المكتوبَ نظامُها من قبل SAINT BERNARD، تمثّل في الحضارة المسيحية نافذةً روحيةً تتجاوز عتبةَ الاعتقاداتِ العامّة إلى حقيقتِها الكونيةِ والرّوحيةِ. ما يُطلعنا على قيمةِ حضرتِهم على الكنيسة وعلى أجهزة الحِرفِ وعلى كل المجتمعِ. وكانوا على وصلٍ مع أهلِ الله في الإسلام كلما استشكل عليهم الأمرُ في المسائلِ الرّوحيةِ. وبحظر منظمة الهيكل وبمطاردة أعضائها وإدانتِهم ظلمًا، بدت ملامِحُ سلطةٍ سياسيةٍ تدّعي أخذَ الشرعيةَ من ذاتِها ودون حاجةٍ إلى مرجعيةٍ روحيةٍ ترسّمُها.   

هذا ما أقبل عليه ملك فرنسا (Philipe Le Bel) مؤسّسُ الملكيةِ المطلقةِL’absolutisme royal  والمُبادرُ للنّموذجِ السّياسيّ الذي سيعُمُّ لاحقًا ربوعَ أورُبّا في ظروفٍ محليةٍ مختلفةٍ كما سنراه بعد حينٍ. وإذا علمنا أنّ السّياسةَ فنُّ تدبيرِ شؤونِ أمّةٍ بموجبِ توازُنِ فئاتِها وتناغُمِ أفرادها وتعاضدِهم بعضهم لبعضٍ وبموجب التوفير لهم الأمن الدّاخليَّ والخارجيَّ،  فما أقدم عليه هذا الملكُ مناقضٌ حرفيًّا لما جاء في التعريف السّابق. إذ أحدثَ انقلابًا في معنى وفي ممارسةِ هذا الفنّ لِيجعلَ من السياسة منهجًا محتكرًا لإرضاءِ هوى الملكِ أوّلاً وأخيرًا وعلى حساب المجتمعِ الذي وُلِّيَ عليه. 

ولما كانت هوى نفسِه لا تقبلُ أيَّ حدٍّ كان لشهواتِها أخذ الملكُ كلَّ حقِّ رعِيّتِه ونقضَ العهودَ المبرمةَ وزوّر النّقود حتى اضطرّ للتّوجّهِ إلى ذوي الأموالِ والبنوك الناشئةِ لإرضاء فسوقِه وفجورِه. فمنحوا له القروضَ وشروا منه الوظائف السياسيةَ كتسييرِ المدنِ وشروا منه  » متقنات الحرف  » (les maîtrises) لاحتكارها. ما أعاد توجيهَ معنى الحرفةِ من تقييدها بالقِيمِ الرّوحيةِ إلى جعلها مجرّدَ وسيلةٍ للمعيشةِ ولنيل الرّفاهيةِ. وفي المقابل لِما قدّمتهُ تسرّبت طبقةُ التّجار والبنوكِ رويدًا رويدًا في مجاري السّلطة السياسية وأوحت العزلَ التدريجي للطبقة السياسية والعسكرية العتيقة، حتّى أن سيطرت على رمزِ الدّولة مع ممرّ الوقتِ. وبالتّوازي لتسرّبها السّياسي داخلَ أجهزةِ الدّولةِ، استفاد نفوذُ القوّةِ الماليةِ من كلِّ ما حمله بالفعل « الإصلاحُ الاحتجاجي »(La réforme protestante) من زيغٍ عن روح المسيحية بإحلالِه الرِّبَا في المعاملةِ الماليةِ والتجارية وبِوَضْعِه مقامَ الإيمان الذي هو الإلهامِ في المقولات النفسية أي في صورةٍ ممزوجةٍ بالعاطفةِ وطلبِ السّلوانِ، ناهيكَ عن جعله فقهَ الدّين مسألةَ النّظرِ الفردي فقط باستبعادِه مبدأَ مرجعيةٍ دينيةٍ روحيةٍ كالكشفِ تفوقُ طورَ النّظر. ما دفع هذا التيار الديني المنحرفَ إلى التعاضدِ بالفعل مع التيارِ الأنسيّ بجعل الأنانيةِ والدّافع المادي كمنهجٍ شرعيٍ للحياةِ. وقد أسفر هذا الانسجام الوجودي بين التيار الأُنسي والإصلاح الاحتجاجي على توسُّعِ قاعدةِ التّيار الفكري والفلسفي الذي غذّته القوّةُ المالية لتبرير نمطِها الوجودي ولإعطائها شرعيةً لتسرّبها في أجهزة الدولة ثم لقلبها نظام الملكية. ويكمن هذا الفكر في إفراغِ واستبعاد كلّ ما يذكر التصور الوجودي المركّز على الرّوح، ثم في ملئ الأذهان بفكرةِ الانفصال بين الدنيا والآخرة وبإنكار أيّةِ جدليةٍ بين الأولى وبين المصير إلى الثانية وأخيرًا بتكريس المقاييس الفكرية المستحدثةِ كمطالبةِ التّقدّم وتعظيم الطبيعة إلى آخره.

إنّ هذا الانقلابَ السّياسي في قمّةِ الدّولةِ حدث بالتّدريجِ وبأشكالٍ عديدةٍ تلائمُ الوضعَ العامَ السّائدَ في بلادٍ ما. ففي  » إيطاليا  » مثلا، إنّ حظر منظمة الهيكل  » فتح الباب للفوضى والعنفِ السّياسييْن لقُرابةِ قرنيْنِ مع ظهورِ عِصاباتٍ مرتزقةٍ تدعى » condottières  » تنصِب وتستأصِل في الميدانِ السّياسي بقوّةِ المالِ حتى نظّر Machiavel لسلوكِها ليُصبحَ منهجًا سياسيًّا. وبينما ساهمتْ هذه الفوضى السّياسية في إضعاف الكنيسة في مركزها التّاريخي وفي نشرِ الفكرِ الأُنسي تأسّست جمهورياتٌ تجاريةٌ في شكلٍ سياسيٍّ مختلفٍ. فجمهوريةُ GENES مثلا اعتمدت شكلَ دولةٍ مائلةٍ إلى المغامرات الخارجية نحو إفريقيا، وأمريكا والهند وفيها مكانة لرأس المال اليهودي. أما جمهورية VENISE، فهي ارتدتْ شكلَ حزبٍ أحاديٍّ يتظاهرُ بالدّين ومحرّكُه الدّافعُ المادّي والرّبا. وأما جمهورية FLORENCE فهي عين الفكر الأُنسي، وواجهت روح الهيكليّين مثل معارضتها لنداء DANTE السّياسي لتأسيس دولةٍ مرجعيتها الرّوحُ.

أمّا في  » فرنسا  » فقد ارتدى الانقلابُ السّياسيُّ لفائدةِ النّفوذِ المالي شكلَ عمليةٍ بطيئةٍ نظرًا للمقاومة التي اعترضتها بسببِ رسوخِ المذهبِ الكاطوليكي في البلاد، بحيث أنّ إذا كان الحكمُ بيدِ ذوي المالِ منذ القرن الرّابعِ عشرَ تقريبًا، فتكريسُه الرّسميُّ لا يرى النّورَ إلاّ عند ثورة 1789، بعد أن أحدثَ التّيّارُ الأدبيُّ والفلسفيُّ في المدنِ رأْيًا عامًّا كافٍ لتوظيفِ الجماهيرِ الشّعبيةِ في خدمةِ القوّة الماليةِ وراء ظواهر ثورة شعبيةٍ. وقد تحمّلَ التّيارُ الأدبيُّ والفلسفيُّ مسؤوليةَ مقاومةِ مبدأ الدّين على يدِ الموسوعيّين مثلDIDEROT    وD’ALEMBERT. فهي نافذةٌ إلى حدِّ الآن في فرنسا من خلالِ كلّ القوانين والمشاريع المناهضة  للدّين وراء مطالبةِ الحريّةِ.

وأمّا في بلاد  » الانـــﭭــليز  » فالتّحاذي المبكّرِ بين طبقةِ التّجارِ والملكية المطلقةِ التي نظّرَ لها HOBBES، أفضى إلى فكِّ الصّلةِ العضويةِ الرّابطةِ بين الكنيسةِ المحليةِ والبابويّةِ الرّومانيةِ لجعلِ أو لِوضعِ الأولى تحت وصايةِ الملكِ بموجبِ قانون  » Suprémacy Act أصدره Henry VIII، مع تجريده الكنيسةَ من كلّ مكاسبِها المادية وتوزيعها على الأعيان وعلى ذوي الأموال. وبعدَ ظهور حركة  » الإصلاح الاحتجاجي  » في ألمانيا مع كلّ ما تفرّع عنها من نزعاتٍ متضاربةٍ، هجرت إحداهنّ المسمّاة « l’Eglise anabaptiste   » إلى بلاد  » انـــﭭــلترة  » أين وجدت أرضًا خصبًا لاتجاهِها وانسجمت مع طبقةِ التّجار وفكرة الملكية المطلقةِ نحو نصرةِ الدّافع المادّي ونحو صعودِ القوّة الماليةِ. وبعدما هُزمت المقاومةُ الكاطوليكيةُ الممثّلة من آل STUARTS، تخلّصت القوّة المالية وعلى رأسها CROMWELL ، تخلّصت من الملكية المطلقة بإعدام الملك سنة 1649 وبتجريد خلفائه من كلّ صلاحياتهم السياسية القديمةِ وبإرساء الملكية الدّستورية في القرن الثامن عشر ميلادي.

وأمّا في ألمانيا فالتّحول السياسي مختلفٌ ممّا هو عليه في البلدانِ الثلاثة المذكورةِ آنفًا. ولذلك فالمسارُ السياسي أخذ طبعًا خاصًّا ولو كان حضورُ طبقةِ التّجار والبنوكِ راسخًا وفي نموٍّ مستمرٍّ. والسّببُ في ذلك أنّ روح الهيكليين باقٍ محسوسًا رغمَ حِظارِهم الرّسمي. ما أبقى المجتمع الألماني في تركيبه القديمِ، بحيث أنّ القوّةَ الماليةَ هنا لم تصل إلى السّيطرةِ على الحكم السّياسي كما فعل أشياعُها في باقي أوربّا الغربية. ذلك أنّ في ألمانيا أحدث تراجُع الكنيسة انزلاقًا معنويًا من الهوية الرّوحية المسيحية إلى مطالبة الهويّة النّفسية وهوية الأجداد تحت تأثير الأُنسيّةِ والتي أيقظت في الأذهان عناوينَ وبقايا الذّاكرةِ الجماعية حتى أصبحت قوّةً في نفوس الناسِ.   

وبما أنّ هذا الرّجوعَ إلى الماضي تمَّ في غيابِ استقامةٍ روحيةٍ، ارتدت مطالبةُ الذّاكرةِ الجماعيةِ في ألمانيا شكلاً عنصريًا يقيّدُ الفنَّ السّياسي وأجهزةَ الدّولةِ مع ادّعاء مهمّةٍ على رأس الإنسانيةِ. ولذا في ألمانيا بقيَت القوةُ المالية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، بقيَت في شعبة الوسائل المسخّرة ومعها الفلسفة المسخّرة لمهامِ الدّولة السّياسية.

وقبلَ ختمِ كلِّ هذه العباراتِ حول الجذورِ التّاريخيةِ لثقافةِ الإمبراطورية بقيَ لنا أن نذكرَ علاقتَها مع رأسِ المالِ اليهودي. وقد أشرنا في هذا الحديث إلى توجّه رأس المال اليهودي نحو المغامرات الخارجيةِ في إطار سياسة GENES ، إحدى الجمهوريات التجارية الثلاثة الإيطالية. ولمّا تراجعت المرجعيةُ المسيحيةُ وظهرت الملكية المطلقةُ وصعدت القوةُ الماليةُ ونفوذُها السّياسي صارت هذه الأحداثُ أبوابًا مفتوحةً لارتقاءِ القوّةِ الماليةِ اليهوديةِ. كأنّ كلّ مرحلةِ ضعفٍ للمسيحيةِ تُصاحبُها مرحلةُ تخلُّصِ رأسِ المال اليهودي من القيود التي وضعتْها الكنيسةُ للحدّ من نفوذه في المجتمع حتى أصبح يُستثمر داخل أوربَّا ذاتِها. ومن جهةٍ أخرى قد أعطى طردُ اليهودِ من إسبانيا في القرن الخامس عشرِ، أعطى لِرأس مالهم فرصةً ثمينةً لاستثماره في  » الأقاليم المتحدة  » (Les provinces unies) أي فيما يسمّى الآن  » هولندا  » حتى سيطرَ على جلّ المعاملات المالية والتجارية على مستوى أوربا والبحر الأبيض المتوسط وذلك ابتداءً من القرن السّادس عشر (م). وفي هذا السّياق نذكّر أنّ بعد عودتهم إلى انـــﭭــلترا بقرارٍ منCromwell  ، في القرن السّابع عشر وبحسب ما أورده J. attali، في كتابه Le monde, les juifs et l’argent ،(Fayard 2002) فإنّ اليهودَ منحوا للدّولةِ البريطانية قروضًا لتمويلِ البُنية التّحتِيةِ وحصلوا على مراقبةِ تسييرها. ما أمكنَهم التّحكم في اقتصاد المملكة منذ القرنِ الثامنِ عشرِ. 

إنّ نفس العمليةِ تكرّرت بولادة الولايات المتحدة الأمريكية لفائدتهم. وأينما تأخّر تمدُّدُ شبكةِ رأسِ المالِ اليهودي، كأوربا الوسطى تمّ هذا التّمدّد بواسطة غزواتB.Napoléon فضلا عن منحِه اليهودَ جنسيةَ البلادِ الذي يقطنونَه على غرار ما فعلته فرنسا منه سنة 1791. ما يُطلِعنا على جانبٍ من عولمةِ القوة اليهودية وسيّما على قوّتهم الماليةِ منذ قرونٍ إلى يومنا هذا. والسّر في ذلك يكمن في تشرّد اليهود التاريخي الحالي والذي له علاقةٌ وطيدةٌ بالدّور المنوطِ بهم في آخرِ الطّورِ البشري كما سنتطرّق إلى ذلك في آخر حديثنا. 

فتشرّد اليهود يُموقِعهم دائما وراء الحدود القوميةِ ما يمكّنهم بالدّوام كسبَ أولويةِ الأخبارِ الاقتصادية والمناورة فيها قبل منافسيهم المحجورة طاقتُهم الاقتصادية في الحدود الوطنية. فبواسطة دورِ اليهودِ أصبح المالُ بيد اليهودِ قوةً عالمية بشهادة K.MARX، في كتابه  » المسألة اليهودية « La question juive  » (Ed. 10-18  (إذ كتبَ أنّ  » اليهوديَّ تخلّص   [ من القيود التي تحدُّ من حركتِه] تخلّص بشكلٍ يهوديٍّ لا باستيلائه على السّاحة المالية فقط، بل بسببه وبخلاقِه أصبح المال قوةً عالمية وأصبح العقل التطبيقيُّ اليهوديُّ عقلاً تطبيقيًا عند المسيحيّين « . 

***

إضافة إلى جذورها التاريخية الظاهرة، لثقافةِ الامبراطوريةِ جذورٌ خفيةٌ تمثّلها المنظماتُ السّرية. فهي فضاءٌ راسخٌ وثابتٌ إلى يومنا، حيث تتفاعل بل تتنازع فيه نُخبُ الحداثةِ في الكواليس لقيدِ السّياسة بموجب الدّافع المادي والقوة المالية داخل الوطن وعلى مستوى الإقليم أو على مستوى الدّولي. ما يجعل من كلّ الفضاء السياسي أداةَ السلطة المالية في خدمة السلطةِ المالية، بعيدًا كلّ البعد عن كيان الشعب الذي تُرجع إليه رسميًا الشرعية السياسية بمقتضى الدّعاية أنّ  » الشعبَ منبع السلطة « . 

والخوض في شأن المنظمات السرية صعبٌ جدًّا لِجهلِ جلّ الخائضين فيه مراتبَ معنى السرّ المتعلّقِ بها أوّلاً، وثانيا لتوجيه البحثِ فيها قصد التضليل حتى يبقى الموضوع غامضا لدى الرأي العام، بحيث أن يجد كلُّ واحدٍ فيما قرأ أو سمِع ما يلائم ميلَ نفسه. ولذا لا تُذكر عادةً المنظمات السرية في الإعلام والبحوث إلاّ بحذرٍ أو بخجلٍ دون أن يصل القارئُ أو المخاطبُ إلى فكرةٍ دقيقةٍ لتحديد موقفه منها. ولا يفقه أمرَ المنظمات السرية إلاّ من اقتـــفى أثر ما جاء على يد أهلِ الله حتى تبيّن فيها الخبيث من الطيّب. فبحسب ما جاء على قلمِ الشيخ عبد الواحد يحي وما يُستخلص منه فإنّ السّرَّ سِرّان وأنّ المنظمات السّرية نوعان.

فالسِّرُّ الحقيقي هو السّر المكنون الغائب والمتعلق بالذات المقدّسة والتي هي محلّ سلبِ الأحكام والقيود لإطلاق شأنها بحيث أنّ النّظرَ واللسان عاجزان عن التعبير عن حقيقتها وإن لم يجهلاها مطلقا. وفي مرتبةِ تَدَلٍّ عن حقيقة هذا السّر المطلق، فالسّر تابع لأمره تعالى الموجِد لكلّ شيء ولا يطّلع عليه إلاّ الرّسولُ والنبيّ والوليّ كلّ بما سبقت له منّةُ الله في الأزل. وهو سرّ مرمى السفر الروحي لدى الذاكر الملقّن. وفي مرتبة تدلٍّ أخرى فالسر تابعٌ لمشاهد الأكوان التي تصادف سفر الفقير الروحي إلى الله. إنّ هذه الأسرار محمولةٌ بتفاوتٍ من قبلِ كل الرّسالات السّماويّة على اختلاف أشكالها وأهدافها الروحية. وفي الحضارة المسيحية قبل ظهور العالم الحديث جرت العادة أنّ السّر الروحي ثابتٌ في مراتبِه السّفلى عند الهيكليين وعند منظمات الحِرف، وغايتُه منزلةُ آدم القديم. أمّا السّر التّابع للمنظمات السّرية الحديثة فهو سرٌّ نسبيٌّ جدًّا لِمداه المحدود ولا يتجاوز الغاية الدّنيوية. ومن هذه المنظمات فرعٌ ذو أصالةٍ تاريخيةٍ إلاّ أنه منحرفٌ عن روحها، بحيث أنّ دوام التلقين فيها مسخّرٌ لهوى النفس ولكل ما يبعد الإنسانَ عن مقاصده الرّوحية، فيصبح التّلقين هنا تلقينًا في خدمة الدّجالla Contre)initiation). هذا مصيرُ الماصونيةِ الحديثةِ بعد تراجُعِها إلى الجدلية الفلسفيةِ ومناصرتها للدّافعِ المادّي ولكلّ ما يصبُّ فكرًا وعملاً نحو الفسادِ الوجودي. وأوّل منظّمةٍ ماصونيةٍ زائغةٍ عن غايتِها الرّوحيةِ المسمّاة (La grande loge d’Angleterre).

وقد نشأت سنة 1723 بمبادرةٍ من Anderson بعدما تحمّلَ هذا الأخيرُ جريمةَ حريق المحفلِ St Paul بــ  » لندن  » والذي كان عضوا فيه. والهدف من هذا الحريق إخفاءَ انحرافِ كلِّ ما سيُحدثُه في تنظيم المحفلِ الجديد لِملائمتِه لاتّجاه  » الإصلاح الاحتجاجي  » كنَبذِ مبدأ المرجعية الرّوحية أو كحجر فقه الدّين في حدود ما يُعطيه النّظر الفردي أو كنُصرةِ الدّافع المادي وإباحةِ الرّبا ناهيك عن نبذِ الوفاء للملِكِ. فبِتفريخها في أوربا وأمريكا وحول البحر الأبيض المتوسط مهّدت الماصونية الحديثة لتسرّب النفوذ اليهودي فيها لتوطيد هيمنتِه في كلّ المعاملات المالية والتجارية وعلى مستوى الكرة الأرضيةِ وفي مضاعفةِ تفشيِّ الفكر الأنسي في المجتمعِ. إنّ التّلقين في خدمة الدّجّال أيضًا مصير بعض المنظّماتِ السّريةِ اليهودية في سياق انحرافِ الطريقةِ  » الحَسِدية  » (Hassidisme). ما أفضى إلى إنتاجِ اليهوديةِ المنحرفةِ (Le judaïsme dévié) والحاملةِ للتّنبُّؤ الدّجّال (Le pseudo prophétisme) مع K. Marx من خلال ادّعائه الوجودَ مكنونًا في ما سمّاه  » الجدلية المادية  » ومع Durkheim من خلال جعله المجتمعَ المبدأَ و المرجعَ الوحيدَ لحقيقة الإنسان ومع S. Freud الذي جعل من الامتدادات النفسية السُّلفى منبعًا للدّين والحضارة أو مع A. Einstein من خلال مفهومه  » النسبية العامة  » الذي يترك الوجود في تفاعلاتِ مكوّناته جاهلاً وحدتَه رغم محاولاته إدراكها من خلال المنهج الرّياضي. ولليهودية المنحرفة بصمةٌ خاصةٌ في المنظمات السرية ذات ميلٍ عاطفيٍّ ولا حقيقيٍّ لتراثِ الهيكليين والمنتشرة في ألمانيا وأوربا الشمالية مثل منظمة  » La stricte observance  » علما أنّ هذه المنظمات تجنّد أعضاءها في النُّخب السّياسية، فأصبح أصحابها عرضةً وأداةً لِسحرةٍ يهوديةٍ تدّعي أمامهم معرفةً روحيةً عاليةً. وكما يبدو الأمر على كلّ ما أوردناه عن الشيخ عبد الواحد، فنفوذ اليهود يشمل كلّ ساحات الحياة المالية منها والسّياسيّة والفكرية والنفسية بقدر ما تراجعت المسيحية وتلاشت القيود الموضوعة سابقًا في وجهه.

أمّا خارج إطار المنظماتِ السرية القديمة والمنحرفة، هناك كلّ المنظمات المستحدثة والمدعية وهمًا أصالةً إلى التراث المصري واليوناني القديم. فهي عموما إناءٌ فارغٌ من الرّوح ووسيلةُ مناورات الكواليس صوبَ الدافع المادي ولتقييد سياسة الدول إلى ما يخدم مصالح السلطة المالية والتي يعتليها رأس المال اليهودي.        

ومن جملة هذه المنظمات  » الجمعية التيؤوسوفية (La société théosophique). فهي ظهرت على تقاطع الهويان الماصوني والتعلّق بإحداث الظواهر الحسية. فلها منذ نشأتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (م) فلها وصلٌ شبه عضوي مع المخابرات البريطانية، ووظيفتها فضلا عن هويانها الداخلي الطبيعي تشويه فهم مغزى الرسالات عن العامة والنُّخب الظاهرة المستعمرة حتى بزغ التيار البهائي في إيران والتيار الأحمدي في باكستان وأخيرا حتى صنعت شخصيةَKrishnamurti   » معلم الكون  » المزعوم في الهند.

أمّا البهائيةُ فتكوّنت بانحرافٍ عن الطريقة البابيّة، فهي تناقضُ مبدأ الرّسالة المحمّدية خاتمَ النّبوّة التشريعية وتدّعي إعلانَ رسالةٍ جديدةٍ تحملُ كلّ ما تهوى إليه نفوسُ النّخب المالية والسّياسية البريطانية والأمريكية. ما يدلّ على منبعها الغربيّ الحديث علمًا أنّ مقرّها الإداري في حيف بإسرائيل. وتُذكر البهاية من حين إلى آخر في إطار المناورات الجيو السياسية في الشرق الأوسط. أمّا التّيار الأحمديُّ فميزتُهُ الاعتقاد أنّ شيخه هو المهديُّ المنتظرُ ودون أن يُعلم عنه زيغٌ صريحٍ عن الأحكام الشرعية الإسلامية. وبما أنّه لم تحدث الاستقامة المنتظرة من المهدي في حياة الشيخ، وبما أنّ الشيخَ مات ولم يقض على المسيح الدّجال بموجب ما جاء في الخبر وما زالت الإنسانيةُ تعيش حاليًا مظاهرَ الدّجال ولم يحِن ظهورُه بِعينِه، فكما قال الدّاعي عمران حسين لو كانت الأحمدية على الصّواب لتخلّى أفرادها عن النسبة إلى شيخهم وظيفةَ المهدية ولم يفعلوا. 

وأمّا شخص Krishnamurti فهو هندي الأصل خطفته المنظمة التّيووسفية منذ صغره رغم معارضةِ والديهِ وعرّضتْه للاعتداء الجنسي. هدف المنظمة من هذا التصرّف صيرورة عقله وفكرهِ في موقفٍ يعارض روح الرّسالة الهنديةِ. وقد استطاع الشخص في وقتٍ لاحقٍ أن يتخلّص جسديًّا من مخالِب هذه الجمعية وبقيَ نفسيًّا وفكريًّا في سياقِها. ففكرُه لا يتجاوزُ طورَ النّظرِ مع الجحودِ لِما يعتليه في مراتب الوجودِ. والدّعاية أنّه محقّقٌ لتغطية مواقفه الضّالةِ، فهذه الدّعاية يُكذِّبُها خضوعُه لقيود الأكوان كما يشير إلى ذلك تعلّقه الخاص بالحياة الدّنيا ويُكذّبُها أيضًا إنكارُه لمبدأِ الدّين الذي يوحِّد كلّ الرّسالاتِ. وبإنكارِه هذا يناقضُ ما أكّده الأولياء فضلاً عن الأنبياء والرّسلِ. وهنا وفي حدودِ فِكرِ Krishnamurti بصمة المنبع الغربي الحديثِ الذي صنعه على صورته كما يشهد لذلك أيضًا السّهولةُ التي تُطبع كُتبه وتُنشر في كلّ ساحات الكتب.

وأخيرًا إنّ صلةَ ما ذكرناه في الأمثلة الثلاثةِ بالنفوذ البريطاني يعني صلةً بالنفوذ اليهودي الشّاملِ. وللإشارة فقط ولمن أراد أن يطّلع على تفاصيل المراجع اليهودية حول دور اليهود في العالم الحديث عليه أن يلجأ إلى شبكة التواصل حيث تُذاع الأعمالُ الجامعيةُ للباحث Pierre Hillard. فهي مهمّةٌ من حيث القيمة الوثائقية إلاّ أنّها تفتقرُ إلى مقاييسِ التحقيق الروحي والانحراف عنه. ما يُنقص من صحة تأويلاته.

***

بعد ذكر جذورها التاريخية، لنا أن نلفت النظر نحو المقاييس الفكرية التي دفعت ثم واكبت مجرى ثقافة الامبراطورية. فهي عموما تغذي السلوك بما يتماشى مع الدافع المادي ومع رغبة الخلود إلى الأرض.          

وقد تطرّق بإسهابِ الشيخ عبد الواحد يحي إلى هذه المسألة في كتابيه  » La crise du monde moderne  » (أزمة العالم الحديث) وLe règne de la quantité et les signes des temps (مُلك الكمية ومعالم السّاعة). 

إنّه وضع في أساس هذا الانقلاب الفكري علة الأنانية (L’individualisme) التي لا تتصرّف إلاّ بما تهوى النّفوس حتى غرق صاحبها في الفسوق والفجور بالظواهر المحترمة. وقد ترتدي هذه الرّذيلة قوة كبيرة حتى تُخضِع لسلطانها قوة العقل كي يسير هذا الأخير على شاكلتها ويُرافعَ لمنهجها. وأول مرتبة الأنانية الغفلة عن الحقيقة الروحية ثم الجحود بها وإنكار قوة الكشف كقوة قائمةٍ في الكيان البشري فوق قوة النظر. فيسلك صاحب الأنانية دروب الدافع المادي في الظاهر ويتحمّل منهج النظر التحليلي (La logique analytique) إلى أجل غير مسمىّ في المعرفة ودون أن يصلَ إلى توحيد حلقاتِه المتتالية مع أنه يُحسّ بتلك الوحدةِ بمزجٍ من الغموضِ والتعصُّب في الموقفِ الرافضِ لاحتمالِ ما وراء الطبيعةِ وبمزجٍ من الجهلِ بحقيقةِ الأشياءِ. إنّ كلَّ هذه الوجوهِ النّفسيةِ الخاضعةِ لها قوّةُ العقلِ، هي الرّحِمُ الفكريُّ الذي تولّدتْ عنه الفلسفةُ العقلانيةُ والطبيعيةُ (La philosophie rationaliste et naturaliste). فهي من حيث المنهجُ المعرفيُّ نتيجةُ إخفاقِ قوّةِ النّظرِ في إدماجِ أعراضِ الطبيعةِ في وِحدةِ مبدئِها الرّوحيّ. فـــ R. Descartes هو المؤسّسُ غيرُ القاصدِ للعقلانيةِ (Le rationalisme) بعد فشلِه معاينةَ الحقيقةِ الرّوحيةِ. فأسفرَ ذلك الفشلُ عن جعلِ فجوةٍ اصطِناعيةٍ بين عالَمِ الرّوحِ وعالمِ الشّهادةِ، قبل أن يُستبعدَ في مرحلة تالية العالمُ الرّوحيُ من حكم الوجودِ (L’exclusion de l’Esprit du champ du réel). وممّا أسفر عنه هذا الفشلُ في علمِ اليقينِ (La connaissance discursive) الفصل الاصطناعيُّ بين العالِمِ ومعلُومِهِ (La dissociation artificielle du sujet de la connaissance et de son objet). والفلسفةُ العقلانيةُ والطبيعةُ وجهانِ لِمحاولةِ تبريرِ سلوكِ الأنانيةِ، فهي في نفس الوقتِ تصوُّرٌ يَحجُرُ الوجودَ في حدِّ وسعِ طبيعةٍ تصيرُ في تيّارِ زمنٍ معتقَدٍ مفتوحٍ إلى الأبدِ. ويكمنُ سرُّ هذا التّصوُّرِ المبتورِ في صرف النّظرِ عن أنّ الأعراضَ – والطبيعةَ أعراضُ – تقييدٌ بالغيرِ أي أنّها قائمةٌ بما يَكنّها ويتجاوزُ مرتبة وجودِها. ما يجعل قيمةَ العقلانيةِ المعرفيةِ قيمةً ناقصةً. ومطالبةُ العلميةِ (La scientificité) لنفسِها مناورةٌ فكريةٌ للتّغطيةِ على طبيعتِها الفلسفية حتّى لا يُحتجَّ على منطقيّةِ فرضياتِها.

وفي غيابِ فرصةٍ روحيةٍ أو بالأقلِّ فرصةٍ فكريّةٍ تدعو العقلَ النّظريَّ إلى ربطِ الصّلةِ بفرضيّةِ المبدإِ المنَزّهِ الذيّ يوحِّدُ الأعراضَ الوجوديّةَ كلَّها، وفي ظلّ عجزِ النّظرِ على توحيدِها نظرًا لِسياقِه التحليليّ ثار الفكرُ الحديثُ على نفسِه بجعلِ العاطفةِ الأنانيةِ وقوّةِ الغرائزِ سرَّ وحقيقةَ الوجودِ كلِّهِ. ما أفضى إلى ظهورِ الرّوحانياتِ الحديثة (Le néospiritualisme) ذاتِ خطرٍ على صحّةِ الإنسانِ النّفسيةِ. ومنها  » الاندفاعُ الحيوي  » (L’élan vital) لـــ Bergson  والذّي هو مزجٌ من الأنانيةِ و من القوّةِ الغريزية الهائمةِ. إنّ هذه الوضعية النّفسية للفكرِ الحديثِ تُطلِعنا على المكانةِ الضّخمةِ التي يحتَلُّها هويانُ النّفسِ في النّصوصِ الأدبية الحديثةِ وفي الفنون الحديثةِ أكانت تشكيليةً أو مسرحيةً أو كانت سنمائيةً، تدّعي الابداعَ والجمالَ والتّحرُّرَ مع أنّها مظهرٌ للاستِلابِ ومطهرٌ لتفَشيّ الاستلاب في حياة الناس، إلى أسفلِ سافلينَ.

وقد دفعت نفس الأنانيةُ  » الإصلاحَ الاحتجاجي  » (La réforme protestante) إلى نفس الانزلاقِ الوجودي بوجوهٍ أخرى كإنكارِه مبدأِ السّلطةِ الرّوحيةِ فوق آفاقِ قوّةِ النّظرِ أو كإسقاطِه منزلةَ الإيمانِ من عين اليقينِ والكشفِ (L’intuition intellectuelle) إلى درجةِ تردُّدِ النّظرِ بين الشّكِّ والدّليلِ أو بجعلِه فهمَ الحقائقِ الرّوحيةِ في مهبِّ التّهافُتِ في هواه. وهنا أيضًا وكما حدث للفكر الأُنسيّ فغيابُ مرجعيةٍ روحيةٍ يُحتكمُ إليها دفع إلى تعدّدِ النّزعاتِ الاحتجاجيةِ بتعدُّدِ مُدّعيها ومؤسّسيها. فسقط فهمُ الدّين بنسبةِ حقائقِه إلى الامتداداتِ النّفسيةِ السّفلى (Les prolongements inférieurs de la conscience) مع William James ، كما سقطت فكرةُ الوجودِ إلى وسعِ عالَمِ الشّهادة مع John Locke  في فلسفتِه الحسيّةِ (La philosophie sensualiste)، بحيث أنّ الوجودَ أصبح محصورًا في ما هو عمليٌّ ونافعٌ مباشرٌ (La pratique et l’utilitaire). 

ومن جهتِه لم يخلُ الوسط اليهودي من تفشّي الهاويةِ الأُنسيةِ فيه، إضافةً إلى استفادتِه من التّحوّلات النّفسيةِ والاجتماعيةِ والسّياسيةِ نحو صعودِ الدّافِع المادّي بقدرِ ما تراجعَ نفوذُ الكنيسةِ بعد العصور الوُسطى. فالفكرُ الأُنسيُّ أثّرَ على نفس Spinoza  في القرن السّابع عشرِ حتى جعل من خلقِ الله حقيقتَه الكاملةَ. فأحدث مفهومَه  » Le panthéisme  » والذي أنقصَ من مدى مفهوم الدّين إلى أن جعله عبارةً عن تأليه أعراضِ الطبيعةِ، متجاهلاً كلَّ ما وراء الطبيعةِ من عالم الرّوح ومن حقيقةِ الحقائقِ التي هي الذّاتُ المقدّسةِ. لأنّ ما يُسمّى الرّسالةُ أو الدّين عبارةٌ عن ذكرٍ محدَثٍ كما جاء في القرآن، ذكرٌ يعرض مراتبَ الوجود المقيّدِ أي أمرَه تعالى، ويوقِظُ الهمّةَ لحقيقةِ الغيبِ المكنونِ والذي يعجزُ اللّسانُ الإخبار عنه إلاّ بالإشارةِ. إنّ هذا الوصفَ الخاطئَ الذي ظهر على قلمِ Spinoza نحو فكرةِ الدّينِ أوصلَه إلى جعلِ الكونِ الخلقي (L’univers existentiel) في هاويةٍ لجهلِ مبدئه ولجهل غايتِه ما دفعه إلى إنكار فائدة النّسك. وهذا جزاء ضلال العقلانية. إنّ هذا القصور في فقهِ أسرارِ الوجودِ العليَا بصمةٌ لعجزِ العقلِ النّظريِّ أن يُعبّرَ عن ما وراء الطّبيعةِ وإن يُدرك منطقيًّا فكرةَ وجوده. وفي وقتنا هذا أصبح تهافُتُ spinoza الفكريُّ محلَّ توظيفٍ في إطار التضليلِ الفكريّ والدّينيّ تحمّله المستشرقون ومعهم L. Massignon . فعِوضَ أن يتركوا مفهومَ Panthéisme في معناه الحرفيّ أي تأليهُ أعراض الطبيعة غضّ المستشرقون الطّرف عن هذا المعنى ليجعلوا مكانَه ويُسوّونه زورا بمفهوم  » وحدة الوجود  » الصّوفية مضيفون إليه معنى التّجسّد والحلولِ (L’incarnation). 

إنّ الهدف هنا من استبدالِ المعنى بالمعنى، نقلُ الفتنة إلى عقل المسلمين حتى يتحفّظواخطأً عن معنى وحدة الوجودِ الحقيقية مع أنّها عبارة عن التوحيد الحقِّ الذّي يفوقُ مرتبتًا التوحيدَ الذّي يُفضي إليه علمُ اليقين وعينُ اليقين. بالتالي فلا علاقةَ البتّةَ لمفهوم وحدةِ الوجود مع الحلولِ ولا مع فكرةِ الحلولِ. ذلك  أنّ معنى الحلول تابعٌ لما يتولّدُ من جماعِ أمرينِ طبيعيين. ما لا يليق قوله في شأن أمر الله الموجِد لكلّ شيءٍ والنّافذ فيه بدون واسطةٍ تُذكرُ، بحيثُ أنّه حقيقتُه. وفي هذه المرتبة من المعرفة والتحقيق يزول حكمُ الخلق الباقي في علم اليقين وعين اليقين، ليظهر حكمُ وجه الله تصديقًا لقوله تعالى ﴿ كلّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهه ﴾ (القصص، 88). علمًا أنّ كلمة  » الشيء  » في الآية مفادها الخلق وأنّ كلمة  » الوجه  » فيها مفادها أمره تعالى. وللإشارة فقط قد استورد الخطابُ الوهّابي كلّ هذه المعاني الزّائغة ليطعن في مبدأِ نهج التّصوّف دون الفرق بين المتصوّف الذّاكر وبين المدّعي التّصوّف وهو غريبٌ عن مسلكِه. 

وبالعودةِ إلى تأثيرِ الأُنسية في الوسطِ اليهوديّ جعلُ قوّةِ النّظرِ فوق كلّ اعتبارٍ. فصار يقول اليهوديّ M. Mendelsonأنّه لا يتمسّك بالدّين إلاّ بما يُعطيهِ النّظرُ أو يدلُّ عليه. وقد أثّر أيضًا الفكرُ الأنسيُّ في الوسط اليهوديّ في إشكاليةِ تعامُلهم مع تحفّظِ الأمَمِ إزاءهم. فمنهم كـ D. Friendlander من اقترح التّخلّي عن الخصوصيةِ اليهوديةِ (Le particularisme) واعتناقِ المسيحيةِ. ومنهم كـ D.Einhorn من نادى إلى عملية إصلاحٍ على غرارِ ما جرى في المسيحية وإلى تركِ اللّغة العبريّة واعتماد اللغة الألمانيةِ مكانَها. وأخيرًا منهم كــSamson Rafael  من دعى إلى البقاء على اليهوديةِ ولغتِها إلى أن يأتيَ الله بخلاص اليهود من بلاء تشرّدهِم.

وبينما كانت ولم تزل مشكلةُ استقامةِ حال اليهود من التّشرّدِ محلَّ مشاعرٍ متناقضةٍ، أقدمت فرقةٌ منهم إلى الخوضِ فيها باللّجوء إلى علم الحروف والتّنبُّؤ، فارتخت اليقظةُ في مراقبةِ الشروط في الترشّحِ للتّلقين (L’initiation) حتى تسرّبت قواتٌ غيرُ آهلةٍ داخلَ المنظّماتِ السّرّية وسيما داخل الطريقة  » الحسدية  » (Hassidisme) المؤسّسة من قبل إسحاق لوريا (Isaac Luria) في القرن السّادس عشر (م). وأدّى هذا الاختراقُ شيئًا فشيئًا إلى أن تُصبحَ الطريقةُ مظهرَ أفرادٍ يزيغونها عن هدفِها الرّوحيّ لتسلُكَ سلوكَ السّحرِ والدّعوى بالتّنبّؤِ بموعد نهاية شقاءِ اليهود.

وهكذا في النصف الأول من القرن السّابع عشر خرج شخصٌ اسمه Sabbataï Zevi  يدّعي أنّه المسيح المنتظر وأنّ استقامةَ حال اليهودِ ستحدثُ سنة 1648 (م). غير أنّ هذا الموعدَ فضلاً أنّه لم يرَ النّورَ فتلك السّنة كانت من أسوءِ السّنواتِ عاشها اليهودُ من قتلٍ وعذابٍ، مع كلّ ما صاحبَ ذلك من خيبةِ أملٍ عند أتباعِه، ناهيك عن إعلانِه إسلامَه كرهًا. إلاّ أنّ مجرى الأحداثِ بما لا تشتهيه سفينة Sabbataï Zevi لم يقتُل أملَ الاستقامةِ بل بقيَ تيّارٌ كاملٌ عل عهده وسيّما في وسط النّوّابِ الدّينيين، رغم إقصائِه من الجماعةِ اليهودية. ولذا فقَرْنٌ تقريبًا بعد Sabbataï Zevi   ظهر شخصٌ يُدعى Jakob Frank ويدّعي بدوره أنّه المسيح المنتظر. فهو ابنُ رِبّي  » سَبّطي  » ينادى اليهودَ لترك التّورات والتّلمود وإلى تحمّل الفسوقَ والذّنوب إلى أقصى حدّ ممكنٍ لأنّ ذلك بزعمِه هو السبيل الوحيد للوصول إلى الاستقامةِ المرجوّةِ. وعن هذا الرّحمِ الفاسدِ تولّدت نظرية التحليل النفسي لـــ S. Freud مع كلّ الأخطارِ النفسية التي يحملها والتي تحدق بكلّ طبيبٍ يمارسُها وبكلّ مريضٍ يرجع إليها. ولفكرK.Marx   وفكرDurkheim   ولفكرBergson   صلةٌ حميمةٌ بنفس الرّحم الفكري. 

***

إنّ الأنانيةَ ومُبرِّرَها العقلانيةَ الأنسيةَ في أوربّا الغربيةِ واكبتَا تراجعَ الكنيسةِ وبروزَ المملكةِ المطلقةِ وصعودَ التّجّارِ الاجتماعيَّ والسّياسيَّ في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وفي الأقاليمِ المتّحدةِ (Les provinces unies) في شمال أوربّا. أمّا في ألمانيا، وإن كان النّفوذُ الأنسيُّ واقعًا تفشّى في نفوسِ النّاسِ بقدرِ ما تقدّم انتشارُ الإصلاحِ الاحتجاجيِّ فهو لم يفلحْ ولم يصلْ إلى قلبِ النّظامِ السّياسيّ القديمِ، على غرارِ ما أحدثَهُ في البلدانِ الأوربيّةِ الأخرى. والسّببُ في إبقاءِ الشّكلِ السّياسيِّ العتيقِ، أنّ روحَ الهيكليّين ما زال تخيّمُ على كلّ ربوع ألمانيا، بحيث أنّ الفكرَ هنا لم يسلُك سبُلَ التّبريرِ للتّحوّلاتِ الدّافعةِ نحو مناصرةِ الدّافعِ المادّي ونحو إضعافِ القيمِ المسيحيةِ. بل نظرَ الفكرُ الألماني بنوعٍ من القلقِ إلى ظاهرةِ إفراغِ المسيحيةِ من التّصوّرِ الوجوديّ، وتساءلَ عن ما سيُسفِرُ عنه ذلك. ما أفضى إلى صراعٍ فكريٍّ حقيقيٍّ بين الاتجاهِ الأنسيِّ الذي دقّقْنا ملامِحَه سابقًا، وبين الاتجاهِ الباقي على تقليدِ القيمِ المسيحيةِ دون أن يطّلِعَ على مغزاها الرّوحيِّ.

فالفكرُ الأنسيُّ يصبُّ نحو إحياءِ الذّاكرةِ الجماعيةِ (La mémoire collective) ليجْعلَها هُويّةً مرجعيّةً تخلُفُ الهُويّةَ الرّوحيةَ المسيحيةَ. ما يؤكّدُ مناصرتَه للدّافعِ المادّيِ ولمنهجِ الخلودِ إلى الأرضِ. أمّا الفكر الذي يركنُ إلى التّراثِ المسيحيِّ فهو مفتقِرٌ إلى كسبِ حقيقتِه. ما خلاّهُ على فهمٍ سطحيٍّ منه كما يدلّ على ذلك الوضعُ الشّكليُّ والضعيفُ للمنظّمات السّريّة التي ذكرناها آنفًا والتي تعرّضتْ لاحقًا لتسرّب داخلَها نفوذٍ منحرفٍ ألمانيِّ الأصلِ ويهوديٍّ ومُعادٍ لمبدأِ الدّينِ. فغيابُ مرجعيةٍ روحيةٍ معرفةً وتحقيقًا أرغم الفكرُ الباقيّ على التّراثِ المسيحيّ لِيلجأ إلى النّظرِ والفلسفةِ الوسيلتيْن البقيّتيْنِ لديه لتعويضِ كلِّ ما فقده من يقينٍ إثر تراجُعِ المسيحيةِ في المجتمعِ. وهذا المنهجُ ليس سهلاً لِما يترتّبُ عليه من صعباتٍ بل من أخطارٍ لحدودِ وسيلتِه النّظرَ ولاحتمالِ هويانِ نفسِ الخائضِ في موضوعِ الاستقامةِ الفكريةِ. وهذا ما حصلَ فعلاً بتفاوُتٍ في الدّرجةِ لــ E. Kant ولـــ Schopenhauer    و لـــــ Hegel   ولــــ Nietzsche و لاحقًا لــــ C.G. Jung .

أمّا Kant فقد طالب النّظرَ لِيُطلِعَه على سرّ المعرفةِ فاصطدم بحدودِ قوّتِه. فمن حيث جانبُه العملي (La raison pratique) فالنّظرُ عاجزٌ عن الوصولِ إلى حقيقةِ الأشياءِ لأنّه لا يعايِنها مباشرةً بل لا يُدركها إلاّ بواسطةِ القوى النّفسية والجوارحيةِ. ومن حيث جانبُه التجريديُّ (La raison pure) فأقصى ما يصلُ إليه النّظرُ بعد تجاوُزِه الأسبابَ الثانويةَ هو الإقرارُ بمنطقيّةِ فكرةِ سببِ الأسباب La cause suprême) ) لكن دون أن يوضّحَ السبيلَ نحو هذا السّببِ الأوّلِ. ومن جهةٍ أخرى كونُ النّظرِ لا يُدركُ إلاّ بوساطةٍ جعلَ واردًا احتمالُ الخطأِ في تقييمِ ما أُدرِكَ. ما يثيرُ الشّكّ في خلاصةِ الإدراكِ ويتطلّبُ إقامةَ الدّليلِ لها. وأخيرًا كونُ النّظرِ ذا سياقٍ تحليليٍّ  (logique analytique) مفتوحٍ يستبعد الاطّلاعَ على نهايةِ أو غايةِ الأمرِ الذي ينظرُ فيه. ما منعه أن يُحيطَ بالوصلِ الفضائي الزّمني مثلَ ما يشهدُ لذلك  » فيزياء الجزئيات  » (La physique des particules). وأمام كلِّ هذه الحدودِ التي تحدُّ من مدى النّظرِ بقيَ علمُ الأكوان عند Kant في شكلِ تساؤلاتٍ متناقضةٍ وبدون جوانبٍ مثل  » هل الكونُ محدودٌ في الفضاء أم هو غير مُتناهٍ ؟ وهل الكونُ محدودٌ في الزّمن أم هو خالدٌ ؟ لأنّ حدودَ النّظرِ في معرفةِ الوجودِ قيّدت مساعي Kant لإطلاعِه على سرّ مقاصِدِ الأحكامِ الدّينيةِ في الحياةِ وما بعد الحياةِ. وهنا أيضًا إنّ غيابَ وسيلةٍ روحيّةٍ تفتحُ للهمّةِ البابَ نحو الكشف (L’intuition intellectuelle) و التنزيه (La transcendance) منع النّظرَ أن يرى في الدّين تنزيلاً ومركبةً مُثلى وأسرع في نهجِ التّقرّب إلى اللهِ في الدّنيا والآخرة. ما خلّى الفيلسوفَ في أوحالِ جدليةِ الخيرِ والشّرِّ النفسيةِ والتّردّدِ بين جانِبيْها. بحيث أنّ ما سمّاه   » الأمر القطعيّ لفعلِ الخير  » (L’impératif catégorique du bien) كخُلُقٍ وكمنبعِ السّلوكِ يفيدُ في أحسنِ التقويمِ اقتصادَ النّجاةِ. أمّا في جوِّ الهويانِ الذي يُخيّمُ على مجرى الإصلاحِ الاحتجاجيّ فيكاد  » الأمر القطعيُّ  » أن ينحصرَ في الدّعوةِ لِلملموسِ وللمتاعِ إلى حين (La pratique et l’utilitaire).

وإذا كان جهدُ  Kant الفلسفيُّ نتيجةَ مبادرةٍ ذاتيةٍ فإنّ حالَ  Schopenhauer حالُ رهينةِ القوّاتِ الجماعيةِ المحرَّرَةِ دون قيدٍ في سياقِ الأنسيةِ. ذلك أنّ في غيابِ استقامةٍ روحيةٍ فالخائضُ في معنى الوجودِ يعرّضُ صحّتَه النفسيةَ لهاويةِ القوّاتِ الجماعيةِ. فحين أطلقَ Schopenhauer عبارتَه  » الكون كإرادةٍ وكتصوُّرٍ         (Le monde comme volonté et comme représentation) فهو لم يُعبّر عن المشيئة الإلهيةِ ولا على تجلّي تلك المشئيةِ الرّبانيةِ في كونٍ مَا، بل تفوّهَ عن القوّاتِ الجماعيةِ التي تغلغلتْ في كيانِه حتى تزعزع وكاد يفقدُ عقلَه لولا أن تداركَه إيمانُه. ولمّا اطّلع على أخطار هويانِ القواتِ الجماعية في نفسِه وفي استبعاد خلاصِه بالمسيحيةِ لجأ الفيلسوفُ إلى حالِ  » عدم الإرادة  » (Le non-vouloir) الذي استقاه من البوذيةِ دون أن يفهمَ مغزاهُ الرّوحيَّ والمشيرَ إلى العبوديةِ أي إلى المظهريةِ الرّبّانيةِ كما يشهد لذلك مثلُ الرّسلِ والأنبياء والأولياء.       فعدمُ الإرادةِ عند الفيلسوف تفيد الإمساك عن الخوضِ في أهوالِ القواتِ الجماعية سواءٌ في الفرد أو في الجماعةِ ليتجنّب شرّها.

وأمّاHegel  فهو منسجمٌ في تيّارٍ فلسفيٍّ رفع قوّةَ النّظرِ إلى منزلةِ باب المعرفةِ الأسمى، والذي جعل من المعرفة مُلائمة المشاهدِ الطبيعية لمقاييس الفكرِ النّظري (L’adéquation de la réalité concrète à la pensée). ما انتهى إلى التصوّر الوجودي المسمّى المثاليةُ (L’idéalisme).

وقد أدمج هذا التّيارُ الفلسفي في تصوّره واقع الدّين بما تُتيحه قوّةُ النّظر ليس إلاّ. ومن الصحيح أن يكون Hegel مُمثِّلاً بالامتياز لما وصل إليه الفكر الأنسيُّ في عصره مع الظّنِّ الجازمِ أنّ مقاييسَه صالحةٌ لفهم وتوضيح حاضرِ وماضي كلِّ الإنسانيةِ أي أنّها لا تُردْ ولا تُقهرْ. وقد فوّض Hegel الفلسفة دورَ التوضيح والإفصاحِ لما وقعLe rôle de la philosophie est d’expliquer ce qui est ) ) بموجب وسعِ النّظر. ما يدلّ أنّ القيمة المعرفيةَ (la valeur épistémologique)  لفكرHegel لا تتعدّى درجةَ علم اليقين أي الدّرجةَ السُّفلى في سُلّمِ المعرفةِ المُدرجةِ في الرّسالات السماوية.  لذا لا يمكن أن تؤخذَ على محملِ الجدّ عباراتِ  » الروح الكلّ  » (L’Esprit universel)  » والدّولةُ الكلّيةُ  » (L’Etat universel) الواردة في خطاب Hegel الفلسفي والسياسي، لأنّ العباراتِ السابقةَ ذكرُها تتعلّق بعالم الرّوح وشؤونِه وتتجاوز طورَ النّظرِ. فورودِها في الخطاب الفلسفي لنعتِ مشاهدِ الفكرِ غير مشروعٍ. والدّليلُ على ذلك أنّه لمّا تطرّق لمبدأِ الدّولة والشرع لم يذكر Hegel منبعها السّماويَ الواردَ في الحضارة الإسلامية تحت مسمّى  » سنّة الله  » أو في الحضارة الهندية تحت مسمّى  » مَنوُ  » (Manu) أو في الحضارة المصرية القديمة تحت مسمى  » منَس  » (Menes) أو في الحضارة اليونانية تحت مسمى  (Themistès) أي  » الأمر السماوي  » بل أرجع Hegel مبدأ الدولة إلى نظرية العقد الاجتماعي الحديثة، العقد الذي من شأنه حسب مُروّجيه كـــ  Hobbes أن يضمن مِلكَ الناس وأن يمنع العنف بين أفراد المجتمع. ما يُطلعنا أنّ نظرية العقد الاجتماعي بنيةٌ فكريةٌ وُضعتْ تبريرًا  شرعيًا للمنهج الوجودي الخاص بطبقة التجار ولانقلاب النظام السياسي الذي أحدثته حتى يصبح الأمرُ الواقعُ في أذهان الناس أمرا طبيعيا يلائم التوجيه الأنسيَّ. ومن جهةٍ أخرى أرجع Hegel مبدأ الشرع إلى إيقاف الغريزة منطقها لتضع له حدودا. الشيء الذي لم يحدث أبدا في المشاهد الطبيعية الحيوانية. إذ الغريزة قوة طبيعية مجبولةٌ لقضاء حاجةٍ كالتغذي والكسب والدفاع والجذب وتنطفئ بعد قضائها. ولا يتغير طبعها مطلقا ما يدلُ أنّ ما جاء على قلمِ Hegel في تأسيس الشّرع بُنيةٌ فكريةٌ أنسيّةٌ تجحد ضمنيًّا المبادئ الرُّوحيةِ وتصبُّ كنظرية العقد الاجتماعي نحو تكريس الدّافع المادّي في حياة الناس.

وأمّاNietzsche   فهو من ضحايا الفرديّةِ للقوّاتِ الجماعية وفي نفس الوقت علامة لما سيحدثُ لاحقًا في ألمانيا على مستوى الجماعي. لقد كان يحملُ استعدادًا قوِيًّا وعليًّا للتحقيقِ بالمعنى الرّوحي. إلاّ أنّ غيابَ الوسيلةِ لِيُثمِرَ ما لديه بالقوّةِ جعله عُرضةً لِتهافتِ الفلسفةِ والأهوالِ النفسيةِ التي أيقظتْها في ذاتِه العناوين الأنسيةِ التّابعةِ للذّاكرةِ الجماعيةِ. فعلاً فإنّ Nietzsche لم يجدْ عند الكنيسةِ من يرشدُه لأنّها لا تتصوّرُ دوامَ المسيحيةِ إلاّ بالتساؤلِ والمحاكِمِ. ولم يجدْ عند ذوي الاحتجاج إلاّ ما يُبعدُه عنهم نظرا لتظاهرهم بالدّين ولِبواطِنهم الفاسِقةِ. فما بقي له حينئذٍ إلاّ اللُّجوءُ كرهًا إلى ما كان ينوي اجتنابَه بمعنى الفلسفةَ والتّحليلَ النّفسيَّ قبل الحرفِ.

وهكذا بعدما أدرك بالقوّةِ مراتبَ الوجودِ والفرقَ بين العامّةِ والخاصّةِ، وبعدما أدرك بالقوّةِ أيضًا حقيقةً عُليَا تجمعُ تناقُضَ طُعمِ الخيرِ وطعمِ الشّرِّ السّاريانِ في حياة البشرِ لم يجد أحدًا يُلقِّنُه الوسيلةَ حتّى يُصبحَ ما أدركه بالقوّةِ عينًا ثم حقًّا يُنوِّرُ كيانَه. فدفعه ذلك الغيابُ إلى البحث والسُّؤالِ الفلسفيّ وإلى مواجهتِه جدليّةُ القوّاتِ الجماعية التي تَكنُّها أعماقُه في سياق الفكر الأُنسيِّ. وصار مظهرًا لهويانِها على غرار ما حدثَ من تزعزعٍ للخائضين في الذّاكرة الجماعيةِ في غيابِ استقامةٍ روحيةٍ.

استِكمالاً لما أوردناه حول أثرِ الأُنسيةِ في التّيارِ الفكري الألماني الذي بقي على التراثِ المسيحيّ شكلاً، لنا أن نذكرَC.G.Jung. فهو متخصّصٌ في التحليل النفسيّ. وبذلك فهو زميلُ S.Freud والذي يفوقُه عمرًا بِعَقديْن تقريبًا. فثُناءُهما مع الثُّنائيK.Marx-Engels  يشخِّصان رمزيًّا التواصلَ التاريخيَّ بين اليهوديةِ المنحرفةِ والأُنسيةِ. إنّ ثقافةَ Jung أوسعُ ممَّا عليها ثقافةُ Freud وهو فانٍ نوعًا ما في التراث الجماعي وما ورد فيه من رموزٍ سيّما في التراث الأوربّي القديم والمسيحيِّ. إلاّ أنّه لم يستَوْعِبها إلاّ بما تُعطيه مقاييسَ الفكر النّظري. وله نوافذُ مفتوحةٌ إلى تراثِ الأُمم الأخرى القديم.

إنّ C.G.Jung معروفٌ بإقرارِه بُعدًا روحيًّا في الإنسانِ، ما جعله نظريًّا في مواجهة أطروحاتS.Freud   التي تُرجع منبع الدّين إلى عروجِ الغرائزِ. وواقع الأمر يُعطي العكسَ أي أنّه سلكَ نفسَ الاتّجاه الذّي يصبّ فيه S.Freud. السّبب في ذلك أنّ فهمَ Jung للرّموزِ فهمٌ لا يتعدّى وسعَ النّظرِ والخيالِ، فضلاً عن أنّ تأويلاتِه في واقِع الدّين خاضِعةٌ لمقاييسَ نظريةِ التّطوّر والتي وضعت حقيقةَ الوجودِ في أسفلِ مراتِبِه. وجعل Jung من الرّوح مجرّدَ قوّةِ  صعودٍ غامضٍ يَكنُّها التّراثُ النّفسيُّ الجماعيُّ في تفاعلاتِه وأهوالِه ذلك أنّ تصوّرَه الوجوديَّ محجورًا في جمع عالَمِ الشّهادةِ والامتداداتِ النفسية السُّفلى (Les prolongements inférieurs de la conscience) مع كلّ ما تُؤويه من فسادِ الرّموزِ (La dégénérescence des symboles) الموروثةِ ومن الأخطارِ التي تحملها في طيّاتِها. نضيفُ أنّ  عملية التّفرُّدِ النّفسيّ (L’individuation) والتي جعلها  مفتاحًا لحياةٍ متوازنةٍ، فهي تدفعُ في الواقع إلى إغراقِ الإنسانِ في هويان القواتِ الجماعية، ما يساهم في ترقية الفوضى على جميع مستويات الحياة البشرية بخلط الأعراضِ النفسيةِ بالمنازلِ الرّوحية (La confusion du psychique avec le spirituel). كلّ هذه المسلّماتِ تدلُّ على أنّ Jung أخطرُ من Freud نظرًا للقبولِ المباشرِ الذي يتمتّع به لإقرارِه النّظري بالبعد الرّوحيّ عند الإنسان. ولذا أدرج الشيخُ عبد الواحد يحي التحليل النفسي في شعبةِ التحقيقِ الدّجّال (La contre-initiation) قبل أن يظهرَ منهاج الدّجّال بِعينِه (La contre-tradition).

***

إنّ التّقاطُعَ الذي حدث في التِقاءِ تيارٍ فكريٍّ غربيٍّ مُنحرفٍ بتيّارٍ فكريٍّ يهوديٍّ منحرفٍ، انتهى إلى إعطاء دُفعةٍ جديدةٍ للدّافعِ المادّي ولخُلُقِ الخلودِ إلى الأرض في أوربّا وفي أمريكا الشمالية. إذ ظهرت نظرياتٌ فلسفيةٌ تؤيّدُ هذا الاتّجاهَ الوجوديَّ بدعوى حملِ الشّرح الصائبِ لأسرارِ الكونِ. وفضلاً أنّها المرحلةُ الفكريةُ النّهائيةُ التي وصلَ إليها نفوذُ السّلطةِ الماليةِ لفرضِ نموذجها الوجوديّ على البشريةِ، فهذه النظرياتُ تدّعي العلمية (La scientificité) لنفسِها حتى لا يُحتجَّ على فرضياتِها الفلسفية. إنّ هذه الطريقةَ من عاداتِ القرنِ التّاسعِ عشرَ الذي جعلَ من قوّة النّظرِ المقياسَ الأعلى للإقرارٍ بوجود الشيء. إذ يكتفي لخطابٍ ما أن يطالبَ لنفسِه نعتَ العلميةِ ليُعترَفَ به. هذا ما جرت به نظريةُ التّطوّر لـــ Darwin وما جرت به نظرية الجدليةِ المادية (Le matérialisme dialectique) لــK.Marx   وما جرت به أخيرًا نظرية التحليل النفسي (La théorie psychanalytique) لـــ S.Freud.

فنظريةُ التطوّر مبنيةٌ على ظنّ التقدم في زمنٍ مفتوحٍ والذي يتَمحْورُ الفكرَ الأُنسيَّ. وهي مبنيّةٌ أيضًا على الفكرةِ الضمنيةِ أنّ كلّ الكونِ محصورٌ في وسع عالمِ الشهادةِ وأنّه نتيجةُ تركيبٍ تدريجيٍّ لِذرّاتٍ موفّرةٍ دون سؤالٍ عن منبعها الأصليّ من حيث أنّها أعراضٌ (contingences). فحصل إثر هذا التركيب العهدُ المعدنيُّ ثم العهد النباتيُّ ثم العهد الحيوانيُّ الذي يكنّ الإنسانَ. و بحسب النظرية بعد أن وصل الأمرُ إلى عهد الحيوان وتكاثرَ عددُه عجزت الطبيعة أن تُنتِجَ ما يكفي لمعيشةِ هذا العدد الهائلِ، فصار محرّكُ التطورِ تسابُقا وتنافُسًا للبقاء (La survie)، بحيث أنّه لم يبقَ إلاّ الذي ضمن معيشته في هذا الصِّراع. فتحوّل نصرُه إلى إرثٍ يجري في دمِّ سلالتِه مُكوّنًا درجةَ تطوُّرٍ، ناهيك عن فرضية التّطور بالتحوّل المفاجئ (La mutation).

وعندما قارن الباحثُ مُعطياتِ النظرية إلى ما هو واردٌ في المشهدِ الطبيعيّ، لاحظ في علمِ الحياة(la biologie) ما يكادُ أن يؤكّدَها في أولِ وهلةٍ. لاحظ مثلاً أنّ الجنينَ في مراحلِ نُموِّه في الرّحمِ كأنّه يُكرّرُ مراحلَ ظهور الأجناس من الخليّةِ إلى الكيانِ الإنساني، بحيث أنّ كيانَ هذا الأخير يُعيد في مراحلِ تكوينه مراحلَ النوع الحيواني في الطبيعة. ولمّا أراد الباحث أن يؤكّد فحوى الملاحظةِ في الطبقاتِ الجيولوجية لم يجد بين الأنواع التواصلَ المباشر الذي يحمله الجنين، بل اصطدم بفجواتٍ بين الأنواع في تسلسلها الزمني، كأنّ نوعًا ما يظهر فجأةً في طبقةٍ معيّنةٍ ليذهبَ فجأةً في طبقةٍ تاليةٍ يحتلّها نوع آخر. ويُشار إلى هذه الفجوة بعبارة الحلقة الناقصةِ (Le chaînon manquant). وعوض أن يأخذ الباحث هذه المسلّمة ليعيد النظر في النظرية أخذ يؤوّلُ الأحداث الطبيعية كأنها تجري وجرت بموجب ما جاءت به نظرية التطور. هذا ما أشار إليهR. Lowie  في صدر كتابه (Introduction à l’ethnologie classique).

إنّ واقعَ هذه الفجواتِ الجيولوجيةِ في علمِ تاريخِ الحياةِ القديمة على الأرض، يدلُّ على أنّ التواصلَ بين العهودِ (Les règnes) والأنواعِ (Les espèces) والأصناف (Les classes) أنّ التّواصلَ (La continuité) لا يركُن إلى التّيّارِ الزّمنيّ، بل هو تابعٌ لوِحدةِ الكونِ الذي يكنُّها. ما أخرجَ مسألةَ سرِّ طبقاتِ الطبيعةِ من البحثِ العلميِّ الحديثِ لِكونِه لا يجري منطِقُه إلاّ في دوامِ تحليلِ العامِ أي الوجودِ المقيّدِ بالمراتبِ أو في دوامِ تحليل الخاص أي الوجود المقيّد بالوصل الفضائي الزّمني. فطبيعة البحثِ التحليلية تمنعه أن ينتهي إلى خلاصةٍ جامعةٍ، مع أنّ معلومَه متناهٍ بالطّبعِ (Limitation de nature) كما يشهد لذلك حلقاتُ علم فيزياءِ الجزئياتِ. بالتالي فلا سبيل للبحث الحديث إلى ما هو كلّيٌّ وكماليٌّ (Universel). نضيف أنّ في طبيعتها الحالية أُلغيت من النظرية مؤخّرًا عبارةُ  » الحلقةُ الناقصةُ  » محاولةً لِتجاوُز هذه العقبةِ الميدانية، لِتحِلّ محلّها فكرةُ  » الأصلُ الواحدِ  » (L’origine commune) لكلّ الأنواعِ. ما شكّل خُطوةً نحو الصّحيحِ وإن بقيتْ غامضةً لصعوبة الإفصاحِ عن فحواها لبحثٍ مقيّدٍ بالملموسِ. وبالعكس فعند أهل البصيرة فتكرارُ العهودِ والأنواعِ في مراحلِ نموّ الجنينِ إشارةٌ شهاديةٌ جسديةٌ إلى كونِ الإنسان محتضرًا لِعالمِه نتيجةَ إكرامِه من الله عزّ وجلّ على كثير من عباده.

وليستْ الفجواتُ الجيولوجية العائقَ الوحيدَ الذي يعترضُ محاوِرَ نظريةِ التّطوّرِ. فهناك مُعطياتٌ علميةٌ تُفنِّدُ ما اقترحَتْه النّظريةُ من استقرارِ سرعةِ الزّمنِ، إذ منحَ علمُ الفضاء والنّجومِ للكونِ الشهاديّ 15 مليار سنة، وللمجموعةِ الشّمسيةِ 4 مليار سنة، وللعهد النّباتي 500 مليون سنة، وللعهد الحيواني 300 مليون سنة وأخيرًا لظهورِ الإنسان بضعةَ ملايين سنة. إنّ هذا القصصَ الزّمنيَّ لبناءِ كوننا الشّهاديّ يُظهرُ تسلسلَ فتراتٍ زمنيةٍ تنقُص مُدّتُها من مرحلةٍ إلى الأخرى ومن عهدٍ إلى آخرِ. ما يدلُّ أنّ التّيّارَ الزّمنيّ لا يسري بسرعةٍ مُستقرّةٍ كما فرضت النّظريةُ بل يسري بسرعةٍ تتصاعد من فترةٍ إلى فترةٍ تاليةٍ. ما يؤكّد التّصوّرَ الزّمنيِّ الواردَ في سياق الرّسالاتِ السّماويةِ. وفي حضور زمنٍ تتصاعد سرعتُه من طورٍ إلى طورٍـ لو كانت التّظريةُ على الصّواب لكانت الطبيعةُ مشهدَ تحوّلاتٍ مباشرةٍ ومتواصلةٍ من نوعٍ إلى آخرِ ومن صنفٍ إلى آخرِ. فلم يحدث هذا الأمر في بطن الطبيعةِ. ذلك أنّ المعطياتِ العلميةِ تشيرُ إلى استقرار الأنواعِ وإلى وجودِ الحواجزِ التي تمنعُ الخلطَ والتّلاحُمَ بين الأنواعِ مثل الحواجزِ الموجودةِ بين صنف الخيلِ وصنف البقرِ.

وأمّا فرضية التّطوّرِ المفاجئِ فليس ثمّةَ إشارةٌ علميةٌ إلى حدوثِ مثل هذا الأمرِ. بل هناك عواملُ غير منتظرةٍ ومفاجئةٌ تقضي على التّطورِ إلى الأفضلِ مثلَ التّشويهُ العضويُّ ومثل حدثِ السّرطانِ. وأخيرًا هناك فرضيةُ العددِ الهائلِ كعامل يدفع إلى التّطوّرِ ولم تؤكّدها المعطياتُ العلميّةُ. فالجراثيمُ التي يرجعُ ظهورُها إلى ثلاثة ملايير سنة لم يتغيّر كونُها جراثيمَ رغم مصيرها طيلة هذه المدّة. وفي الخلاصة نستطيعُ القولَ أنّ رغم ضَعفِ فرضياتِها المفنَّدةِ في الميدانِ فبقيَتْ نظريّةُ التّطوّرِ في معتقَد وسطِ البحثِ العلميِّ والإعلامِ لأنّ الجوَّ الثقافيَّ العامَ مكيّفٌ لشاكِلةِ الدّافِعِ المادّي والخلودِ إلى الأرض. إنّ نظريّةَ التّطوّرِ بعثت في نفس الأوربّيين شعورَ التّفوّقِ والشّعورَ أنّ صفةَ الإنسانِ خاصةٌ بِهم وأنّ باقي البشرِ حالُ برزخ بينهم وبين القردةِ. ما برّرَ على أعيُنهِم حملاتِهم الاستعباديةِ نحو العنصر الأسود طيلةَ قرونٍ وإبادةِ الشّعوبِ لاغتصابِ أراضيهم ونهبِ ثرواتِهم مثل ما ارتكبوه في حقّ الهنودِ الحمرِ في أمريكا الشّماليةِ وفي الجزائر. وإن لم يُعلنْ هذا الشُّعورُ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ فهو نافذٌ ومدسوسٌ وراء خطابٍ ينشُد وحدة الإنسِ وحقوقَ الإنسانِ، بحيث أنّ شعورَ التّفوُّقِ لا يزالُ محرِّك السياسةِ الدّوليةِ بموجبِ منطقِ المُفترِسِ العاكِفِ على فريستِه. هذا ما يكنّه خطابُ المُعسكرِ الغربيِّ عندما يذكرُ مصالحَه الحيويّةَ. وفي شعبةٍ أخرى تحوّل شعورُ التّفوّقِ عند الأورُبّيين إلى استهزاءٍ بالعنصرِ الأسودِ.          

إذ طال ما يطلبُ الباحثُ لفردِ جليّةٍ إفريقيةٍ أن يفتحَ فمَّه ليقيسَ طولَ أنيابِه أملاً أن يجدَ الحجّةَ أنّه برزخٌ بين الحيوان والإنسانِ. وقد جرى هذا الاستخفافُ نحو العنصرِ الأسفرِ بجعلِ ملامِحه نتيجةَ خللٍ في وظيفةِ الغدّةِ الحنجُريّةِ. وأخيرًا إن ضعفَ نظريّةِ التّطوّرِ وما نتج عنها من عِداءٍ للآخرِ ومن الاستهزاء به يجعلها نظريّةً دجّالةً لأنّها مبنيّةٌ على جهلِ بدايةِ ونهايةِ الأشياءِ لرميِ الوجودِ في منطقِ الصّراعِ الدّائمِ، لا يرتفع فيه كيانٌ إلاّ لِيسقُطَ بعد حين.

وأمّا نظريّتا الجدليّةِ الماديّةِ والتّحليلِ النّفسيِ فهي بوجهٍ مُشتقّانِ من نظريّةِ التّطوّرِ والتي هي بمثابةِ المِحورِ لهما. وإضافةً إلى ضعفها المبدئي لما تحمّلتاه وٍراثًا فكريًّا عن النّظرية الأولى. فللنّظريتَين الأخريين وجهٌ دجّالٌ بأنّها أغرقت الإنسانَ في أوحالِ أعراضِ عالَمِ الشّهادةِ وامتداداتِه النّفسية السّفلى، وإن لم تستفد من الحصانةِ الدّائمةِ والمتواصلةِ المضمونةِ لنظريّة التّطوّر. إلاّ أنّها أثّرت في حياة النّاسِ بعمقٍ إذ أحدثت في نفوسها تصوُّرًا وجوديًّا مكيّفًا لشاكِلتيْها. وبقيت في دور التّأثيرِ والتقييدِ الفكريّ حتى كذّبتها الأحداثُ التاريخيةُ وكذّبت علمِيّتها المزعومةَ. فالاشتراكيةُ العلميّةُ (Le socialisme scientifique) لم تحدثْ كـ حتميةٍ تاريخيةٍ، بل خابت النّظريةُ في تنبُّؤاتِها وفي نتائِجها. ولقد تنبّأت بوقوعِ انقلابِ رأسِ المالِ في بريطانيا وفي ألمانيا محلّ ظهور المجتمع الصّناعيّ. ولم  يرَ النورَ الأمرُ، بل حدث في روسيا في موضَعٍ إنسانيٍّ نفَت عنه النّظريةُ وقوعَه نظرًا لِبقائه في المرحلةِ الفلاحيةِ من التّحوّل الاجتماعي. وخابت النّظريّةُ في مساعيها الاجتماعية بالدّخول في إنتاجٍ ضعيفٍ ومزمنٍ تُراوِده النّدرةُ. وتحوّلت النّظريّةُ إلى شكلِ دينٍ دجّالٍ شغلَ القيادةَ عقودًا مع كلّ ما ترتّب عن ذلك من مضايقةٍ وقمعٍ وقتلٍ أو نفيٍ إلى سيبريا نحو كلّ من اشتُبِه فيه. دام النّظامُ سبعةَ عقودٍ قبل أن ينهارَ نتيجةَ هشاشةِ فرضياتِه الفلسفيةِ قبل أن يكون انهيارُه نتيجةَ تنافسِه لليبراليةِ. وإذا كان K.Marx أصاب في وصفِه البؤسَ والاستيلابَ الذّي آل إليه المنهجُ الليبرالي، فهو خاطئٌ في ظنِّه أنّ الحلَّ في تعميمِ وسائل الإنتاجِ، مع أنّ العلةَ في فشلِ الليبرالية والاشتراكية تكمنُ في ترقية الدّافع المادّي وفي جعلِ الاقتصادِ في صميم حياةِ الإنسان. إنّ هذا الاتجاهَ الوجوديّ من بصماتِ الأُنسيةِ واليهوديةِ المنحرفةِ مع دورٍ متفوّقٍ للثانية كما سيأتي توضيح ذلك. وأمّا نظريّةُ التحليلِ النّفسيِّ (La théorie psychanalytique) فخارجَ ما تتشاركُ فيه مع النّظريتين السّابقتين، فهي استفادت من كفالةٍ غير مقصودةٍ من العلمِ الطّبّيِ بجعلها طريقة علاجِ الأمراضِ النّفسيةِ وما هي إلاّ نظريّة تأويل. وهكذا قُبِلت النّظريّةُ طيلةَ قرنٍ ونصفٍ دون أن توثِرَ أيّةَ اعتراضٍ بل حظِيتْ بقبولٍ تامٍ في الأوساط العلميةِ والثقافيةِ والإعلاميةِ. مع أنّها في واقع أمرِها نظريّةٌ ظاهرها علميٌّ مزعومٌ وباطنُها يهوديٌّ منحرِفٌ ومع أنّ أطروحاتِها قابلةٌ للشّكِّ بل للرّدِّ والنّفيِ. ومن فرضيتها وصفُ المجتمع الإنساني الأوّلِ في صورةِ جمعيّةٍ تُقرّبه إلى حال القردةِ الكبارِ مثل الغورِلاَّ (Gorille) أو كوصفها الجريمةَ الأولى في وسطِ البشرِ في منبعِ الحضارةِ ومشاكل الإنسانِ الوجوديةِ، أو كادّعائِها تحريرَ الإنسانِ بانسِلاخِه من الأحكامِ الشرعية الدّينيةِ والخُلقيّةِ.      

وفي الفرضيتين الأخيرتين تظهرُ بوضوحٍ البصمةُ اليهوديةُ المنحرفةُ والممثّلةُ في نهجٍ  » سبَّطَيْ زاوي وجاكوب فرانك  » اللذّينِ يدعُوان إلى الكفر بكلّ ما جاء في الكتب المقدّسةِ وإلى جعل الكفر منهاجًا لنهاية تشرُّدِ اليهودِ.

ولذا كان ولم يزل خطاب التّحليلِ النّفسيِّ ينشرُ العداوةَ والبغضاءَ نحو المبادئ الدّينية بشكلٍ مدسوسٍ في الإعلامِ والأدب وبشكلٍ صريحٍ في المؤتمراتِ. نضيف أنّ تحاذي النّظريّة للممارسة الطبية ساهم بكثيرٍ في التّرويجِ لها حتى أصبحت تُنشقُ كالهوى في الجوّ الثقافي العامِ.

وبخصوصِ مصداقيةِ أُسوسِها النّظريّةِ فالبحوث العلمية مع (B. Malinowski) أوضحت الفرقَ الشّاسِعَ الموجودَ بين المجموعاتِ الإنسانيةِ المُنتكِسة وسلوكِ القردةِ وفنّدت بذلك كلّ ما آل إليه (S.Freud) في تخفيظِه لمنزلة الإنسانِ لإرضاء منهاجٍ شيطانيٍ من وراء قِناعٍ علميٍّ. ومن جهةٍ أخرى أكّد نفسُ الباحثُ أنّ الجريمةَ التي وضعها S.Freud  في أساس الحضارة حصلت في أطوارها ولا في بدايتها. ومن جهته أكّد K.Popper  المتخصّص في علم نظرية المعرفة أنّ تأكيد المنشورات الطبيّة، لِما جاءت به نظريّةُ التّحليلِ النّفسيِّ وقع منطقيًّا لتأويلِ المعطياتِ بموجبِ ما اقتضته النظريةُ. وفي السّبعينات من القرن العشرين، بدأت تظهرُ على قلمِ المتخصّصين في التحليل النّفسيّ مثل  (Jacques Van Rillaer) بدأت تظهر إنذاراتٌ نحو الاستلابِ العقلي الذّي أحدثه التّحليل لدى المريض الذّي يلجأ إليه ولدي الطّبيب الذّي يمارسُه. وفي أواخر نفس القرن فُتِحت الوثائق المغلوق عليها قصدًا حتى ألاّ يُطّلَع على حقيقةِ الأمورِ التي واكبت النّظريّةَ. واتّضح أنّ كلّ المعطياتِ التي بنى عليها S.Freud  مصداقيتَه العلميةَ خليطٌ من الكذبِ ومن تشويه  الوقائعَ ومن الخيالِ الأدبي في خدمة اليهودية المنحرِفة وعلى حساب كلّ الإنسانيةِ. وفي صدر الألفية الثّالثة أُلغِيت النّظريّةَ من التعليم النّفسي الطّبي في كلّ العالم إلاّ في فرنسا رغم وجودِ تقريرٍ رسميٍّ لذلك وفي الأرجنتين. إلاّ أنّ أذاها باقٍ نفوذُه إلى حين وما دام مُناصروها في الميدانِ.

***

إنَّ الدَّافعَ المادِّيّ كتوجيهٍ مِحورِيٍّ في الوجودِ، إشارةٌ إلى إطلاقِ سراحِ لِمنطِق القوّاتِ الغرائزيةِ. ويُرجِعُ أهلُ اللهِ السّببَ في ذلك إلى تمرُّدِ قوّةِ الشّهوةِ على حضرةِ الرّوحِ (La dignité de l’Esprit). فهذا المشهدُ الوجوديُّ بِمثابةِ تمرُّدِ الوليّ على الملكِ. ما حرّرَ من كلِّ قيدٍ الغريزةَ الماسِكةَ (La pulsion possessive) حتّى أخضعت لِسلطانِها باقي القِوى النّفسيةِ والجَوارحيّةِ لِيجريَ أثرُها على شاكِلتِها. ثمّ أخضعت القُوّةُ الماسِكةُ قوّةَ النّظرِ الوزيرِ لِيُبرِّرَ سلوكَها.

فعلى مستوى الكيانِ الفرديِّ أفضتْ أنانيّةُ الكسبِ إلى بذلِ وِسعِ قوّةِ النّظرِ لإرضاءِ هوى النّفسِ. وعلى المستوى الجماعيّ انتهت الغريزةُ الماسكةُ إلى جمعِ الثّرواتِ رغبةً في الرّفاهيةِ وفي الرّبحِ للرّبحِ، بِغضِّ النّظرِ عن الظُّلمِ الذي تكادُ أن تُحدِثَه في معاملة الآخرِ. وفي وصبغةٍ أقصى تُصبحُ الغريزةُ الماسكةُ طبيعةً ثانيةً، بل سياسةً مُمنْهجةً بعد استيلاءِ طبقةِ التُّجارِ والبنوكِ على أجهزةِ الدّولةِ السّياسيةِ. وفي كلِّ هذه المعطياتِ سرُّ ظهورِ العالمِ الحديثِ وتقييده لِقوّة المالِ فغرقَ في بحرِ العداوةِ والحروبِ بين الأُمَمِ.

فبعد استيلاءِ السُّلطةِ الماليةِ على الحكمِ السّياسي في أوربّا، فرضت نموذَجَها على المجتمعِ ونظّرت له لِتبريرِ سلوكِها ولإعطاءِ الشّرعيةَ الشّكليةَ لِمنهجِها وتشخّصت في صورةِ مجموعاتٍ تُسمّى القوميّاتُ. فهي تاريخيًّا القاعدةُ الجُغرافيةُ والسّياسيةُ والقانونيةُ الأولى للسُّلطةِ الماليةِ. ما فتحَ المجالَ في أوربّا لِرأسِ المالِ الصّناعي والإنتاجيّ بتوظيفِ البحثِ العلميّ في خدمةِ الرّبحِ والكسبِ ولوْ على حِسابِ الغيرِ، بحيث أنّ غايةَ الرّبحِ تُبرّرُ الوسيلةَ، فأصبحت الحياةُ جوَّ تسابُقٍ وتنافُسٍ إلى الرِّبحِ والجمعِ لِترتديَ وجهيْنِ:

  1. وجهٌ مفتوحٌ بابُهُ إلى الانقلابِ الوُجوديِّ الذّي أثارتْهُ الصّناعةُ من خلالِ إخلاءِ المهنةِ من دافِعها الرّوحي فضلاً عن مقاصِدِها المعيشيةِ، لِحصرِها في الغايةِ الدُّنيويةِ ولِجعلِ المالِ والاقتِدارِ على كسبِه في قِمّةِ سُلّمِ القيمِ. ما أحدثَ في المجتمعِ فجوةً بين أقلّيةٍ مُكدِّسةٍ للثّرواتِ الماليةِ وفاسِقةٍ في عيشِها، وبين أغلبيةٍ غَمرَها البُؤسُ والفقرُ المادّيانِ والمعنويانِ.
  2. أمّا الوجهُ الثّاني لِمحرّكِ الكسبِ للكسبِ، فمفتوحٌ بابُه إلى خارجِ الحدودِ القومية. وتمثّلُ في عداوةٍ صريحةٍ أو مكنونةٍ للقوميّاتِ الأخرى مع كلِّ ما ترتّبَ عنها من حروبٍ ومن الانجرارِ إلى تقسيمِ باقي المعمورةِ إلى مناطِقِ نفوذٍ في إطارِ حملاتٍ استعماريةٍ مُبيدةٍ للشُّعوبِ وناهبةٍ لِثرواتِها. هذه هي الصورةُ الصّحيحةُ للعالمِ الغربيِّ الحديثِ مع كلِّ أشكالِ العُنفِ التّي تحمّلها داخلَ حُدودِه وخارجَها بعد القرونِ الوسطى إلى يومنا هذا.

وإضافةً إلى السّلطةِ الماليةِ القوميّةِ المحْفوفةِ بعِزّةِ نفسِها وبالتّوظيفِ لها عاطِفةَ الجماهيرِ الشّعبيةِ تحت عناوينِ دِعائِيةٍ مثل الوطنِ والعائلةِ والعملِ بل مثل الإشارةِ إلى الأُلوهيةِ، إضافةً إلى بعدِها القوميِّ هناك سلطةٌ ماليةٌ عالميّةٌ تُسيْطِرُ على الأُولى، من حيث أنّها تتحكّمُ في كلِّ المعاملاتِ والتّبادُلاتِ الماليةِ والتّجاريةِ. فهي مُشخّصةٌ من قِبل القوّةِ الماليّةِ اليهوديةِ. وهي بالفعلِ المُنسِّقُ والمُبادرُ الخفيُّ والمُهيمِنُ على كلِّ المسالِك الماليةِ والتّجاريةِ التي يجري أمرُها على مستوى العالَمِ في وسعِ عوْلمةٍ تضاعفت سرعتُها تحت تأثيرِ العامِلِ التّقنيِّ منذ القرن التّاسعِ عشر (م).

وكما أشرنا إلى ذلك آنفًا فإنّ الهيمنةَ الماليّةَ اليهوديةَ نتيجةُ عاملٍ تاريخيٍّ وهو تشرُّد اليهود وتوزيعُهم بين الأُممِ المحيطةِ بالبحر الأبيض المتوسط إثرَ عِقابِهم من اللّه عزّ وجلّ بعد زيغِهم عن أوامِره. فهي أيضًا نتيجةُ عاملٍ لطيفٍ لا يفقهُه البحثُ العلميُّ المعهودُ، والذّي يعود للدّورِ الذّي منحَه اللّه إيّاهم، لِيلعَبوه في أواخِر الطّورِ البشريّ، كما سنوَضِّحه لاحقًا. أمّا العامِلُ التّاريخيُّ الذّي هو تشرّدهم، فقد استفاد من تراجعِ القِيمِ المسيحيةِ، وما أسفرَ عنه ذلك من تحريرِ نشاطهم الماليّ جرّاءَ التّحوّلاتِ السّياسيةِ التي أعقَبتْ هذا التّراجُعَ وسيّما كإلغاءِ التّدابيرِ المحدِّدةِ لِنفوذِ اليهودِ في المجتمعِ المسيحيِّ. ذلك أنّ بعد ما كانت الأقاليمُ المتّحدةُ (Les provinces unies) مركزًا لِرؤوسِ أموالِهم منذ القرنِ السّادس عشر (م)، أقبل اليهودُ إلى نقلِه إلى المملكةِ المتّحدةِ وسيّما إلى  » لوندون  » بموجب رخصةٍ أمضاهاCromwell  وأسّسوا The city  أي مركزَ نفوذِهم الماليّ على مستوى الكرةِ الأرضيةِ بترقيةِ المسالكِ التّقنيةِ والنّقديةِ لِتسويةِ ما أسفرت عنه التّبادُلاتِ التجاريةِ بين الأُممِ. وفي هذا الدّورِ العالميِّ بقيَ اليهودُ إلاّ قليلاً في احتِكارِ مهمّةِ منحِ القروضِ والمضاربةِ. ما أبقاهم في تناغُمٍ مع رأس المالِ الصناعيّ والإنتاجيّ القوميّ والدّافعِ إلى الخلودِ إلى الأرضِ.

وفي جوٍّ وجوديٍّ طغى عليه قوّةُ المالِ والمقاصدُ الدّنيويةُ سريعًا ما انفتحت أبوابُ النّفوذِ السّياسيّ لِرأس المالِ اليهوديِّ بإقراضِ الدّولِ النّاشئةِ في سياقِ القومياتِ. ويتمُّ حينئذٍ تأثيرُ اليهودِ في النشاطِ السّياسيِّ بواسطةِ المنظّماتِ السّريةِ الماصونيةِ وغيرِ الماصونية التي لعِبت دورًا هامًا في ترقيةِ الانقلابِ الثّوريِّ لِفائدةِ طبقةِ التّجارِ والبنوكِ والتي ذكرناها في الحديثِ الثّاني بِبعضِ التّفصيلِ.

وقد يتمُّ التّأثيرُ السّياسيُّ بالحصولِ على تسييرِ رؤوس الأموالِ المقرضَةِ كما هو شأنُ تمويلِ المشارعِ الاقتصاديةِ البريطانيةِ في القرنِ الثامن عشر كما أوردَ ذلك J.Attali  في كتابه (Le monde les Juifs et l’Argent). وقد يتمُّ أيضًا النّفوذُ السّياسيُّ اليهوديُّ بالنّسبِ تسرُّبًا داخلَ العائلاتِ الملكيةِ كما هو الشأنُ في بريطانيا وهولندا بحسبِ ما أورده P.Hillard بناءً على مراجعِ يهوديةٍ. وللنّفوذِ السّياسيِّ اليهوديِّ طرُقٌ أخرى تُـــثيرُ وتؤثِّرُ في الرّأيِ العامِ وتوجِّهُه نحو الدّافعِ المادّيِ وبِطرُقٍ لطيفةٍ وخفيةٍ إلى التّعاطُفِ للقضيةِ اليهوديةِ وإلى مناصرتِها خصوصًا بعد الحرب العالميةِ الثانيةِ. ومن هذه الطّرق احتِكارُ الطّباعةِ والنّشرِ والإعلامِ في كلّ أنواعِه وإغلاقُها في وجهِ كلّ من تحدّى وجهةَ النّظرِ التي تُروِّجُ لها. وجرت العادةُ في الغربِ أنّ كلَّ من جرُؤَ على هذه القاعدة أُقصيَ من منصبِه أو أُفلِست مؤسّستُه أو أُفشِلَ مسارُه السّياسيّ أو أُحيلَ على المحكمةِ أوْ أُنزِلَ من مرتبتِه الجامعيةِ. ولليهودِ نفوذٌ سياسيٌّ غير مباشرٍ من حيث مساهمتُهم الفكريةُ لإنتاجِ إنسانٍ معارضٍ لمبدأِ الدّين وسالكٍ سلوكًا محصورًا في جدلية العيش اليوميّ والصِّراع لِلبقاءِ. هذا شأنُ فكرِ K.Marx و Emile Durkheim  وS. Freud.

وبِقدرِ ما تأكَّدتِ العَولمةُ وضروراتُ تسييرِها والمُتعدّدةُ جوانِبُها ظهرت شيئًا فشيئًا مؤسّساتٌ قوميّةٌ ودُوليّةٌ ظاهِرُها في خدمةِ البشرِ وباطِنُها في خدمةِ السّلطةِ الماليّةِ العالميّةِ. هذا شأنُ كلِّ المُنظّماتِ الدّوليّةِ الرّسميةِ مثل صندوقِ النّقدِ الدّوليِّ ومُنظّمةِ التّجارةِ العالميةِ والبنكِ الدّوليُّ ومُنظّمةِ الأُممِ المُتّحدةِ وفُروعِها الثّقافيةِ والعِلميةِ والصّحيّةِ والزّراعيةِ والبيئيّةِ. فهي كُلّها مُقيّدةٌ مُطلقًا بالجانبِ الماليّ والاقتصاديِّ الليبراليّ، دون مراعاةٍ للأخطارِ التّي أحدَثتْها تلك الأولوِيّةُ في آفاقِ حياةِ النّاسِ وفي تَدهْوُرِ بيــْـئَــتِهم وفي مصيرِهم إلى المجهولِ. وقد شهدَ لذلك الفكرُ الحديثِ نفسُه لكن دون أنْ يشعُرَ أنَّ السّببَ في تلك الوضعيّةِ راجعٌ إلى غِيابِ مرجَعيةٍ روحيةٍ تُبــيِّنُ الحدودَ التي لاَ ينــبَغي للمالِ وللبحثِ العلميِّ في سبيل المالِ أنْ لاَ يقرباها أو أنْ لاَ يتجاوزاها. هذا وسنَذكرُ في الحديثِ المُقبِلِ معالِمَ مصيرِ البشرِ في سياقِ العوْلمةِ الماليةِ وعلى ضوءِ الفكرِ الحديثِ في وجهيْــــهِ الأُنسيِّ والصّهيونيِّ لِنُبرِزَ الأُسُسَ الدّجالةَ (Pseudo-messianique) لِثقافةِ الإمبراطورية.

إنّ الدّافعَ المادّيَّ مظهرَ الغريزةِ الماسِكةِ، سخّر لِمنطِقه العاملَ التّقنيَّ لإرضاءِ مُبتغاه الرّبحَ، وأسرعَ الحركةَ التّاريخيةَ، وبسط سيطرتَه على وسعِ المعمورةِ من خلالِ ظاهرةِ الاستعمارِ والمحميّةِ. ثمّ أحْدَث تواصُلاً بين الأممِ من وراءِ الحدودِ الطبيعيّة والتّاريخية. فبرزت شيئًا فشيئًا  ظاهرةُ العولمةِ الخاضعةِ لقوّةِ المالِ وذلك على ثلاثِ مستوياتٍ:

على المستوى الأوّلِ أثار الدّافعُ المادّيُّ العداوةَ بين الدُّولِ الأوربيّةِ تمثّلت في حروبٍ فتّاكةٍ. وقد أثار أيضًا الدّافعُ المادّيُّ انقلابا وجوديًّا في سياقِ بزوغِ المجتمعِ الصّناعيِّ.

أمّا على المستوى الثّاني فقد أسفرَ الدّافعُ المادّيُّ على سلسلةِ ردودِ افعالٍ احتجاجيّةٍ على المنهجِ الليبرالي وما فرّخه من مجتمعِ الاستهلاكِ دون أن تُفضي الاحتجاجات إلى حلٍّ مُرضيٍّ، بل أصبحت حلقاتٍ من استلابٍ واحدٍ.

أمّا على المستوى الثّالث فأوصل الدّافعُ المادّيُّ الإنسانَ إلى حدِّه بمواجهته الأخطارَ الحيويّةَ النّاجمةِ عن قوّةٍ تقنيّةٍ مقيّدةٍ للرّبحِ.

وعلى جميع هذه المستويات، وابتداءً من الثّمانينات من القرنِ العشرين وليتضاعفَ حجمُها ونشرُها منذ سنة 2000، بدأت تظهر روايةُ هذه المستوياتِ بصبغةٍ تتجاوزُ شكلَ الرّوايةِ الرّسميّةِ المعروفةِ عنها والتي طغت من قبلُ على الإعلامِ وعلى كلّ هرمِ التّعليمِ وعلى الخطابِ السّياسيِّ والثّقافيِّ. ذلك أنّ التّحفُّظَ الشّديدَ بل أنّ الخطرَ المُطلقَ للكلامِ في المسألةِ اليهوديّةِ بما يناقضُ الصّورةَ الرّسميّةَ المُروّجةَ لها، أنّ هذا الخطرَ بدأ يتصدّعُ ويتحطّمُ بِقلمِ اليهودِ أنفُسهم كما سنراه لاحقًا. ما فتح البابَ في هذا الصّددِ لغيرِهم والذّين توَخّوا الحذرَ تجنُّبًا لِمقاضاتِهم لِمناقضتِهم المفترضةِ الرّواياتِ الرّسميّةَ تخصُّ شأن اليهودِ. ومن الرّواياتِ الجديدة ما أوردَه William Ingdhal تحت عنوان « Pétrole une guerre d’un siècle » وأين يرفعُ السّتارَ على ما سمّاه الكاتبُ تحت العنوان  » النّظام العالمي الانكليزي الأمريكي » أي على كلّ ما أخفاه الإعلام الرّسمي على الرّأي العامِ في الأسبابِ الحقيقيّة للحربِ العالميّةِ الأولى سنة 1914. فإذا كان السّببُ الرّسميُّ هو اغتيالَ حَليفِ ألمانيا لاندلاعها، فإنّ السّببَ الحقيقيَّ تمثّلَ في ضرورةِ إعادةِ تمويلِ البنوكِ اليهوديّةِ البريطانية من إفلاسِها وفي نيّةِ نفسِ البنوكِ إيقافَ صعودِ القوّةِ الألمانيّةِ الاقتصاديّةِ والعسكريّةِ وإبطالَ مشروعِ خطٍّ حديديٍّ يربط العراقَ محلّ ثروةِ النّفطِ بألمانيا.

ويدخل هذا المشروعُ في إطارِ ترقيّةِ التّعاونِ التّقني والعلمي بين الدّولة العثمانية وألمانيا. ما من شأنِه أن يُضاعفَ من نفوذِ ألمانيا في أوربّا والعالَمَ وأن يُخلصها وأوربّا الوسطى والشّماليةَ من دفعِ رسومِ خدماتِ المسالِكِ البحريّةِ الباقيةِ في قبضةِ البنوكِ اليهوديّةِ البريطانيّةِ. وما من شأنِه أن يُبطِلَ مساعي بريطانيا لتفكيكِ الدّولةِ العثمانيةِ، ومساعيها لإبقاء ألمانيا في مستوى من القوّةِ لا يُهدِّدُ نفوذَ ومصالحَ البنوك اليهوديّة في أوربّا وفي العالم. وبينما لم تدُر الحربُ لصالحِ حلفاء بريطانيا، أقدمت البنوك اليهوديّة فيها على توريط الولاياتِ المتّحدة بواسطة بنوكٍ يهوديّةٍ أمريكيّةٍ ومنها Goldman Sachs، على أن تتعهّدَ بريطانيا بالمساهمة في إقامة دولةٍ يهوديّةٍ في فلسطين. هذا هو سرُّ وعد Balfour سنة 1917.

وأمّا ظاهرةُ الفقرِ الاجتماعيّةُ التي أحدثتْها الليبراليّةُ المتوحِّشةُ داخلَ حدودِ أوربّا، فقد أثارت ردّ فعلٍ فكريٍّ وسياسيٍّ تشخّص في الخطابِ المركسيِّ وما تولّـــدت عنه من حركاتٍ احتجاجيّـــةٍ، بل ثوريّةٍ   » كشيـــوعيّة باريس » « la commune de Paris » سنة 1871 للتّخلّصِ من القبضةِ الليبراليّةِ. إلاّ أنّ هذا الانفعالَ الفكريَّ والسّياسيَّ والثّوريَّ لم يفلحْ في البلدانِ التي تنبّأت النّظريةُ الماركسيّةُ بانتِصارها فيها كــ بريطانيا والمانيا وفرنسا لتكريسِ رأسِ المالِ الصّناعيِّ فيها. والعجب أنّ النّظريّةَ الماركسيّةَ حُمِّلت في روسيا من خلال ثورة أكتوبر 1917، أي في موضَع اجتماعيّ استبعدته من احتمالاتِ حدوثِ ثورةٍ لبقائه في المرحلة الإقطاعيةِ من تطوّره الاجتماعي بحسبِها. إنّ هذا التّناقُضَ بين ما تقتضيه النّظريّةُ وبين ما حصل في التّاريخِ باسمِها يفنِّدُ علمِيَّتَها المزعومةَ، إلاّ أنّ هذا التّناقُضَ بقي لُغزًا لا يُفكّكُ سرُّه إلاّ على ضوءِ الدّورِ الأساسيِّ الذّي لعبه اليهودُ في إثارتِه وقيادتِه وفي تأسيس وتنظيمِ الحركةِ الشّيوعيّةِ العالميّةِ، حيث تناغَمَ جهدُ اليهودِ ذوي البنوك لِجُهد اليهودِ الماركســـيـــّين ولِجهد اليهودِ البســطاءِ من وراء قناعِ صراعِ الطّبقاتِ الاجتماعية الاقتصادية لِـــزعزَعةِ روسيـــا. سنعود لهذه النّقطةِ لاحقًا عند ذكرنا اليهوديّةَ المنحرفةَ.

وفي أواخرِ العقدِ الثّالثِ من القرنِ العشرين اندلعت الحرب العالميّةُ الثّانية، ومنبعها الظّاهرُ تأثيرُ الهويّةِ النّفسيّةِ الجماعيّة على التّسييرِ السّياسيِّ في ألمانيا بموجبِ ظنٍّ جازمٍ أنّ للهويّةَ الألمانيةَ مهمّةُ قيادةِ الإنسانيةِ. وهنا طلبت الهويّةُ تبريرَها من الفلسفةِ ووسائِلها من القوّة الاقتصاديّةِ حتّى تتمَّ مُهمّتُها. السّرُّ السّياسيُّ هنا يكمنُ في صعودِ الغريزةِ الماسِكةِ وشُحنَتِها لإنجازِ توسّعٍ فضائيٍّ على حسابِ روسيا ولإنجازِ الاستعلاءِ على كلِّ الأممِ. وإذا كانت هذه الأسبابُ واقعَ ألمانيا وقْــــتَــــئذٍ، فهناك أسبابٌ أخرى أخفاها الإعلامُ الرّسميُّ، وقويٌّ احتِمالُ دورِها على ضوء تكذيبِ العديدِ من الدّعايات المُغرِضةِ المروّجةِ لها على يدِ الحُلفاءِ لإلقاء اللّومِ مطلقًا على ألمانيا ؛ وفي غيابِ معطياتٍ ما زالت تحت ختم الكتمِ والطّمس، تكادُ أن تُطلِعنا عن كلِّ ما جرى في الكواليسِ السّياسيّة قبل وقوعِ الحربِ، أقلُّ ما يُقالُ أنّ الإقدامَ عليها يُلبّي بالامتيازِ رغبةَ البنوكِ اليهوديّةِ البريطانية والأمريكيةِ وسيّما أنّ الثّلاثينات من القرن العشرين بطنُ الأزمةِ الماليّةِ الحادّةِ في أمريكا وبريطانيا للوصلِ العضويّ الخفيِّ بينها لكونها مدارةً من العنصرِ اليهوديِّ.

وبينما خفت الحربُ العالميّةُ الأولى وخصوصًا الثّورةُ الرّوسيّةُ قبضةَ المُستعمرِ على مستعمراتِه، انفتح داخل هذه الأخيرةِ بابُ النّضالِ السّياسيِّ لِمطالبةِ الاستقلالِ في إطار الشّعارِ » حقّ الشعوب لِتقرير مصيرها  » بحيث أنّ الاستقلالَ أصبح هدفًا معقولاً وواشكًا حدوثُه بعد الحرب العالميّةِ الثّانية. ومن جهةٍ أخرى إنّ نهايةَ الحربِ سنة 1945 كرّست بروزَ قُوّتيْن  عُظمَيين، وهما الولايات المتّحدة والاتحادُ السّوفياتي، لِتستقطِبَ على مستوى الأرضِ الحياة السّياسيّةَ والاقتصاديّةَ والثّقافيّةَ لأكثرِ من أربعةِ عقودٍ أي إلى الإنهيارِ الذّاتيِّ للاتّحادِ السّوفياتي في روسيا سنة 1989. ومن أثرِ هذا الاستقطابِ فشلُ حركةِ بُلدانِ عدمِ الانحيازِ المُدشّنةِ سنة 1955 في Bandoeng في اندونيسيا رغم مساهمتِها في تصفيةِ الاستعمار شكلاً. ومن المفروضِ أنّ هدفَ هذه الحركةِ ترقيةُ نظامٍ جديدٍ يخالفُ الماديّةَ الفعليّةَ (le matérialisme pratique) الليبراليّةَ والمادّيةَ الفلسفيّةَ (le matérialisme philosophique) للماركسيّةَ، وتتمحْوَرُهُ القيمُ الرّوحيّةُ الواردةُ في الرّسالاتِ السّماويّةِ، ويناشدُ للتّكامُلِ بين الأممِ في تصوّرٍ سمّاه مالك بن نبيّ  » ثقافة الحضارة  » (la culture de civilisation)، كنموذجٍ يُخلِص الإنسانَ من المآثرِ السّلبيّةِ التّابعةِ لِما سمّاه نفس المؤلّف  » ثقافة الإمبراطورية  » (la culture d’empire). إنّ فشلَ هذه الحركةِ لا يكمنُ في قيمِ مراجِعها الرّوحيّةِ والنّفسيّةِ، بل فشلُها تعلّقَ بعدمِ ترقيّةِ حامليها السّياسيّين إلى درجةِ رفعِ التّحدّي، لتأثيرِهم الفكري والوجدانيّ بالنموذجِ الغربيّ الحديث في صيغَـــتَــيْه اللّيبراليّة والاشتراكية.

وفي وضعِ هذه المواجهةِ القائمةِ بين المعسكرين بقيت القوّةُ الماليّةُ العالميّةُ على منطقِها الطّبيعيِّ معزِّزةً سيطرتَها على أغلبِ التّبادلاتِ الماليّةِ والتّجاريّةِ العالميّةِ ومُهيمِنةً على كلِّ جوانبِ الحياةِ اليوميّةِ ومُستغِلّةً كلَّ الوسائلِ المُتاحةِ في السّاحةِ لِــرفعِ العراقيلِ التي تعترضُ سبيــلَها. وهكذا أرغمت القوّةُ الماليّةُ الرّئيسَ الفرنسيَّ       C.De Gaulleإلى مغادرةِ الحكمِ لإيقافِ حملاتِه ضدّ هيمنة الدّولار غير المستحَقّةِ، بإثارةِ موجةٍ احتجاجيّةٍ واسعةٍ ذاتِ صبغة يساريّةٍ متطرِّفةٍ طيلةَ شهر ماي سنة 1968. وبنفس الأسلوبِ وفي وقت عجز في السّيولةِ استغلّت نفسُ القوّة مشكلةَ فلسطين للدّفع نحو حربِ أكتوبر 1973 في الشّرق الأوسطِ لِرفع سِعر النّفط إلى مستوى يُمكّن إنتاجَه في البحر الشّمالي وللّسطوِ على عائداتِه في بلدانِ الخليجِ بذريعة مساهمتِهم للاقتصاد الدّوليّ.

وبعد الانهيارِ الذّاتيِّ السّوفياتي سنة 1989، أبدت الليبرالية الممثّلةُ في الولاياتِ المتّحدةِ أبدتْ نيّتَها تعميمَ نموذجِها على العالم بموجبِ هوى Wall street و The city.  والهدف منها تحقيقُ ما كان يصبو إليه رأس المال وسيّما رأس المال اليهودي بمعنى إرساءُ نظامٍ عالميٍّ تديرُه البنوكُ وسيّما البنوك اليهوديّة، بحيث أنّه لا يسعُ للدّولِ إلاّ أن تُنفِّذَ أوامِرَ البنوكِ في عولمةٍ يطغى الدّافعُ المادّيُّ فيها على كلِّ جوانِب الحياةِ من المهدِ إلى اللّحدِ. ما يجعلُ من مطالبةِ حقوقِ الإنسانِ والديمقراطيّةِ التي يُروِّجُ لها الخطابُ الغربيُّ وسيّما الخطابُ الأمريكي في المحافلِ الدّوليّةِ، ما يجعلها قِناعًا يغطِّي عقودًا من عُنفِ الدّولِ الغربيّةِ السّياسيِّ والعسكريِّ في العالَمِ الثّالثِ وفي خدمةِ مصالِح رأس المالِ العالميِّ على حساب حقوق الشعوبِ. هذا ما تشهدُ له مذكراتُ عمدائه العسكريّين مثل الجنرالSmodley Butler في العقدين الأوّلين للقرن العشرين أو مذكّراتُ موظّفي مخابراته مثل John Perkins في السّتّينات والسّبعينات من القرن العشرين. فأهدافُ القوّةِ الماليّةِ دفعت الولاياتِ المتّحدةَ، ذراعها التنفيذيَّ إلى إبقاء الطّواغيت في الحكمِ عقودًا مثل عائلة Tchang Kaï Tchek في طيوان ومثل Park chung Hee في كوريا الجنوبية ومثل F Marcos في الفلبين ومثل Suharto في أندونيسيا، ودفعتها أيضًا إلى تحمُّلِ حربٍ فتّاكةٍ في فييـــتنام. إنّ ما جرى ويجري من الأحداثِ مثل معادة كوبا وكوريا الشّمالية وإيران وفي تفكيك يوغسلافيا ثم في الاعتداء على أفغانستان والعراق ولبنان وليبيا فسوريا واليمن وكلُّ ما تحمّلته الولاياتُ المتّحدة وحلفاؤها في أمريكا اللآتينية، كلّ هذه الأحداثِ مسجّلة ٌ في سياق الاستراتيجية لرأس المال العالمي الذي تقوده اليهود.

وأمّا على المستوى الثّقافي، فإضافةً إلى ما أحدثه الدّافعُ المادّيُّ في تحوُّلِ فكرةِ الهُويّةِ من مَعقلِها الوطني إلى الهويّةِ الاقتصاديّة والهويّةِ النّفسيّةِ العتيقةِ، فهو أثار حين ظهرَ مجتمعُ الاستهلاكِ ردودَ أفعالٍ شتّى متتالِيّةٍ أو متزامِنةٍ ولا نذكُرُ منها إلاّ التّي تركت بصمةً معيّنةً في مصيرِ وهويانِ المجتمعِ من الصِّناعةِ المُنتِجةِ إلى مجتمعٍ الاستهلاكِ ثمّ إلى الخدماتِ. فأوّلُ احتِجاجٍ رأى النّورَ في مجتمعِ الاستهلاكِ يتعلّقُ بحركةِ Hippie التّي بزغت في الخمسيناتِ من القرن العشرين في أمريكا الشّماليّةِ قبل أن تمتدَّ إلى أوربَّا في السّـتّيناتِ. وتميّزت هذه الحركةُ بإحداثِ نوعٍ موسيقيٍّ جديدٍ يُعيدُ إنتاجَ ضجيجِ المصانِعِ في شاكلَتِه. وتتميّزُ أيضًا بالتّعاطي للمخدّراتِ وإطلاقِ سراحِ الغريزةِ الجاذِبةِ مع اختِراقِ كلِّ الأحكامِ الشّرعيّةِ التّي تنظِّمُ عادةً العلاقاتِ الزّوجيّةِ. وفي شكلٍ لاحقٍ ومؤخِّرٍ سيرتَدِي هذا الاختراقُ صورةَ لواطٍ على مستوى واسعٍ في المجتمعِ مع إقرارِه شرعًا من قِبلِ مجالِس النُّوّابِ ومن قِبلِ منظّماتِ الأممِ المتّحدةِ.

وفي صيغةٍ أخرى اكتستْ معارضة خُلُقِ الاستهلاكِ مطالبةَ الرّجوعِ إلى التّراثِ الشّعبيِّ كما يبدوفي لغةِ الأُمِّ والعاداتِ وفي القصَصِ والفنونِ الشّعبيّةِ. والهدفُ منها وضعُ معالِمِ القِــيمِ الأصليّةِ تُقاسُ عليها الحياةُ اليوميّةُ. إلاّ أنّ تفسيرَ هذه المعالِمِ تمَّ بناءً على النّظريّاتِ الحديثة التّي برّرت هويانَ الحداثةِ الوجدانيّةِ والفلسفيّةِ، نريد بذلك الإشارةَ إلى فلسفةِ الجدليّةِ المادّيّةِ التّي تدّعي أنّ الاقتصادَ هو المنبعُ والمرجعُ الأوّلُ والأخير لحياةِ الإنسانِ. نريدُ الإشارةَ أيضًا إلى نظريّةِ التّطوُّرِ الفلسفيّةِ التّي تُرجِعُ أصلَ الإنسان إلى جذورِ الحيواناتِ. ونريدُ أخيرًا الإشارةَ إلى نظريّةِ التّحليل النّفسيّ التي تُرجِعُ الدّينَ إلى الغرائزِ والحضارةِ إلى الهمجيّةِ.

أمّا في صيغةٍ أخيرةٍ بادرت حركةُ الاحتجاجِ إلى نقدٍ حادٍّ لمجتمعِ الاستهلاكِ الذّي ترى فيه استلابًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وتطالبُ بالرّجوعِ إلى ما سمّتْه « خُلُق الشّخص »(l’éthique de la personne) بمعنى خُلق الانتماء العرقيّ والثقافيّ والتّاريخيّ.إلاّ أنّ التّفسيرَ هنا طغى عليه مقاييس الفكرِ الحديثِ المُنحرفةُ والمذكورة آنفًا. ما جعل هذه الحركةُ تؤولُ إلى تكوينِ فرقٍ خاضِعةٍ لِهوى شخصٍ حتّى سقطت في الإجرامِ كما هو شأنُ فرقةِ Manson في كاليفورنيا في السّـــتّينات من القرن العشرين، وكَفرقةِJim Jones في أمريكا الوسطى في السّبعينات من نفس القرن، وكما هو شأنُ فرقةِ Davidiens في وسطِ الولاياتِ المتّحدةِ في الثّمانينات من نفس القرن. 

وفي الخلاصةِ لم تُــنْــقذ هذه الحركاتُ الاحتجاجيّةُ أحدًا لِكونِ فكرِ أصحابِها راسِخًا في العقلانيّةِ الجاحِدة بحقيقةِ الرّوحِ قبل أن يغوصوا ومنِ اتّبعَهم في أوحالِ الامتِداداتِ النّفسيّةِ السُّفلى كأنّها مظاهِرُ الخلاصِ وهي حقيقةً تضعُ الإنسانَ تحت مرتبةِ الحيوانِ العاديِّ.  إنّ كلَّ هذه المظاهرِ التّي آلت إليها الحداثةُ الفكريّةُ والوجدانيّةُ تطرحُ سؤالَ الغايةِ الأخيرةِ منها. هذا ما سنتطرّقُ إليه في الحديثِ المُقبِلِ.

٭٭٭

ولقد أصرَرنا فيما سبق أن نُعطيَ بعضَ التّفاصيلِ المتعلِّقةِ بأحداثِ القرن العشرين والعقدين الأوّلَيْن للقرن الجديدِ حتى يفهمَ القارئُ مغزاها ولِيأخُذَ موقِفًا ملائمًا منها وسيّما أنّ العولمةَ التي تُصادفها حدثٌ فريدٌ من نوعِه في تاريخِ البشريّةِ الرّاهنةِ. بالفعلِ فإنّ العولمةَ تثيرُ التّساؤُلَ حول معناها وحول غايتِها من الوجودِ وحول منتهى الإنسانيّةِ في أرضٍ طغى عليها منطِقُ جدليّةِ المُفترِس وفريسَـتِه. فعندما يلفتُ الباحثُ نظرَه إلى أطوارِ الحضاراتِ الماضيّةِ والقديمةِ، يرى أنّ لكلٍّ منها إحداثيّاتٌ تاريخيّةٌ معيّنةٌ. هذا ما يُعطيه المشهدُ التّاريخيُّ في الشّرق الأوسطِ وفي الجغرافيّةِ المحيطةِ بالبحر الأبيضِ المتوسّط من خلال حضاراتِ الكلدِ ومصرَ والفرس واليونان وروما. وعندما يفحص نفسُ الباحثُ هذه الحضاراتِ بمقاييسِ فلسفةِ التّاريخِ يجد دائمًا أنّ أعراضَ الانحِطاطِ تظهرُ عليها عندما تبلغُ الحضارةُ أقصى مداها في الفضاء، وإن كانت الأسبابُ قد بدأ تأثيرُها قبل هذا الاتِّساعِ. وفي سياقٍ متّصِلٍ يجدُ الباحثُ أيضًا أنّ اندِثارَ حضارةٍ في الماضي يتبعُه دائمًا بروزُ حضارةٍ تاليةٍ كأنّ القيمَ الحضاريّةَ هاجرت أرضًا بورًا إلى أرضٍ خصبةٍ لِطلوعِ شمسِ حضارةٍ جديدةٍ.

ومن جهتِها فإنّ العولمةَ الحاليّةَ ليست نتيجةَ صُدفةٍ في أسبابِها وفي غايتِها، بل هي نتيجةُ عمليّةِ إدماجٍ انطلقت تقريبًا منذ القرن العاشرِ قبل الميلادِ لِتَــنضُجَ في نوعٍ من تزامُنِ الحضارتين المسيحيّةِ والإسلاميّةِ، ولِتــتَــسرّعَ مع انفِقاصِ العالَمِ الحديثِ منذ صدرِ القرنِ الرّابعِ عشرِ والذّي يحمل حجودًا بمبدأِ الرّسالةِ السّماويّةِ، لِيضعَ مكانَه تصوُّرًا وجوديًّا خُلُقه الخلودُ إلى الأرضِ ومحرِّكُه الدّافعُ المادّيُّ لِيصلَ منذ قرنيْن تقريبًا إلى هيمنةِ البنوكِ على مجرى حياةِ الإنسانِ من جوفِ أمِّه إلى لَحدِه.

وبينما لم يوجد يومَنا هذا شبرٌ من المعمورةِ لم يمســَسْه ريحُ الحداثةِ، ما يُمكن استِنباطُه من خلاصةِ فلسفةِ التّاريخِ المشار إليها آنفًا، إذا تمّت بها قراءةُ واقِعِ العولمةِ ؟ وإذا كان في التّوَسُّعِ الفضائيّ في السّابقِ إشارةً للنّهايةِ القريبةِ لحضارةٍ مَا لِيَلِيها دائمًا ظهورُ حضارةٍ أخرى في إحداثياتٍ جديدةٍ، فما القولُ في واقع حضارةٍ حديثةٍ انبسط أثرُها على كلِّ الكرةِ الأرضيّةِ ؟ المؤكّد أنّ البشريّةَ على ضوء الحداثةِ قد بلغت حدًّا وأنّها في انتِظارِ حدثٍ غير مسبوقٍ في تاريخِها لِغيبِ فضاءٍ موفّرٍ تنتقلُ إليه القِيمُ لانطلاقةٍ حضارةٍ جديدةٍ. فما يُمكن قولُه في هذا الحدَثِ العظيمِ المُنتظرِ ؟ فلْنَغض النّظرَ عن ما تنبّأت به الرّسالات السّماويّةُ من نهايةٍ قريبةٍ للطّورِ البشريِّ، لِنُركِّزَ النّظرَ على الآفاقِ النّاجمةِ من ثقافةِ الحداثةِ وواقِعِ ممارستِها ووجدانِها. ما يُرجِعنا إلى التّقاطُعِ ثمّ الانسِجامِ وإلى التّلاحُمِ العُضويِ الموجودِ تاريخيًّا بين التّيّارِ الأُنسيِّ الغربيِّ وبين اليهوديّة المُنحرفةِ مع الأرجحيّةِ والقيادةِ لليهوديّةِ المُنحرفةِ.

إنّ نهايةَ الحربِ العالميّةَ الثّانيّةَ كرّست الهيمنةَ الاقتصاديةَ الأمريكيّةَ، وتمخّضت عنها اتّفاقياتِ Bretton Woods لإخضاعِ قيادةَ الاقتصادِ العالميِّ لمصالِحِ التّجارةِ الأمريكيّةِ. وبما أنّ الحياةَ السّياسيّةَ في أمريكا وأوربّا أسّستْها ثوراتٌ دبّرتها فكريًّا وقادتْها القوّةُ الماليّةُ بتوظيف مشاعِرِ الشّعوبِ كما فسّرناه سابقًا، فالدّولةُ السّياسيّةُ أينما أُنجِزت أصبحت الذّراعَ التّنفيذيَّ والتّشريعيَّ لهوى أربابِ البنوكِ. وهكذا تكوّنت في هذا السّياقِ جماعةُ  Bilderberg نسبةً لجزيرةٍ في عرض السّاحلِ السّويديّ في الخمسينات من القرن العشرين. وتتكوّن هذه الجمعيّة من نُوّابٍ مُباشرين للبنوكِ أو من مندوبين من قِبلِها لِصلةٍ معها ولِنفوذِهم في الوسط السّياسيِّ والجامعيِّ. هدفُ هذه الجمعيّة غير الرّسميّةِ إخضاعُ الإنسانيّةِ للقوّةِ الماليّةِ العالميّةِ بتجنيدِ مؤسّساتٍ ترصُد الأوضاعَ الاقتصاديّةَ والماليّةَ والسّياسيّةَ والفكريّةَ في العالمِ، وتُخطِّطُ للسّياسةِ التّي ينبغي أن تسلكَها كلُّ الدّولِ لِمصلحةِ رأس المالِ العالميّ اليهوديِّ. وتَتِمُّ العمليّةُ بعد شنِّ حملةٍ إعلاميّةٍ توحي أنّ المنهجَ المنشودَ نتيجةُ الإرادةِ الشّعبيّةِ والتّعدُّدِ السّياسيِّ الظّاهرِ. ومن أعضاءِ جمعيّةِ Bilderberg الظّرفِــيـِّـين H.Kissinger وZ.Brzinski المُستــشِيران السّابقان في مجلس الأمن الوطني الأمريكي.

ودائما في سياق استِعبادِ البشريّةِ للبنوكِ فإنّ منتدى Davos والمنظّماتِ الدّوليّةِ الخاصّة بالتّجارةِ  والماليّةِ والأمنِ كلَّها امتداداتٌ لِطاغوتِ البنوكِ وراء قِناعِ خدمةِ الأُممِ. وهكذا يتِمُّ بسهولةٍ رصدُ كلِّ حركةٍ سياسيّةٍ أو فكريّةٍ من شأنِها أن تعترِضَ سبيلَها لإفشالِها بِطرقٍ مُكيّفةٍ للهدفِ المُفترَضِ. ففي سنة 1953 أُطيحَ بمصدّق الوزير الأوّل الإيراني لِجُرأتِه تعميمَ الصّناعةِ النّفطيّةِ على حسابِ الشّركاتِ الأمريكيّةِ والبريطانيّة. أُطيحَ به على يدِ المخابرات الأمريكيّةC.I.A. . وفي بداية السّــتّينات من القرن العشرين أُغتيلَ Mateï  الإيطالي بشكلِ حدثِ طائرته الخاصّةِ. ذنبُه نيّــتُه ترقيّةَ تحويلِ التكنولوجيا في تنقيب وإنتاجِ النّفط إلى مصرَ وإلى بلدانٍ أخرى محتمَلةٍ. ما  ترفضُه مطلقًا الشّركاتُ العالميّةُ. ومن جِهته أُرغِم الرئيس De Gaulle لمغادرةِ الحكمِ بمظاهراتٍ عمّت رُبوعَ فرنسا شهر ماي 1968 بظاهرِ وجهٍ يساريٍّ متطرِّفٍ إثر حملةٍ خفيّةٍ للبنوكِ مع أنّ كلَّ المعطياتِ الاقتصاديّةِ حسنةٌ جدًّا سواء على مستوى البطالةِ أو على مستوى النّمُوِّ أو على مستوى التّضاخُمِ. وخطأُ De Gaulle أنّه جرُؤَ بمعارضتِه هيمنةَ الدّولار غير المستحقّةِ ولِسيولتِه الهائلةِ التي تتجاوز طاقةَ أمريكا لإنجازِ الثّرواتِ المقابِلةِ. فخلَفه G. Pompidou المعروفُ بعلاقتِه الوطيدةِ ببَنكِ Rotchilde. وفي سياقٍ متّصلٍ بهيْمنةِ البنوكِ ، فبعدما تجاوزت بأضعافٍ كمّياتُ الدّولار المتداولَةُ في العالم، بعدما تجاوزت بأضعافٍ قيمةَ مخزونِ الذّهبِ لدى البنك الفدرالي أقدمَ الرّئيسُ Nixon سنة 1971 على فصل قيمة الدّولار من قيمة الذّهب حتّى لا يضعفَ الأوّلُ أكثرَ. ثمّ فرض على بلدان الخليج بما فيهم إيران الشّاه، فرض عليها إبقاءها على عُملة الدّولار في تبادلاتِهم التّجاريّةِ وفي عائداتِهم النّفطيّةِ حتّى يبقى الدّولار سائدًا في العالمِ رغم ضعفه الحقيقي. نضيفُ أنّ بداية السّبعينات من القرن العشرين عنتْ البنوكُ اليهوديّة الأمريكيّة والبريطانيّة من نقصٍ في السّيولةِ وكانت تبحث أيضًا على الكيفيّةِ التي ستُمكِّنُ من إنتاجِ النّفطَ في البحر الشّمالي علمًا أنّ سعرَ إنتاجِه يتجاوزُ السّعرَ المرجعيَّ المتداول في السّوقِ. فخطرَ لمُديرِيها أن يستغلّوا نيّةَ مصرَ استرجاعَها سيادَتها على قناتِ سويز بتحريضِها وإسرائيل للعودةِ إلى الحرب. وقد لعِب H. Kissinger في ذلك دورًا هامًّا ما يدلُّ إخضاعَ السّياسةِ في العالمِ الغربيِّ لأربابِ البنوكِ. وبعد حرب أكتوبر 1973 ارتفعت أسعارُ النّفط إلى المستوى المطلوبِ لاستغلاله بمَردودِيّةٍ معقولةٍ في البحر الشّمالي، وحصل فائضٌ هائلٌ من العائداتِ في بلدان الخليجِ لِيسقُطَ في البنوكِ الأمريكيّة والبريطانيّة وراء غِطاءِ مُساهمتِهم للنّموِّ الاقتصادي العالميّ. وهكذا بالتّلاعُبِ السّياسيّ على ظهرِ الشّعوبِ حصلت البنوكُ على كلّ السّيولات التّي كانت تحتاج إليها.

إنّ التّقاطُعَ العضويَّ بين أربابِ البنوكِ اليهوديّةِ وبين الوسطِ السّياسيِّ المُسخَّرِ لهم بواسطة الفكرِ الأنسيِّ وبواسِطة الفكرِ المُنبَثِقِ عن اليهوديّةِ المُنحرفةِ، إنّ هذا التّقاطُعَ تضاعفَ بتقاطُعٍ آخرٍ مع عصاباتِ المافيا (Mafia) للتواطؤ في الجريمةِ السّياسيّةِ، بحيث أنّ التّحقيقَ الرّسميَّ غالبًا ما يزيغ عن الأسباب الصّحيحةِ ويجمحُ إلى ما يُبقي القضيّةَ في الغموضِ التّامِّ وبدون خلاصةٍ تُذكر. وكلّما انتهت التّحريّات إلى السّبب المُفترض في قضيّةٍ حسّاسةٍ طُمسَ عليه بختمِ السّرِّ إلى أن يُرفعَ بعد عقودٍ. هذا شأنُ اغتيال الرئيس كندي وأخوه. ولم يُكشف السّرُّ في اغتيال Malcom X وفي اغتيال M. Luther king. وقد تذهب هيمنةُ البنوك مع Z. Brzinski أحدِ رموز جمعيّة Bilderberg إلى إبادةِ تسعين بالمائة من البشريّة لاستِدامةِ نظامِ البنوكِ، ناهيك عن الوسائل الطّبّية لتعقيم العالَمِ الثّالثِ.

ومن طاغوتِ البنوكِ على حياة الإنسانِ ما آل إليه تسخيرُ البحثِ العلميِّ مطلقًا للدّافع المادّيِّ بحيث أنّ كلّ الثّقافةَ الرّسميّةَ مقيّدةٌ بمفاهيمٍ نجمت منذ سبعةِ عقودٍ تقريبًا من جمعيّة Bilderberg. ومن هذه المفاهيم        » البلدان المتقدّمة اقتصاديًّا  » والبلدان المتخلِّفة  » ومنها فكرة  » تحديد النّسل  » و  » الحريّة الجنسيّة  » ومنها        » علم البيئة  » ومنها  » أولويّة القطاع الخاص  » وطمسُ دور الدّولة في المجتمع إلاّ إذا كان في خدمة رأس المال. ومنها  » حريّة التّجارة  » و  » المجتمع المدني  » و  » المنظّمات غيرُ الحكوميّة  » ومنها  » مُرونة قوانين العمل  » و  » شرعيّة اللّواط  » و  » الحَوْكَمة الحسنة  » (la bonne gouvernance). كلّ هذه المفاهيم أصبحت محلَّ ترويجٍ في الإعلامِ ومدارِجِ التّعليم والمنظّماتِ الدّوليّةِ وفي المحافِل الدّوليّةِ حتّى أصبحت برنامجًا سياسيًّا تعمل كلُّ الدّولِ بموجب معانيها الهادفةِ إلى تذليلِ الإنسانِ للدّافعِ المادّيِّ. إلاّ أنّ كلَّ هذه الدّعايةِ المُغرِضة لم تستطِع الغطاءَ والطّمسَ على كلّ الأخطارِ البائدةِ والتّي شحنتها في سياقِها والتي تحدِقُ وتحوطُ بالبشريّة، وذلك بشهادة حامِلي وجدان الحداثةِ. 

ففي العقد الأوّل من القرن العشرين تنبّأ O. Spengler في كتابه (l’Homme et la technique) بانقلاب التّقنيّة على صاحبِها الإنسان. فالأحداثُ أثبتت فرضيّتَه نظرًا للقوّةِ التّدميريّة التّي خزنها الإنسانُ من خلال الأسلحة النّووِيّةِ والكيمائية والجرثوميّة ومن خلال تدهْوُر البيئةِ إلى ما لا رُجعةَ فيه بانقِراضِ أنواعِ الثّرواتِ الحيوانيّةِ ومن تقليصِ المردوديّةِ نِسبةً لِحجم الاستثمارات المُخوّلةِ في الفِلاحةِ والصّيدِ البحري. ناهيك عن الأخطار النّاجمةِ عن البحوثِ على الخلايا والجراثيم، أو النّاجمةِ عن إطلاقِ سراحِ قوّةِ العناصرِ من الزّلازل والرّياح العاتيّةِ والحرائقِ والأمطارِ الطّوفانيّةِ. ومن جهتِه وصل C.L.Strauss إلى نفسِ النّتيجةِ بطريقةٍ أخرى. فهذا المُتخَصِّص في فلسفةِ البِنائيّةِ (le structuralisme) كرّس حياتَه لإظهارِ وحدةِ الإنسِ بُغيةَ تجاوُزِ أنانيّةِ الغربِ الحديثِ الفكريّةِ. إلاّ أنّه فشِلَ في مسْعاهُ لِتقييدِ بحثِه بالمقاييسِ الفكريّةِ والنّفسيّةِ التّي برّرت واقِعَ العالَمِ الحديثِ. ومن هذه المقاييس ما سمّاه هذا الباحثُ  «(les trois maîtresses) « أي  «الرّبّات الثلاث « إن صحَّ التّعبير وهي نظريّة التّطوُّرِ الفلسفيّةُ، والفكرُ الماركسي والتّحليلُ النّفسيّ. وأمام فشلِه دون أن يعيَ من أين جاءه ذلك خلُص C.L.Strauss في كتابه (tristes tropiques) أي  « الدّائرات الاستوائيّة الحزينة«  خلُص إلى « أنّ الكونَ كان قبلَ الإنسان وسيزول بدون الإنسان« . والغريب أنّه جعل من الإنسانِ المحرِّكَ لسرعةِ توجُّهه نحـــو زوالِ نفسِـــه. وهناك شاهــدٌ ثـــالثٌ عـــلى فــشــلِ العالــَمِ الحــديثِ وهــو M.Foucault والــذّي أورد في كتابـــه (les mots et les choses) مظاهرَ الاستلابِ التّابعة للشّموليّةِ الليبراليّةِ والتّي أوصلت الإنسانَ إلى الشّعورِ بمحدوديّةِ وزواليّةِ كيانِه كجزاءٍ لِجحودِ تواصلِه بالحقائقِ الرّوحيّةِ.

وأخيرًا إنّ نهايةَ الحضارةِ الحديثةِ تُــنـــبِّؤنا بها الأفلام الخياليّةُ بشكلٍ غامضٍ في مشاهدِ حروبٍ تدميريّةٍ بل كارثيّةٍ أو في مشاهدِ جُنونيّةٍ أو في مشهدِ انتقال كَمشةٍ من الإنسِ على متنِ مركبةٍ فضائيّةٍ متّجهةٍ داخِلَ مجرّتها أو نحو مجرّة مجهولةٍ والأرض على عتبةِ نهايتِها. وما كلُّ هذه التّوقُّعاتِ إلاّ شعورٌ غامضٌ ومحدودٌ لما تنبّأت به كلُّ الرّسالاتِ السّماويّةِ.

***

بعد كلّ المعطياتِ التي أوردناها فدور مال اليهود بتناغمٍ مع التّيّار الأُنسيِّ في انفِقاص العالمِ الحديثِ، فدورُهم حقيقةٌ لا يمكن إنكارُها. نذكّرُ أنّ النّفوذَ اليهوديَّ بدأ يظهرُ على تقاطُعِ أربعةِ عوامِلِ: عاملٌ خاصٌّ بتشرّدِهم التّاريخي وثلاثةٌ خاصّةٌ بالمجتمعِ الغربيِّ ذاتِه. منها تراجعٌ للثّقل الرّوحيِّ لدى الكنيسةِ، ومنها صعودُ المملكةِ المطلقةِ في السّياسةِ، ومنها الصعودُ الاجتماعيُّ والسّياسيُّ لطبقةِ التّجّارِ. وإذا كانت العواملُ الغربيّةُ مظهرَ التّيّارِ الأُنسيِّ وأنانِيّتِه والمناشدة إلى الدّافعِ المادّيِّ، فتشرّدُ اليهودِ منحهم على منافسيهم ميزةَ رصدِ الأخبارِ الماليّةِ والتّجاريّةِ على مستوى العالمِ المتوسّط ثمّ على مستوى الكرة الأرضيّةِ، حتّى قيّدوا سياسةَ الدّولِ الغربيّةِ.

إنّ نفوذَ اليهودِ في العالَم ذو وجوهٍ عديدةٍ وتارةً متناقضةً ظاهرًا، حتّى أثار ذلك الشّكَّ في حقيقةِ نفوذهم، وخصوصًا أنّ عددَهم قليلٌ ومهينٌ نسبةً لِملايِيرِ الإنسانيّة، وخصوصًا أنّ واقعَ الأقلّياتِ في تاريخِ البشرِ أبقاها على حُكمِ أقلّيتِها لِتتأثّرَ بما تحمِله التّيارات التّاريخيّةُ عبر القرونِ. هذا هو لُبُّ الإشكاليةِ اليهوديّةِ أيْ كيف فئةٌ يصلُ عددُها تقريبًا إلى عشرين مليون نسمةٍ، تقيّدُ وتُسيِّرُ حياةَ كلِّ البشريّةِ ؟ أمّا على الواقع الملموس فقد أُقيمتْ القرائنُ في هذا الأمرِ من خلالِ ما كتبه اليهودُ أنفسُهم مثل K.Marx أو مثل J.Attali اللّذان أبرزا الجذورَ الماليّةَ للنّفوذِ اليهوديّ في سياسة الدّولِ الغربيّةِ بعد القرون الوسطى وقبلها. وأُقيمت القرائنُ في ما كتبه Carrol Quigley حول الأقلّيةِ التّي تولّت وتتولّى السّياسة في بريطانيا والولايات المتّحدة للمصلحة الماليّةِ اليهوديّةِ. وأخيرًا أقيمت القرائنُ في نفوذِ اليهودِ فيما نشره P. Hillard من الوثائقِ الهامّةِ حول المؤسسّاتِ التي تُديرُ شؤونَ الإنسانيةِ بما يُسايِرُ مصالحَ رأسِ المالِ اليهوديِّ من وراءِ الحكوماتِ والمنظّماتِ الدّوليّةِ والجمعيّاتِ المدنيّةِ والجمعياتِ غير الحكوميّةِ. نضيف ما نشره نفس المؤلّف من الوثائق التّابعة لعمليّة التخريبِ التي تعرّضت لها الكنيسة الكاطوليكيّة والتي خلُصت إلى وثيقة فاتيكان II (Vatican II) تحت إشراف بابين هما Jean XXIII و Paul VI في نصف السّتينات من القرن العشرين. وقد تمّت هذه العمليّة في الكواليس بإشرافٍ من المؤتمر اليهوديّ العالميّ (CJM) ومن الجمعيّة اليهوديّةِ « آبْناي آبريث» (Binaï Brith) والمؤسّسات اليهوديّة الفرنسية (Crif). وإذا كان النّفوذ الماليّ والسّياسّ اليهوديّ واقعًا ملموسًا، فملاحظتُه لا تفتح البابَ بالضرورة على معرفة سِرِّه. هذا ما حاول فكَّه Pierre Hillard في كتابيه L’Atlas du Mondialisme و L’Archives du Mondialisme  بجعله نبذ اليهود للرّسالةِ العيساويّةِ السّببَ الرّئيسيَّ لِهيمَنتِهم الماليّةِ والسّياسيّةِ في عالمِنا. وإذا كانت عداوةُ اليهودِ للمسيحيّةِ صريحةً في التّلمود (le Talmud) وثابتةً خفيّةً في ظواهِرهم، نظرًا للتّناقُضِ بين التّثليثِ المسيحيّ والتّوحيدِ اليهوديِّ فهذه المسلّماتُ لا تكفي لِفقه شموليّةِ النّفوذِ اليهوديِّ. ما يُدلّيها إلى درجةِ النتيجةِ وليست سببًا ولو أصبح العالمُ الغربي منذ ستّة قرونٍ ركنًا أساسيًّا للنّفوذِ اليهوديّ. نضيف أنّ في تقاريره غفل Pierre Hillard عن الظروف التي أشرفت على انتقالِ مهمّةِ المسيحِ (ع) من الحضن اليهوديِّ المقصود الأوّل لرسالتِه إلى حُضنِ غيرهم، ناهيك عن أنّه خلط بين الزّيغ عن السّلوك الرّوحيّ في اليهوديّة وبين مبدأِ هذا السّلوكِ الرّوحيّ. ما دفعه إلى تصنيفِ  القبّلة (la Kabbale) منهجًا شيطانيًّا في أصلها تُحاذي الكهانةَ والسّحرَ، فأخطأ ودفع إلى الخطأِ كلّ من صدّقه في هذا السّياق. إنّ ضعفه في معرفةِ أصول السّلوك الرّوحيّ وفي معرفة أعراضِ الزّيغ عنه يُنقصُ من قيمةِ عديدٍ من تأويلاتِه رغم القيمةِ الوثائقيّةِ لأعماله لِقطعِها السّبيلَ عن دعوةِ « بغض السّاميّة » التي يُطلقها اليهودُ نحو كلِّ من جرؤَ أنْ يُدليَ في شأنِهم بغير ما تُروِّجُ له صورتُهم الرّسميّةُ.

وإذا كان الأمرُ كذلك – وهو كذلك – فسرّ النّفوذِ اليهوديِّ العالميِّ يكمنُ أوّلاً وأخيرًا في ما يسمّى « الخصوصيّةُ اليهوديّةُ» (Le particularisme juif) ويكمنُ سيّما في زيغِها عن حقيقتِها الرّوحيّةِ الأولى والقديمة كما سنراه. ولِتسليطِ الضّوءِ على أبعادِ الخصوصيّة اليهوديّةِ فلْنرجع إلى قراءةِ قصّةِ اليهودِ قبل الميلادِ وما طرأ عليها عند ظهور المسيح عيسى (ع) وبعد ظهورِه. إنّ خصوصيّةَ اليهودِ عنوانٌ يتعلّقُ بِباطن كيانِهم، نريدُ القولَ أنّها ميزةٌ دينيّةٌ كرّست ملّةَ العبرِ حاملةَ مهمّةٍ مقدّسةٍ على خلاف غيرهم، فضلاً عن مهمّةِ الرّسالةِ والنّبوّةِ التي تظهر من وقتٍ إلى آخرِ على لسانِ شخصٍ أو أشخاصٍ منهم. إنّ ثقلَ هذه الخصوصيّةِ عبرَ تاريخ العبرِ واليهودِ كان يقابِله دائمًا عقابٌ كلّما تفشّى فيهم زيغٌ عن أمر الله عزّ وجلّ. فحُكم الخصوصيّةِ هنا ورد خبرُه في الأسفارِ القديمةِ (L’ancien testament) من التّراثِ اليهوديِّ المسيحيِّ. وقد أكّد القرآن الكريم لاحقًا خبرَ هذه الخصوصيّةِ في قصص الرّسلِ والأنبياءِ. ويبدو بناءً على ما حملتْه الكتبُ المقدّسةُ والأخبارL’histoire traditionnelle)) أنّ خصوصيّةَ العبر أُقِرَّت منذ عهد يعقوب (ع) والذّي سمّاه الله إسرائيل بمعنى «نصر الله» أو «ناصر الله». ولِطبيعتِها الرّوحيّةِ والباطنةِ، فهذه الميزةُ بقيَتْ خارجَ مقاييس العلومِ الإنسانيّةِ والبحوثِ التّاريخيّةِ المعهودةِ. ما جعل موضوعها لا يذكرُ إلاّ عند أهل السّلوكِ الرّوحي والعرفانِ. فمنذ سيّدنا يعقوب (ع) أصبح تاريخ بني إسرائيل عبارةً عن تسلسلِ استقامةٍ روحيّةٍ يليها زيغٌ عنها ويعقِبه عقابٌ ربّانيٌّ، مثل ما حدث في عهد الرّسولِ موسى (ع) وفي عهد النّبيّ الملك طالوت (SAUL) (ع). 

وبينما تواصلَ مصيرُ بني إسرائيل على وتيرةِ الاستقامةِ والزّيغِ عنها، وعدَهم الله في القرنِ العاشرِ قبل الميلادِ على لسانِ النّبيّ داوود (ع) أنّه تعالى سيبعث إليهم مسيحًا يكون على قدمِ «ملك اتصّدق» (Melki Tsédeq) بمعنى «ملِكُ العدلِ» في التراث اليهودي المسيحي (مزمار  Ps CX, 4 ) وحكم (statut) «ملك اتصدّق» في السّلوك اليهوديّ المسيحيّ يقابله في السلوكِ الإسلامي (l’ésotérisme islamique) القطب الغَوثُ لكونه محلّ نظرِ الله، وصفاتُه (attributs) السلام العدلُ. ما يجعل من هذا المسيح المنتظرِ رحمةً للعالمين وهي صفة الرّسول. ثمّ تكرّر هذا النّبأُ في القرن الثامن قبل الميلاد على لسانِ نبِيّينِ  » عيسائي  » و « Esaïe »  » ميكائي «  « Michée »، فتنبّأ الأوّلُ بأنّ المسيح المنتظر سيرى النّورَ في بطن آل داوود (ع) وأُمُّه عذراءُ           (Esaïe-VII-13,14). أمّا الثاني فتنبّأ بمَسقطِ رأسِه في مدينة القدسِ (Michée V-1,2) وسيّما  » بيت لحم  » (Bethlehem).

وفي سياق زيغٍ حدث في القرن الخامس قبل الميلاد تبعه عقابٌ حصل جلاءُ بني إسرائيل إلى العراق بفعل جيوش الأشور. ولم ينتَهِ هذا الجلاءُ إلاّ بعد سبعة عقود بفعل ملكِ الفرس سروش؛ وأعيد بناء هيكل سليمان (ع) تحت إشراف النّبيّ  » زُرُ باب إل  » « Zorobabel ثمّ جاءت فترةُ تجميدٍ روحيٍّ وسياسيٍّ عقبَه احتلالٌ من قِبل جيوش روما في القرن الأوّل قبل الميلاد. ولمّا بلغت الأزمة مبلغَها من تعقيدٍ في الشرع أو من انحرافٍ عنه ومن انسِدادٍ في أفق الدّولة، بدأت تتردّدُ الأنباءُ في وسط أهل السّلوك (le milieu ésotérique) حول انفراجٍ قريبٍ مظهرُه المسيحُ سيُصلح أمورَ بني إسرائيل. ومن الملاحظِ وأيضًا من العجيبِ أنّ هذه الوضعيةَ النّفسيّةَ الممزوجةَ من القلقِ والأملِ لم تُوثِّقها المراجعُ اليهوديّةُ الرّسميّةُ لأسبابٍ سنراها لاحقًا. ومن جهتِه جهلَ التّاريخُ الرّسميُّ المعاصِرُ هذه الوضعيةَ التي سيتولّد عنها قريبًا شأن المسيح المنتظر. ذلك أنّ المؤرّخَ (Josephe Flavius) يهوديَّ الأصل ما ذكرها إلاّ في رمشةِ عينٍ بإشارته الخاطفة إلى رجلٍ في فلسطين يدّعي أنّه المسيحُ. ويُفسَّرُ هذا الصّمتُ التّاريخيُّ بِكونِ القضيّةِ المسيحيّةِ في بدايةِ أمرِها قضيّةً داخليّةً لليهوديّةِ. ولا ينتشرُ خبرُها وشأنُها عبر امبراطورية روما إلاّ بعد خروجها من الحضن اليهودي بعد رفع المسيح (ع) في العقود الأولى من رسالتِه. وهكذا أصبحت الأناجيل (les Evangiles) المرجعَ الأساسيَّ  يُسلِّطُ الضّوءَ على هذه الفترةِ الغامضةِ من تاريخ المسيح (ع) والمسيحيّةِ، لِيُساهِمَ في توضيحِ مُلابساتِ بُغضِ اليهودِ للمسيحِ عيسى وأمِّه (ع) ومُطالبتِهم مسيحًا منتظرًا لاحقًا وغير عيسى ابن مريم (ع). ويساعد المرجع الإنجيلي من حيث أنّه حاملُ قصّةَ المسيح، يساعد على فهم تحويلِ الخصوصيّةِ اليهوديّةِ من مظهريّتِها للرّوح إلى حالِ مظهريّةٍ للدّجّالِ (la parodie) على مستوى البشريّةِ قاطبةً في أواخِر الطّور البشريِّ. إنّ الإنجيلَ رغم تعدُّدِ نُسخِه عبارةٌ مِن أحدِ وجوهِه عن روايةِ تحقيقِ وتأكيدِ لِما تنبّأت به أنبياءُ بني إسرائيل منذ النّبيّ داود (ع) إلى آخرهم يحي ابن زكريا (ع) (St Jean le baptiste) معاصرِ المسيحِ والذّي ظلّ يردِّد: « غيِّروا حياتَكم لأنّ مملكةَ السّماواتِ قد قرُبت… هيِّئوا الطريقَ للرّبّ واجعلوا له مسالكًا مستقيمةً » (متىIII-2،3). ويكمُن هذا التّحقيقُ في ظهورِ المسيح المنتظرِ بكلِّ المعالم الرّمزيّةِ التي نعَتَــتْه بها التّـــنــبُّؤاتُ السّابقةُ. فهو ينتمي إلى آل داود (ع) من جهة أمِّه وأمُّه مريم عذراءُ سالِكةٌ سلوكَ العبودية لله، ونشأ بنفخ الرّوحِ المقدّسِ في رحِمها، ومسقط رأسِه بــ بيت لحم (Bethlehem) (لُقّI- 26 إلى 38)، واسمُه  » عِيمـــنـــئيل  » بمعنى  » الله معنا  » (متى I-23). ويؤكّدُ الإنجيلُ أنّ دعوةَ المسيحِ (ع) في أصلها كانت موجّهة لبني إسرائيل، حيث يقول عيسى (ع)  » وما أُرسلت إلاّ إلى نِعاج بني إسرائيل الضّالّةِ  » (متى XV-24) لِيُتابع  » ما أَتيتُ لأُزيلَ الشّريعةَ الموسويّةَ وتعاليمَ الأنبياءِ، بل أُرسِلتُ لأُتَـــمِّـــمها  » (متىV-17). ونظرا لاتِّسام المسيح (ع) على قدمِ  » مَلْكِ اتصدّق  » فالاتمامُ الذّي يشيرُ إليه، يعني أنّ الرّحمةَ التي يحمِلها يتجاوزُ مداها حدودَ ملّةَ العبرِ واليهودِ مع بقاء شرفِ الأفضليّةِ لهم.

وفي دعوتِه قد انتقد المسيحُ (ع) علماءُ الرسومِ اليهود، انتقادًا شديدًا لِما كانوا يأمرون النّاسَ وينسَون أنفسَهم وهم يتلون الكتاب (متى XXIII– 1 إلى 7 ثم من 13 إلى 27).

إنّ كلَّ هذه الأحداثَ التي تُصدّقُ وتؤكّدُ ما تنبَّأت به أنبياءُ بني إسرائيل، كان من شأنها أنْ تَسُر مِلّتَهم ولم تفعلْ بل سكتت عنها وطمست عليها حتى لا نجد لها رائحةَ أثرٍ في تاريخِ اليهودِ الرّسميِّ، مثل ما هو شأنه عند Isidore Epstein في كتابه le Judaïsme (Payot) أي  » اليهودية « . والسّبب في ذلك انتِكاسُ العلم إلى ظواهرِه عند علماءِ اليهودِ، وتشَـــبُّـــتُهم بحكم أفضليةٍ دفعهم إلى الاعتزاز بالنّفسِ بعيدًا عن التّحلّي بالرّوحِ. ما أصمّهم إذْ رأوا في أفقِ بثِّ الرّسالةِ العيسويّةِ على النّاسِ كافّةً، رأوا فيه فرصةً تُفقِدهم الأفضليّةَ على الإنسانيّةِ ووساطتَهم المفترضة بين البشرِ والله. وهناك سببٌ آخرُ غذّى معارضةَ اليهود للمسيحِ، وهو تنــبُّؤُه برسولٍ سيأتي بعده اسمُه  » الـﭘــَرَكِليتْ  » (le Paraclet) (يحنّى –XIV26). ما يؤجِّل حدوثَ القيامةِ إلى موعدٍ آخرِ، فضلاً عن أنّهم كانوا لا يعتقدون إلاّ قيامةً ظاهرةً يعتلي فيها اليهودُ عرشَ الحكمِ والقيادةِ على باقي الإنس إلى الأبدِ.

إنّ معارضة اليهودِ للمسيح أدّى من جهةٍ إلى رفعِه (ascension) بعد أنْ نبّأهم بعقابٍ آيٍ يحطَّم فيه الهيكلُ حيث « لا يبقى حجرٌ على حجرٍ، ويُسوّى به الأرضُ» (متىXXIV-2 و 6). ومن جهةٍ أخرى قد أدّت معارضةُ اليهودِ إلى خروجِ بركةِ رسالة المسيح (ع) من الحضنِ اليهوديِّ إلى حضنِ غيرِهم وإلى نزعِ الأفضليّةِ من الملّةِ اليهوديّةِ. وقد تمّ خروجُ دعوةِ المسيح (ع) من الحضن اليهوديِّ بإشرافٍ من السّيّدة مريم (ع) كما يشهد لذلك كتابُ  » أعمال المبعوثين  » (Les actes des Apotres) في الأسفارِ الجديدة (Le Nouveau Testament). ولا نذكرُ هنا تغييرَ اتّجاهِ المسيحيّةِ إلاّ للإشارة فقط حتى لا نخرُجَ من موضوعنا حول الخصوصيّةِ اليهوديّةِ.

وقد سبق للقدِّيس بولس (St Paul) أنْ أشار في رسالتِه إلى الرّومان إلى معارضة اليهود ثمّ إلى عزلِهم عن الأفضليّةِ، وأخيرًا إلى شرط نجاتِهم بعد نبذِهم المسيحَ عيسى (ع). فأشار إلى معارضتِهم « بتجاهُلِ اليهود حقّ الله ليضعوا محِلّه حقّهم الخاصَّ. فهم رفضوا أن يُسلِموا الحكم لله لأنّ نهايةَ الشريعةِ (بمعنى غايتَها) هي المسيح»  (بولس- إلى الرومان، X-3، 4). وفي بابٍ آخرِ من نفس الرّسالةِ إشارةٌ واضحةٌ إلى نزعِ الأفضليّةِ من اليهودِ حيث كتب « إذا كان عزلُ [اليهود] عن الأفضلية سببَ تصالُحٍ مع العالمِ (بمعنى بانتقال المسيحية إلى حضن خارج اليهود)، فما كان مصيرُ من دخل منهم [ بمعنى في المسيحية] إلاّ قيامةً من بين الموتى » (بولس إلى الرّومان-XI-13 و 15). غير أنّه رغم نبذِهم لعيسى عليه السّلام، أبقى الله بابًا مفتوحًا في وجه كلِّ اليهودِ الباقين بإخلاص على الشّريعةِ الموسويّةِ كما جاء في نفس الرّسالةِ « أعداءٌ (يعني اليهود) بحسب ألإنجيل وبسبب اجتباء آبائهم فهم محبوبون » (بولس إلى الرومان – XI-28).

***

اعلمْ أنّ شأنَ الرّسالةِ ثقيلٌ في ذاته وثقيلٌ على المرسول بها وعلى المُرسَل إليهم سيّما إذا منّ اللهُ عليهم بالأفضليّةِ. فكما لِقبولِ الرّسالةِ عواقب حسنةٌ، فللإعراضِ عنها عواقب وخيمة ومضرّةٌ، نظرًا لِثقلِها الوجوديِّ. فبعد نبذِهم عيسى ابنَ مريم (ع) بعث الله جيوشَ الرّومان على بني إسرائيلَ لِيُدمِّروا الهيكلَ رمزَ سلطَتِهم الرّوحيّةِ وقوّتِهم السّياسيّةِ، ولِيُشرِّدوا اليهودَ على وسعِ الشّرقِ الأوسطِ وضفاف البحر الأبيض المتوسّط. ولا يظهرُ ردُّ الفعلِ اليهوديِّ لهذه الكارثةِ النّائلةِ منهم في الكتب إلاّ ابتداءً من القرنِ الثاني بعد الميلاد. ويتعلّق الأمرُ فيما أقدم عليه علماءُهم من تأسيس  » التّلمود « (le Talmoud). وهو جمعُ الأحكامِ الشّرعية ليكون مرجعيّةً في حياةِ اليهودِ أينما كانوا، وهو أيضًا عبارةٌ عن رسمِ آفاقِ مصير اليهودِ النّهائيِّ.

والجديرُ بالذّكرِ أنّ  » التّلمود  » ذو ثلاثِ ميزاتٍ فضلاً عن كلّ الأحكامِ الشّرعيّةِ الموسويّةِ التي بوّبها:

1- الميزة الأولى تتعلّق بتحريم الرّبا بين اليهود وإحلالها بل بفرضها على غير اليهود كما أورد ذلك Jacques Attali في كتابه Les Juifs, le monde et l’argent ( ص،163، 164 و 165).

2- أمّا الميزة الثانية فتابعةٌ لجُهدِه في إبقاءِ اليهودِ على شعورِ أفضليّتهم رغم إلغائها عنهم كما يشهد لذلك تدميرُ هيكَلِهم وتشرُّدُهم الأخير، وفي إبقاء اليهودِ في حال انتظارٍ لمسيحٍ لاحقٍ سيُخلِصهم من معاناتِهم رغم ظهورِ مسيحٍ توسّم بكلِّ معالِم دلالته بموجب ما أتت به تنبّؤاتُ داود وعيسائى (Issaïe) وميكائى (Michée) (ع) بمعنى مسيحٍ على قدمِ  » مَلك ٱتصدّق  » في بطن آل داود (ع) من أمّ عذراءِ عابدةٍ لِربّها وفي بيت لحم (Bethlehem) واسمه  » عيمنُئيل « .

3- وأمّا الميزةُ الثالثةُ فهو بُغضُه الشّديدُ للمسيح عيسى ولأمِّه مريم عليهما السّلام، إذ ذكرهما بأقبحِ النُّعوتِ مثل  » ابن الزّينة  » و  » الزّانية  » ، ما لا يليق مطلقًا بمنزلتهما الرّوحية وما جعل من هذه النّعوت القذِرة بُهتانًا عظيمًا.

ويبدو أنّ ميزاتِ التّلمودِ الثلاثَ نتيجةُ خيبةِ اليهودِ لِما نبّأهم المسيحُ (ع) بمجيءِ  » الــﭘـَـركَليت « (Paraclet) بعده، ولِما لمْ تجْرِ رسالتُه بما تهوى أنفُسهم من إعلانِ وإقامةِ اعتلائهم إلى الأبد عرشَ البشريّةِ. إنّ الميزاتِ الثّلاثَ للتّلمودِ عبارة عن النّظام (la chaîne) والخرز (la trame) المُقيّدين لِسلوكِ اليهودِ الباطنِ والظّاهرِ منذ ألفي سنةٍ. فهي أيضًا الرّكنُ الوجوديُّ الخصوصيُّ الذي تركنُ إليه اليهودُ منذ أن برزت ملامِحُ العالَم الحديثِ لتكون أساسَ نفوذِهم الماليِّ والسّياسيِّ العالميِّ، والممثِّل بالفعل حاليًا في الحَوْكمةِ العالميّةِ (la gouvernance mondiale). وأخيرا فهذه الميزاتُ الثلاثُ للتّلمودِ فِراشٌ تولّدت عنه مظاهرُ المسيح الدّجّالِ في الفكر والوجدانِ قبل أن يظهرَ المسيحُ الدّجّالُ نفسُه لاحقًا.

ولمّا طالَ أمرُ الانفِراج على اليهودِ ولم يحضُر مسيحهُم المفترضُ، وتواصلت معاناتُهم القاسيّةُ في تدمير مملكةِ الخزار في جنوب غربي روسيا في القرنِ التّاسعِ (م)، ثمّ في متابعتِهم ومضايقتِهم في إسبانيا في القرن الخامسِ عشر (م)، بلغ اليأسُ مبلَغه فيهم وغفلت طُرقهم الرّوحيّةُ عن مراقبةِ استعدادِ الملتحِقين بها، فحصل زيغٌ عن هدفِها الرّوحيّ إلى الاشتغال بالتّنبُؤِ بتاريخِ انفراجِهم. وفي هذا المشهدِ المؤلِم ظهر في القرن السّابع عشر (م) نبيٌّ دجّال اسمه سبّطي زاوي (Sabbataï Zévi) زعم دون جدوى أنّ المسيحَ المنتظر سيبرز سنة 1648، مع كلّ الخيبة التي لحِقت بأتباعِه كما أوردناه سابقًا. وبعد قرنٍ تقريبًا خرج شخصٌ آخر يدعى Jacob Frank ابن ربّيٍّ سبّطيٍّ، لِيدّعي أنّه المسيحُ المنتظرُ من قبل اليهود، وأنّه جاء لِيُنهيَ سلطةَ التّلمود وسلطة كلّ الرّسالاتِ ولِتحريرِهم من كلّ مِحنِهم بإطلاقِ سارحِ قوّة الغرائز. وقد مثّل هذان الشخصان اليهوديّةَ المنحرفةَ ذاتَها Le Judaïsme dévié، ورغم إقصائهما من الملّة اليهوديّةِ بموجب فتوةٍ (Herem) رسميّةٍ، قد لقيا صدًى معتبرا في الأوساط اليهوديّةِ وسيّما في وسط الرّبّيين السّاهرين على التّمسُّك بالأحكام الشّرعيّة.

لقد تأثّرت اليهوديّةُ المُنحرِفةُ بالفكرِ الأُنسيّ فنَتج عن ذلك التّيّارُ اليهوديُّ القوميُّ أو العنصريُّ بحجرِ الهويّةِ اليهوديّةِ في بعدها النّفسي والمُناهِضِ لِبُعدها الرّوحيّ. هذا شأن الحركةِ الصّهيونية المؤسّسة في القرن التّاسع عشر (م) من قبلThéodore Herzl  ، والمطالِبةِ لأرضٍ تؤوي القوميّةَ اليهوديّةَ. ومن جهةٍ أخرى، تناغمت اليهوديّةُ المنحرفةُ مع التّيّارُ الأنسي لإنتاجِ فكرٍ حديثٍ يزرع الشّكَّ في الدّين ثم البغضَ له في هرم التّعليمِ والتّربيةِ وراء قِناع العِلم. هذه هي الوظيفةُ الفكريّةُ المُخرِّبةُ التي تحمّلها الثّنائيK. Marx  و F.Engels ثمّ S.Freud و C.G.Jung بشكلٍ مباشرٍ، والتي تحمّلها بشكلٍ غير مباشرٍ E.Durkheim و Bergson و A.Enstein من وراء خطابهم الخاص في الفلسفةِ وعلمِ النّفسِ وعلم الاجتماع. وهنا نحثُّ على الدّورِ الفاعلِ الذي لعِبتْه اليهودُ في إثارةِ الثورةِ الفرنسيّةِ في آخر القرن الثامن عشر (م) من خلال دور Mirabeau وفي إثارة  ثورة آتاترك وقيادتها من قبل جمعية  » الأتراك الشّبان  » (les jeunes turcs) والمؤسسةِ في 14 جوليت 1889 من يهودٍ تظاهروا بالإسلام. ونحُثُّ أيضا على الدّورِ المحوريّ الذي لعِبته اليهودُ في إثارة وقيادة الثورة الرّوسيّةِ سنة 1917 وفي التنظيم العالمي للحركة الشّيوعية بِتناغُم الطّبقاتِ الاجتماعيّة اليهوديّةِ عكس تشجيع صراع الطّبقات خارجَ المِلّةِ اليهوديّةِ، إذ موّلَت البنوكُ اليهوديّةُ نقلَ الثّوّار اليهود من أوربّا الغربية إلى روسيا بالأخذ على عاتقها الجانبَ الماليَّ والإداريَّ والدّبلوماسيَّ لهذه العملية. وهي التي موّلت السّياسة الاقتصاديةَ الجديدةَ التي أطلقها Lénine سنة 1921. وكانت عاقبةُ قبضةِ اليهودُ على الثورة الروسية ترقيةَ نظام Staline الذي أتى على إبادة ملايين من الجليّةِ الرّوسيةِ لنحو ثلاثةِ عقودٍ بمعنى إلى أن يموت سنة 1953. كلّ هذه المعلوماتِ أوردها P. Hillard في نشره وثائقًا قيّمةً تطلعنا على الدّورِ الماليِّ والسّياسيِّ والتخريبيِّ التّابع لِنفوذِ اليهودِ.

  وبالتّوازي لِدورِها التخريـبيِّ أقدمت اليهوديّةُ المنحرفةُ في السّــتّــينات من القرن العشرين على عمليةِ تنسيقٍ بـل على عمليةِ إدماجٍ عُضويٍّ لكلِّ فروعِها التّاريخيةِ بقيادةِ التّيّارِ الصّهيونيِّ وتُستثنى من هذا الإدماج الفئةُ اليهوديّةُ القليلة التي بقيت وربّيبوها على الشريعة الموسويّةِ وعلى نبذ الصهيونيّة ونبذ مبدأِ إقامة دولةٍ يهوديّةٍ في فلسطين وعلى نيّة معايشةٍ سلميّةٍ للأممِ المُضيفةِ لهم بعد تشرُّدهم الأخير. هذا ما أكّده Ilam Greilsammer بقوله:« إنّ النصوصَ المقدّسة التي ورد فيها احتمال رجوعِ المشرّدين من اليهود في آخر الطّور البشري نصوصٌ صريحةٌ في الموضوع. فبِحسب الرّبيين إنّ رجوعَ اليهود إلى الأرض المقدّسةِ سيحصلُ بأمرٍ من الله ولا بإرادتِهم إلغاءَ التّشريد. إنّ النّصوصَ المقدّسةِ المتلوّةَ من قبل الحكماء من اليهود تمنعهم أن يتمرّدوا وأن يُزيلوا ثِقلَ الأُممِ عليهم ولو كانت معاناتهم شنيعةً. هذا يفسّر إدانةَ الصّهيونيةِ المطلقةَ من قبل رِبّيّ أربّا الشرقية والوسطى».

 (In Laïcs et religieux en Israel – cahiers de l’Orient-N° 54-p.137 Cité par C.A. Gilis – La profanation d’Israel selon le droit sacré – Dar addoha).

إنّ الكلامَ المنسوبَ لليهود الباقين على شريعة موسى (ع) إقرارٌ ضمنيٌّ وصريحٌ بالأمر الرّبّانيِّ لِبني إسرائيل أن يمتنِعوا من نصب دولةٍ سياسيةٍ بعد تدمير الهيكلِ، الأمرُ الذي خرقته الصّهاينةُ بإعلانِ دولتِهم في فلسطين منذ سنة 1948 وبِنيّتهم إعادة بناء الهيكل ربّما على ركام المسجد الأقصى.

***

قد أفضى إدماج فروع اليهوديّةِ المنحرِفةِ إلى هيمنةِ الفرعِ الصّهيونيِّ عليها بِمطالبةِ التّراثِ الرّوحيِّ اليهوديِّ مع إنعاشِ عنواني المسيحِ المُنتظرِ وإعادةِ بناءِ الهيكلِ في القدس. وفي هذا السّياقِ ظهرت دعايةٌ مغرِضةٌ تصفُ الصّهيونيةَ المُلحِدةَ طبيعةً، كأنّها في تواصُلٍ مع الشّريعةِ الموسويّةِ مثلَ ما ٱدّعاه Nathan Weinstock في كتابه « Le sionisme contre Israel »، حيث كتب « ليس للصّهيونيّةِ من تماسكٍ إلاّ بإسنادها إلى الدّينِ الموسويّ. فألغَوْا مفهومَ الشّعبِ المُختارِ ومفهومَ الأرضِ الموعودةِ، وأساسُ الصّهيونيّةِ ينهارُ» (ص 315-أورده C.A.Gilis في كتابه addoha-la profanation d’Israel) ).ما يؤدّي إلى التّشخيصِ الفعليّ لِما سمّاه الشيخ عبد الواحد يحي « السّنّة الدّجّالة « ( la contre tradition ). فهي المرحلةُ الأخيرة للطّور البشري يخرج فيها المسيح الدّجّال بعينه. ومن مخلّفاتِ الحملةِ الإعلاميّةِ والثقافيّةِ التّي تولّت هذا الاتّجاهَ، التّعاطُفُ بل التّلاحُم به لِجزءٍ من المسيحيّين، كُنَّوا بالمسيحيّين الصّهاينةِ المُنتمين للإنجيليين ومنهم المحافظون الجُدد المتأثّرون بفكر اليهوديّ Léo Strauss ومنهم G.W.Bush الرئيس الأمريكي السّابق ومنهم تعاطفًا D.Trump للرّئيس الأمريكي الحاليّ والمتزوّجةُ بنـْـــتُه بالصّهيونيّ J. Kushner. فالمسيحيّون الصّهاينةُ ملتزمون بالتأويلِ الصّهيونيّ لرمز المسيح المنتظر، ومخالفون بذلك آفاقَ العودةِ الثّانيةِ للمسيح التّاريخيّ السّابقِ كما يعتقده المسيحيّون الكاطوليك. إنّ التّلاحُمَ الحاصلَ بين فرعٍ من المسيحيّين والصّهيونيّة منذ الخمسينات من القرن العشرين هو سرُّ سند أمريكا غير المشروط للدولة الصهيونية في فلسطين.

بينما نذكُر الإطارَ العامَ الذّي يميّزُ النّشاط الصّهيونيّ فلْنَعُد إلى عنوانِ المسيح المنتظرِ والذّي أصبح حصانَ طرودًا جديدًا لليهوديّةِ المنحرِفةِ والتي لا تتوانى ولا تتردّدُ في استغلال بعض ما جاء في الإنجيل لِتزكيةِ مشروعها. ومن أجل توضيحِ أبعادِ المسألةِ فلْنلْجَأ إلى المراجعِ اليهوديّةِ نفسِها. فبحسب ما أورده David Bakan في كتابه (Freud et la tradition mystique juive p.143-144)، فإنّ أحدَ المتخصّصين اليهود في الموضوع هو Joseph Klausner إذ قال في منشوره The messianic idéo in Israel المترجم من العبريّة، ما يلي «هناك في التّاريخِ اليهوديِّ نظريّتان في مسألة المسيح الرّوحيِّ. فهذا الأخير لا يعمل من أجل إعطاءِ اليهودَ إطارَ حياةٍ جديدةٍ. فهو سيعتلي عرش الأمور بعد استقامةِ وضعِ اليهودِ من كلِّ ما عنوْه من ضيقٍ. ولذلك يسمّى المسيح ابن داود. وهناك أيضًا في التّاريخ اليهوديِّ إشارة إلى مسيحٍ مسلّحٍ سيُقتل في آخر المطافِ. وعند ظهوره سيسحقُ كلَّ أعدائه مُهيّئًا الطريق للمسيح ابن داود. ويصف الخبرُ هذا المسيحَ بذي القرنين».

1فالملاحظ الأوّل أنّ عبارةَ « التّاريخ اليهوديّ » هنا لم ترد في الأسفار القديمة (L’ancien testament)، بل هي كناية لطيفة للتّأويلات التّلموديةِ الظّاهرةِ غداة تشريد اليهود الأخير أي بعد سنة 70(م). ومن هذه التّأويلات إحلال بل فرض الرّبّا على غير اليهود في الإقراض.

2– الملاحظ الثاني هو التّجاهلُ المطلقُ للرّسالة العيسوية، علمًا أنّ التّلمودَ ما ذكر عيسى وأمّه عليهم السّلام إلاّ بعبارات لا تليق بمنزلتهم الرّوحيّةِ بل بعباراتٍ تفيد البهتان العظيمَ.

3– والملاحظ الثالث أنّ بحسب التاريخ اليهوديّ الرّسميّ التّلموديّ هناك مسيحيّان مختلفان ومتتابعان وليس مسيح واحدٌ في فترتين زمنيتين متتاليتين، كما هو الاعتقاد بموجب ما جاء في الإنجيل ثم في القرآن الكريم لاحقًا.

4– والملاحظ الرّابع والأهمّ أنّ التّأويلات السّابقةَ لم تتم إلاّ بــنبْذِ الرّسالة العيسويّةِ وبإنكارِ عزلة اليهود عن الأفضلية التي كانوا عليها قبل عيسى (ع) وبالبقاء على صورتها الوهميّةِ. إنّ الالتباساتِ التي ركن إليها التّلمودُ، أبْعدَت بني إسرائيل عن الحضرة الرّوحية التّابعةِ لِرسُلهم وأنبيائهم. ما أطلق سراحَ القوى النّفسيّةِ الجماعيّةِ المتراكمة عبر القرون في شكلِ هوى النّفس امتدّ أثرها إلى وسع الإنسانيةِ. فأصبحت المعاملةُ عند اليهود فسوقًا وفكرهم فجورًا كما رأينا ذلك في الأحاديثِ السّابقةِ، فضلاً عن اعتمادهم المُفرِطِ علمَ الحروف والحسابِ للتّنَبُّؤِ بِنصرِ اليهودِ القريبِ والشّاملِ دون أخذ العبر من الخيبةِ التي عقبت دعوةَ الأنبياءِ الدّجّالين مثل Sabbataï و Jacob Frank. هذا ما يُروَّجُ له في شبكات التواصلِ أو في إشاراتٍ لطيفةٍ في الإعلام من قبل شخصياتٍ كــ Jacques Attali الذي لا يرى مانعًا بأن يصبحَ القدس في قبضةِ اليهود عاصمةً لكلّ الكرة الأرضيةِ.

وبمقتضى الالتباساتِ التّلموديّةِ فإنّ  » المسيحَ ذي القرنين  » عبارةٌ رمزيّةٌ من جهة لكلِّ ما عنوْهُ اليهودُ منذ تحطيم الهيكل الأخير، ومن جهةٍ أخرى فهو رمزٌ  »لِسحقِ أعداء بني إسرائيل «  من خلال النّفوذ اليهوديّ الماليّ والسّياسيّ والثّوريّ والإعلاميّ والثقافيّ على مستوى الأرض منذ قرنين تقريبًا.  فمُهِمّةُ  » المسيح ذي القرنين » ستنْتهي بإعادةِ بناءِ الهيكلِ وبإعلانِ قيادة اليهود على وسعِ الأرض وإلى الأبدِ. إلاّ أنّ المعطيات التّاريخيّةَ والمعاني الرّمزيّةَ الرّوحيّةَ تُشكِّكُ في مِصداقيّةِ هذا الطّرحِ، بل تُشكِّكُ في أحقّيتِه كما سنوضّحه بعد حين.

فعيسى ابن مريم (ع) جديرٌ بل أحقٌّ أن يكونَ هو المسيحَ المنتظرَ من بني إسرائيل لكونه شخصًا توفّرت فيه العلاماتُ التّنَـــبُّـــؤِيةُ الواردةُ في الأسفارِ القديمة (L’ancien testament) على لسان داود وعيسائى (Esaïe) ومكائى (Michée) ويحي عليهم السلام. وكما وضّحنا ذلك بالتفصيل آنفًا فكونه على قدم  » ملك اتصدق  » (Melki Tseddeq) جعل من عيسى (ع) رسولاً ؛ أمّا كونُه وُلد في قبيلة داود (ع) جعله ملكًا (Roi). وبتحاذي الرّسالة والملكية (Royauté) في شخصه يستحقُّ عيسى (ع) عنوانَ  » المسيح ابن داود  » ويستحق أيضا عنوان  » ذي القرنين  » لجمعه في مهمّته نبوّة التشريع (la prophétie législatrice) و صلاحيات الحكم السّياسيّ (les prérogatives du pouvoir politique). إنّ كلّ هذه العناوينَ إشارات رمزية ليُقرَّ به اليهود عند ظهوره ولم يفعلوا إلاّ قليلاً منهم. وفضلا عن هذه الدّلائل المباشرة، هناك دليلان غير مباشران لأحقّية عيسى (ع) بعنوان المسيح، فهما تدمير الهيكل ونزع الأفضلية عن اليهود وتشرّدهم عقابا لتصرّفهم الخاطئ نحو مهمّته.

إنّ كلّ هذه المسلّمات تفنِّدُ نظرية المسيحيين المنفصلين في الدعاية الصّهيونية لِطمسِها حقيقة الأمور ولِتغاضيها عنه، وتصبّ نحو مسيح واحد في فترتَين متتابِعتَين.

ومنذ عقدين أو ثلاثةِ عقودٍ تسعى الدّعاية الصّهيونيةُ دون أن تشعرَ إلى استحضار المشهد الطّوري البشري لِظهور المسيح الدّجّالِ في أحضانِها بعيدًا كلَّ البعد عن ما تتصوّرُه وتعتقده في المسألة اليهوديّةِ، بحيث أنّ المسالكَ التي تسخّرها الصّهيونيةُ للتأثير على النّفوسِ حتّى تلتحق بركبِها الشيطاني لا تُجدي لها نفعًا مثل محاولتها إسنادَ نيتِها إعادة بناء الهيكل إلى بعض ما جاء في التّراثِ المسيحي. ومن المعطياتِ الإنجيلية المسندةِ لهذا المشروع ما ورد في كتاب  » نهاية الكون  » (L’Apocalypse) ليُحنى (Jean) في بابه الحادي عشر وفي آيتَيْه الأولى والثانية، ورد ما يلي  » قُم وقيّم مقدارَ هيكلِ اللهِ ومحرابه وقدّر عدد الذين يتعبّدون فيه. ثم اترك ما هو خارج الهيكل ولا تقدّره لأنه معدٌّ للكافرين  » (يحنى2-1-XI ). يرى الصّهاينة في هذه الآيتين إشارةً لهم لإعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى كما كتبه J. Grunwald  » فوق الرّبوة أين أقيم الغاصب أي الذي يدعى مسجد عمر » (J.Grunwald- Ils sont fous ces juifs. p.11 cité par C.A. Gilis. op. cit). إنّ هذا الموقف يُطلعنا على هدف حملات قطعان الصّهاينة لدنس المسجد الأقصى بوضع أسباب تحطيمه بالحفريات تحت أُسُسِه بِذريعة البحث عن آثار هيكل سليمان (ع)، كأنّ المسلمين استولوا ظلمًا على مكانٍ لا علقةَ لهم به. تغاضوا على أنّ نبيَّ الإسلام ( ص آس) أمّ في هذا المكان صلاة الأنبياء في إسراءه ثم عرج منه إلى سدرة المنتهى(le lotus de la limite). وتغاضت الصّهاينة على أنّ اليهود الباقين على شريعة سيّدنا موسى (ع) أقرّوا بحظر إعادة بناء الهيكل بمجرّد إرادة العباد. نضيف أنّ قراءة الآية الثانية كاملةً والآية الثّالثة تعطي  « ثم اترك ما هو خارج الهيكل ولا تقدّره لأنه مُعدٌّ للكافرين الذين سيركضون المدينة المقدّسة لمدة اثنين وأربعين شهرا. ثمّ أبعث شاهديَّ » (يحنى – القيامة3-2-XI ). إنّ الجملة الأخيرة إشارةٌ إلى أنّ اللهَ سيبعث شاهديْن لَه للعتاب على المشركين. وبحسب ما أورده الشيخ عبد الواحد يحي فإنّ أمرهما يتعلّق بإدريس وذي الكفلِ (Elie) (ع)  العائدان في آخر الطّور البشري، دون أن يوضّح إن كان إيابهما يتقدّم عودة المسيح التاريخي يعنى عيسى بن مريم (ع) أو يتأخر عنها. ما يوحي في كلِّ الأحوالِ أنّ حكمَ  » المشركين  » في الآية الأولى يخصّ المسيح الدّجّال بِعينه وأعوانَه، علمًا أنّ مدّة عهده لا تتجاوز ثلاث سنوات ونصف. وفي آيةٍ ثانيةٍ مُستَقة من إنجيل  » متى  » نقرأ « سترون من يُسمى الكره المكروه الذي تحدث عنه النبي دانئيل، سترونه موضوعًا في المكان المقدّس. وكلّ من يقرأ هذا الخبر عليه أن يفقه ذلك جيّدًا » (متى 15-XXIV). ونفس الخبر أورده مرقس في انجيله (14, XIII). وفي نفس الاتجاه صبّ القديس  » بولس  » (St Paul) في رسالته الثانية إلى اليونانيين قائلا » فاحذروا أن يُغويكم أحدٌ. لأنّ هذا اليوم لا يأتي قبل أن يقوم التمرد الأخير، ليظهر الخبيث الشرير الموهوب للدمار. سيعارض كل ما يدين به الناس، وكلّ ما ينسبه الناس إلى الله. سيعترض كل هؤلاء ليجرؤ بالدخول إلى معبد الله، وليجلس فيه وليدّعي أنّه الله نفسه  » (بلس –4,3,II- Thessaloniciens II  )

إنّ الصّهاينة اتخذوا من هذه المقاطع الإنجيلية حُججًا لدعوتهم. وبما أنّها تصف لنا مساعي المسيح الدّجّال فهي لا تشهد لهم بل تشهد عليهم لكون الصّهيونية إلحادًا بالطّبع بقناعٍ دينيٍّ نفاقاً. وما جاء في الإنجيل يخص المسيح الدّجّال إشارة ٌ إليها وما ستُحدثه في القدس قريبًا. ما يشعرنا أنّ البشرية على عتبة حدثٍ عظيمٍ ليس له سابقة في تاريخها وأنّه يحمل عقوبةً قاسيةً لكل من امتطى السفينة الصّهيونية من قريب أو من بعيدٍ بعد ظواهر انتصارها القصير والهشّ. ألم يُنذر الله بني إسرائيل في القرآن ﴿ إن عدّتم عدنا﴾  (الإسراء،8) بعد أن أفسدوا في الأرض مرّتين وعاقبهم بسبب ذلك مرّتين، إحداهما في القرن الخامس قبل الميلاد، والمرة الثانية سنة 70 م. (الإسراء- 4،5،6،7) ؟

Related posts

الثقافة الامبراطورية -جذورها التّاريخية والنّفسية والفكرية والدّجالة

الثقافة الإمبراطورية

إشكالية النهضة و الاستقلال على ضوء فكر مالك بن نبي