إشكالية النهضة و الاستقلال على ضوء فكر مالك بن نبي

إشكالية النّهضة والاستقلال

على ضوء

فكر مالك بن نبي

I – مقدّمة الإطار العام للإشكالية

كلّ من ﭑهتمّ بمؤلّفات مالك بن نبي لاحظ أنّ مشكلة الفعالية(l’efficacité)  تتمحْور فكرَهُ من حيث أنّها من خصال الفرد والمجتمع ومن حيث أنّها إذا فُقِدت انهار الفرد والمجتمع. وقد ربط الفعالية بالإرادة (le vouloir) أي بالفكر و بالاقتدار (le pouvoir) أي بتحقيق الفكرة على أرض واقع الفرد والمجتمع. وربط عدم الفعالية إلى غياب الإرادة والاقتدار. وكِلا الوجهين نتيجة ظروف نفسية وتاريخية عاشها المفكّر في كلّ أبعاد حياته كباحث.

وقد رأى الفعالية في أوربّا أو فيما يسمّى الغرب الحديث، رآها وما تبعها من انضباط عند الفرد ومن تواصل في المجتمع وما تحصّل منهما من وسع ماديّ ومن نوع من الرّفاهية ومن جوّ من الأمن ومن قوّة حتى فرضت أوربا هيمنتها على باقي الأمم بالتّأثير على فكرها وحياتها. وقد رأى أيضا مالك بن نبي عدم الفعالية في المجتمع الذي ينتمي إليه وما ترتّب عن غيابها من تفكيك التواصل الاجتماعي والضعف الفكري والتقني، حتّى أصبح فريسة الدّخيل الخارجي.

وأخذ مفكّرنا يحلّل كلًّ من هاتين الوضعيتين التاريخيتين لِيستنبط الأسباب التي لعبت دورًا في أوربا وفي مجتمعه لا من أجل المعرفة فحسب بل لوضع الأسباب والتدابير لِيتخلّص مجتمعه من الغلبة عليه ومن التبعية المذلّة، ولِينهض من جديد باسترجاع فعاليته في التاريخ كما سبق له أن كسبها في القرون الوسطى. وبموجب النّموذج الفكري الذي وضعه A.TOYNBEE في فلسفة التاريخ، انتهى تحليله أنّ في كلّ من الوضعيتين التاريخيتين لا تنحصر مشكلة الفعالية من عدمها في بلد معيّن ومحدود، بل تتعلّق بفضاء إنسانيّ وجغرافيّ وتاريخيّ فسيح لحضارةٍ ما. وهو ما سمّاه TOYNBEE « ميدان الدراسة التاريخية » (le champ d’étude historique) والذي يميّز كلّ الحضارات المعروفة في تاريخ البشر. وبما أنّ كلّ حضارة عبارة عن دائرة حياة، فلها أسباب صعودها وترعرعها ثمّ أسباب استقرارها، ثم أخيرًا أسباب انتكاسها وزوالها.

وفي المشهد التاريخي محلّ اهتمامه، اطّلع مالك بن نبي على حال فاعل في أوربّا وعلى حال منفعل يمتدّ فضاءه من الطّانجة في المغرب الأقصى إلى جاكرطا في أندونيسيا في الشرق الأقصى.

أمّا الأسباب التي لعبت دورًا في انفقاص الحضارة الغربية الحديثة، فهي تنحصر في ثلاثة أسباب منها انخفاض الثّقل الذّاتي لسلطة الكنيسة، ثم تهميش دورها في المجتمع ثمّ إقصائها من القرار. ومنها سبب الأُنسيّة (l’humanisme) كمنهج وجودي ثمّ فلسفي يطالب بالدافع المادي كسبيل الحياة الأوّل والأخير. ومنها تيّار ديني يسمّى بالإصلاح الاجتماعي (la reforme protestante) يطالب بالرجوع إلى أصل المسيحيّة. سنعود بالتفصيل إلى هذه العوامل الثلاثة لإظهار المعاني التي تحملها وأثرها في المصير الغربي التاريخي الحالي، سنعود إليها في الباب الآتي من هذا الحديث.

وأمّا الأسباب التي لعبت دورًا في انحطاط الحضارة الإسلامية، فقد حدّد مالك بن نبي سببَها الأوّل والبعيد في كتابه (vocation de l’islam) أي منهج الإسلام، مشيرًا إلى معركة ضفّين حيث تمرّد معاوية بن أبي سفيان على الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب (ع). وكتب بن نبي أنّ هذه المعركة بمثابة وصول المجتمع المسلم الفتى إلى مفترق الطرق التاريخية مع ضرورة الاختيار بين حكم الخلافة وبين حكم الملك فاختار حكم الملك.

وكما أنّ عهد الرّسول (ص آس) سبب انطلاقة لحضارة جديدة امتدّت لسبع قرون تقريبًا ولِتعُمَّ أنوارها الشرق الأوسط والهند وضفاف البحر الأبيض المتوسط الجنوبية إلى الأندلس وتركيا. فظهرت أيضا عليها علامات لانحطاط والتراجع بداية القرن الخامس عشر تقريبا. فِعلاً ككلّ الحضارات، مرّت الحضارة الإسلامية على ثلاث مراحل. أوّلها المرحلة الرّوحية الصّاعدة التي حوّلت الإنسان من الجاهلية إلى الرّشد بما تقتضيه القيم الإسلامية من مراقبة النفس نفسها في سرّها وفي كلامها وفي معاملتها وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحياة الاجتماعية وبالشهادة لله عل الباطل ولو صدر من ذوي القربى وبالتقوى في كل الحدود التي رسمها الله للمؤمن مع يقين المحاسبة في الدنيا وسيّما في الآخرة.

إنّ هذا الجوّ الروحي الذي خيّم على المجتمع المسلم الفتى يستنشقه كل مؤمن كمادة الأوكسيجين للجسم. ما ساهم في نشر الطمأنينة في نفوس النّاس، وفتح الباب للحكم الرشيد ولقوّة العدل ولقوّة الرّدع. وقد دامت هذه المرحلة خمسين سنة تقريبا منها ثلاث وعشرون ملأها التنزيل القرآني وتكوين نوات المجتمع المسلم على يد رسول الله (ص آس)، ومنها حوالي ثلاثون سنة للخلافة الراشدة.     إنّ الثّقل الرّوحي الذّاتي لهذه المرحلة الأولى مهّد الطريق لكلّ مراتب العلم، منها العلوم الطبيعية وثمارها التطبيقية، ومنها معارج العلوم الرّوحية والتي جلبها الرّسول (ص آس) في مهمّته كرحمة للعالمين.

ثمّ أتت المرحلة الثانية فهي مرحلة العقل البشري النظري، حيث حصد المسلم ثمار ما زرعته المرحلة الأولى. هذا شأن المحقّق في التوحيد وشأن عصر الأئمة حيث تصرّف المسلم بما أتاحه له إيمانه ونظره في تدوين الأحكام الشرعية وأثر السلف الصالح. فهي أيضا مرحلة نوع من الاستقرار السّياسي وما تبعه من قوّة الرّدع في وجه المتربّص الداخلي وسيّما الخارجي. أضف إلى ذلك نوعا من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لما أجنته تطبيقات العلوم الطبيعية في ميادينها العديدة حتى صاحبتها الرفاهية.

أمّا المرحلة الثالثة فهي المرحلة الأسوء لتقييدها من قبل قوّة الغرائز مثل أنانية النفس وما ترتب عنها من حبّ الدنيا وكراهية الموت وذهاب الأخلاق وتفكيك التواصل الاجتماعي والتزلزل السياسي والتراجع العلمي والتقني. فانقسمت دولة الموحدين في شمال افريقيا إلى ثلاث دول : المرينية في المغرب الأقصى ودولة آل عبد الودود في الواسطة أي الجزائر والحفصية في تونس. ما فتح الباب لتقهقر المسلمين من الأندلس وتدخّل الدول المسيحية في شؤونهم السياسية. وفي نفس السياق الانحطاطي زالت الدولة العباسية في الشرق الأوسط قبل أن تأتي الدولة العثمانية للحدّ من الخسائر و لِردع أطماع أوربا في إعادة نشر المسيحية في شمال إفريقيا. وفي الهند أصبحت دولة المغول على وشك الانهيار. وقد شاهد العلامة ابن خلدون صاحب المقدمة علامات هذا الانهيار الشامل منذ القرن الرابع عشر. وهو الشّعاع الفكري الأخير الذي صدر عن الحضارة الإسلامية قبل تهميشها التاريخي.

وقد دفع نهائيا انحطاط المسلم تردّد المعسكر الغربي لرغبته غزو دار الإسلام. فخرق الانقليز حدود الدولة المغولية سنة 1800 بعد أن خرقها نبوليون Napoléon في مصر سنة 1797 وتقرّر غزو شمال إفريقيا بعد انهزام الأطراك في معركة Lepante البحرية سنة 1827 في شرق البحر ألأبيض المتوسط. وما زال المسلم يعاني إلى يومنا هذا من تبعات انهياره الداخلي وما أفضى إليه من وقعه في قبضة أوربا. هذا هو المشهد التاريخي الذي يواجهه المجتمع المسلم منذ قرنين تقريا مع وجوهه النفسي، الاجتماعي والسياسي والذي شغل فكر مالك بن نبي برفع الملابسات على إشكالية النهضة وبمعالجة إشكالية الاستقلال أولاً كنتيجة نضال سياسي ثم كانطلاقة لبعث الحضارة الإسلامية بالجهاد الأكبر أي بمراقبة وبمجاهدة هوى النّفس.

 – إشكالية النهضةII

إنّ ورود مصطلح  » النهضة  » في فلسفة التاريخ فللإيحاء بالإيقاظ من سبات النوم ألانحطاطي هذا ما اهتمّ به الفكر الغربي الحديث لتعيين الحركة التاريخية التي حصلت في أوربا بعد القرون الوسطى. وهذا هو المعنى الذي يراد به بنفس المصطلح في الوسط المسلم منذ أواخر القرن التاسع عشر (م). ففي حديثه الأسبوعي كان مالك بن نبي يشير إلى أنّ الحضارة تنبع إمّا من رسالة سماوية مستعملا عبارة (l’idée religieuse)، وإمّا من فكرة فلسفية بعبارة (une idée non religieuse). رُبّ مراقب يرى في الحكم الثاني تنازلا للفكر الحديث. والأمر قد يظهر كذلك شكلاً ولا مضمونًا إذا ما كان يعني المفكّر بعبارة  » فكرة غير دينية  » الانقطاع عن الأصل الروحي والديني كما سنراه لاحقًا من خلال تعبيره  » حركة نائية  » « mouvement centrifuge » لتعيين ما سُمي في أوربا بالنهضة.

والمسألة في المقاربة التي أقدم عليها مالك بن نبي هي : هل العوامل التي لعبت دورا فيما سُمي النهضة في أوربا هي نفس العوامل التي لعبت في نهضة العالم الإسلامي ؟ وفيما يخصّ هذا الأخير هل النهضة ظاهرة ذاتية وداخلية كما في أوربا، أم هي تماثل لسياق النموذج الغربي، لما رأى فيه المسلم من ظواهر قوّة غير مسبوقة في التاريخ ؟ إنّ الإجابة على السؤالين، من شأنها أن توضّح سبب التبعية المذِلة التي تراود مصير المجتمع المسلم منذ قرنين تقريبًا.

قد سبق لنا أن ذكرنا ثلاثة عوامل لعبت دورًا حاسمًا في ظهور العالم الحديث. وقد نعت مالك بن نبي في محاضرته  » الحضارة  » مجمل هذه العوامل في النهضة الأوربية  » بحركة تباعد ونأي عن الأصل  » بعبارة « mouvement centrifuge »، يريد القول بذلك التّخلي عن المرجعية الروحية ما سيُثــبِته تحليل كلّ هذه الأسباب الثلاثة.

أمّا انخفاض الثّقل الروحي للكنيسة فمن حيث أنّ قاداتها تمثّلوا شيئأ فشيئا بإمبراطور روما عوض أن يتمثّلوا بأسوة القدّيس « بطرس « ، فزاغوا عن مهمّتهم في الحفاظ على الدين وفي تعليم مبادئه لِيميلوا إلى تمجيد ذاكرة الأطلال اليوناينة الرومانية القديمة. ثمّ أقدموا في زيغهم على حظر منظّمة الهيكل (l’ordre du Temple) الضامنة للوحدة السياسية المسيحية، والتي كانت في نفس الوقت نافذة للإطلاع على الأسرار الروحية التي تتخطّى حدود الاعتقادات يُطلب من المسيحي أن لا يسأل عن فحواها. ما فتح الباب للمملكة المطلقة (la royauté absolue) وهوى نفسِها وعزمها تهميش دور الكنيسة في المجتمع، ثمّ إقصائها من القرار. فتحوّلت السياسة من ضروة التناغم والتوازن الاجتماعي إلى الوسيلة التي تُرضي هوى نفس الملك.

  1. وأمّا العامل الثاني فهو مشخّص في التيار الأنسي (le courant humaniste) حامل منهج وجودي أناني جعل من الدافع المادي المرمى والمبتغى الأول والأخير للإنسان في الكون. ويكمن هذا التيار في تحاذي طبقة وجدان وطبقة التجار والبنوك التي موّلت لاحقًا الحركة الأدبية والفلسفية لِتبرِّر منهجها ولِتشرّعه. وأخذت هذه الطبقة شيئا فشيئا تتسرّب في مرافق الدولة مقابل إقراض هوى الملك، حتى استولت على القرار السياسي قبل أن تنقلب على سلطة الملك من خلال ثورات سياسية عديدة الأشكال للفرض على كلّ المجتمع تصوّرها للوجود بالتنظير له في مراكز التعليم حتى أصبح جوًّا ثقافيًا يستنشقه الإنسان من جوف أمّه إلى اللّحد.

3.وقد استفاد هذا التيار الأنسي من تحاذيه للعامل الثالث أي الإصلاح الاجتماعي (la réforme protestante) ليدخل معه في تنسيق عضوي ضمني لبروز العهد الصناعي في أوربا ولإخلاء المجتمع من الأحكام الدينية. فعلاً كان العامل الثالث المذكور آنفًا يطالب في بداية أمره بالرجوع إلى المسيحية الأصلية إصلاحًا لزيغ الكنيسة، إلاّ أنّ مع ممرّ الوقت ما فتئ هذا التيار يناقض روح المسيحية بموجب فتاوى قادته كــ Calvin و (Zwingli)، تُحلّ الرّبا وتخلي المناسك والرموز التي تُرسخ وتبقى وصل المسيحي بالتنزيه الروحي. أضف إلى ذلك جعل العلم الديني مسألة وجهة نظر زيادة عن جهل الكشف كقوة روحية تفوق قوة النظر في فقه الدين. فبِكلّ هذه العناوين الزائغة عن قدسية الدين، أصبح تيار الاحتجاج مناصرًا لمنهج الأنسية حتى أنّ ظهور رأس المال الصناعي والإنتاجي (le capitalisme industriel et productif) يتطابق مع المناطق التي انتشر فيها الإصلاح الاحتجاجي. إذ كلّ هذه المعطيات النفسية والفلسفية والتاريخية تجعل من النهضة في أوربا ظاهرة نبذت مبدأ الدين وراء ظهرها وتؤكد حكم مالك بن نبي في معناها الصّميم المنفصل عن الدّين بل المناهض للدين بالقوّة.  

بعد توضيح أسباب النهضة في أوربا، فنلفت النظر إلى الأسباب التي لعبت دورًا في نهضة العالم الإسلامي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، والمؤكد لكلّ مراقب ذي دراية أنّ النهضة في الوسط المسلم لم تنبع من ذاته بإرادته وباقتداره، بل هي ظاهرة انفعال من سبات الانحطاط بعد ما خرق المستعمر حدود داره المشتّت. فكما هو حال كلّ انفعال فانفعال المسلم الحيرة من أمره والتّعجّب من القوّة المادية التي تدجّج بها المستعمر وبسطها أمامه. وفي هذا الصّدد، لمّا لفت نظره إلى ردود أفعال المسلمين المؤهلين لشرح ضعفهم لم يجد مالك بن نبي إلاّ فكرة النّهضة عند الكواكبي في كتابه  » أم القرى  » في العشرينات من القرن العشرين دون وجود الخطوط العريضة لمشروع نهضوي. أمّا جمال الدّين الأفغاني فلم يرد عنه إلاّ تقييمًا كمّيًا لمواجهة المسلم العالَم الغربي الحديث. إذ قال  » لو بسق المسلمون وعددهم آنذاك أربعة مائة ملايين نسمة، لو بسق المسلمون في آن واحد لغرقت جزيرة بريطانيا في بحر من البسق. وما صدر عن تلميذه الشيخ محمّد عبده خطأ في تشخيص ضعف المسلمين إذ ربط انحطاطه إلى فسد التّوحيد العقائدي عنه، مع أنّ التوحيد باعتقاد العام قائم عند المسلمين ولم يخل ذهنهم في السّراء وفي الضراء ، ناهيك عن نعمة الإيمان الملازمة له والتي غذّت مقاومة الدّخيل إلى دحرِه خارج أراضيه. وأمّا ما صدر عن رشيد رضا وشكيب أرسلان فعبارة عن توجيهات عامة دون رسم استرتيجية هدفها النهضة. وأمّا باقي ردود الأفعال فهي تكمن في خطاب ضد المستعمر أو التغني بالأمجاد الماضية بعيدًا عن التفكير والتشخيص لمعرفة وضعية المسلم الرّاهنة والإجراءات اللازمة لانفراج حاله.

إنّ ضعف المسلم وخطأه في تقييم وضعيته الظرفية، وإنّ افتقاره لنظرية سياسية أوصلته إلى التأثّر بمقاييس خصمه الفكرية في أسلوب نضاله الثقافي والسّياسي في القرن العشرين عندما تخفّفت قبضة الاستعمار على مستعمراته جرّاء أزمات داخلية لأوربا. ذلك أنّ الفراغ الفكري دفع المسلم لأن يجعل من النّموذج الغربي الحديث مثلا يقتدى به مع كلّ وجوه التبعية المتعلقة به كما سنراه في إشكالية الاستقلال كنتيجة النّضال السياسي والثقافي. وفي هذا السياق ولفهم عواقب هذا المنهج جيّدًا أورد مالك بن نبي منهجًا آخر في نفس الفترة وهو يرتبط بنهضة اليابان الذي استوعب المنابع العلمية للقوة الأربية مع تكييفها لشروط تراثه الحضاري. ما جنّبه شرّ الاستيطان الغربي الذي حصل في جنوب شرق آسيا وما أتاح له أن يصبح قوّة أقليمية بعد خمسة عقود تقريبا بينما تكرّست قبضة الاستعمار على العالم الإسلامي إلى الخمسينات من القرن العشرين.

III– إشكالية المنهج إلى الاستقلال

بحسب ما أفضت إليه دراسات مالك بن نبي، فظاهرة النّهضة تختلف من حيث شكلها ومن حيث نتائجها في العالم الإسلامي وفي اليابان. وقد حدّد أستاذنا تاريخ 1854 سنة انطلاقة النهضة اليابانية، بعد تلقّي البلاد تهديدًا أمريكيًا إنْ لمْ يفتح فورًا موانيه للتجارة الأمريكية. ورفع المهدّد التّحدّي بإرسال نُخبة إلى أوربّا لاستيعاب العلوم الطبيعية وما يسفر عنها من تطبيقات في تسيير الحياة اليومية بشرط تكييفه للتّراث الحضاري الياباني. ما جنّب لليابان شرّ الاستعمار الذي حصل في جنوب شرق آسيا في فييتنام واللاّووس والفليبين إلى آخره. وبعد  خمسة أو ستّة عقود أصبح اليابان قوّة صناعية بل قوّة إقليمية هزمت البحرية الروسية في Port Arthur في الجنوب الشرقي لسيبريا سنة 1905. وبقي هذا البلاد على نمطه الحضاري إلى سنة 1945 حيث هزمته أمريكا بقنبلتين نووِيّتين على هيروشيما ونجازك، دون أن تتراجع مكاسبه العلمية والتقنية التي اجتناها من نهضته.

وأمّا نهضة العالم الإسلامي فقد حدّد مالك بن نبي انطلاقها الرّمزي في سنة 1857 ، سنة ثورة العمّال الإفغان على الإدارة البريطانية بعد أن عرضت عليهم وجبة لحم خنزير. إنّ الفرق الزمني الصغير بين الانطلاقتين يشير إلى تزامن النهضة في اليابان والعالم الإسلامي مع نتائج مختلفة. فعلاً فإنّ النهضة في العالم الإسلامي لم تظهر في كمال تصوّرها المفترض لعمق انحطاط المسلم مع عدم إدراك أسبابه وفقره إلى نظرية سياسية ذاتية، فأصبح ضحية الغلبة عليه. ولذا لم تبرز النهضة على شكل موحّد بل على شكل ثنائي ديني وثقافي وسياسي متأثر بواقع الهيمنة الغربية و متأثر بمقاييس الفكر الغربي الحديث.

وقد لعب الإصلاح الديني دورًا هاما في إيقاظ الهمّة نحو التّمسّك بالمناسك والخلُق الإسلامية وقايةً بدين الله وترفّعًا في مواجهة الغزو الفكري الغربي وذلك رغم الفقر المادي. إلاّ أنّ فكرة احتمال ترجمة القيم الإسلامية سياسيًا لم تر النور في ذهن الاصلاحيين ولم تنضج رغم الإشارة إلى ذلك في خطبهم. وهناك أيضا علّة أخرى قيّدت الحركة الإصلاحية، سيما في الجزائر بنبذها التصوّف وبعدائها له عوض أن تنبذ انحرافاته الظرفية وذلك في سياق تأثرٍ بالأحداث في الحجاز في بداية العشرينات من القرن العشرين حينما كانت بريطانيا تخطط لمناصرة المذهب الوهّابي هناك ضدّ الدولة العثمانية.

وإذا كان ذكر انهزام المقاومة الإسلامية في القرن التاسع عشر سببا للتحفّظ وترقب جهاز الإصلاح في الميدان السياسي، فقاعدته الاجتماعية وكثير من إطاراته في القاعدة متعاطفون مع الجناح السياسي للنهضة ليحصل التكامل في الجهاد ضدّ المستعمر.

أمّا الجانب السياسي للنهضة للنّهضة فيُبرّر مطالبته الاستقلال بناء على وصل تاريخي ونفسي وروحي عريق مع الحضارة الإسلامية يخالف مباديؤها شكل الحضارة العربية المادي، إلاّ أنّ بسبب شكل انفعال نهضته ولغياب نظرية سياسية في تراثه التاريخي بعد الخلافة، أصبح المناضل السياسي المسلم، وبكلّ حسن نيّته، رهينة مراجع النموذج الغربي الحديث من القومية والليبرالية والاشتراكية مع التهميش الفعلي للمرجعية الإسلامية في السياسة و مع استيراد المعاني الفلسفية الحديثة لمفاهيم الدولة والقانون وحقوق الإنسان، ولو حرس الجانب السياسيي على ذكر مرجعية الإسلام بجعل هذا الأخير دين لدولة مع أنّ حقيقة الأمر أن تكون الدولة المظهر السياسي للقيم الإسلامية.

إنّ نهاية الحرب العالمية الثانية أفضت إلى وضع استراتيجي معاكس تمامًا لما كان يحمله خطاب الخلفاء من ضرورة السلام بين الأمم ومن إعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها. ويكمن هذا الاتجاه المعاكس في إجهاض مهمّة منظمة الأمم المتحدة المفترض تسييرها بموجب منطق الحق خارج معيار الحجم والقوة للدول الأعضاء فيها. وتبلور هنا الإجهاض في منح لخمس دول حق النقض كلما اعترض قرار أممي مصالحها في جهاز سُمّي بمجلس الأمن مع الهيمنة فيه للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي المنتصرين الأساسيين في الحرب. فصار بالفعل ما سمّاه مالك بن نبي  » المحور واشطن – موسكو » مركز القرار على مستوى الأرض بتقييده كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لأكثر من أربعة عقود وراح ضحيته العالم الثالث وسيّما العالم الإسلامي. ولنعت مخلّفات هذا المحور السلبية على حساب العالم الثالث استحدث مالك بن نبي عبارة  » الاستيراتيجية الهامشية  » (la stratégie périphérique) في كتابه (l’afro asiatisme dans le monde des grands) أي الأفرو آسيوية في عالم العظماء. وسرّ هذه الاستيرتيجية الهامشية أن تجعل من العالم الثالث فضاءً جديدًا يمتصّ تبعات الصراع بين المعسكر الغربي الموالي للولايات المتحدة وبين المعسكر الشرقي الموالي للاتحاد السوفياتي.

وصار العالم الثالث وسيّما العالم الإسلامي محلّ انقسام سياسي بين مائل إلى أمريكا وبين مائل إلى روسيا. فهو عبارة عن أنظمة تخضع لحتمية خارجية ولإملاآتها وعلى حساب هوية شعوبها الروحية والتاريخية. فهي عموما أنظمة فقيرة إلى الشرعية وقامعة للنقد السياسي ومستبدة ما دام المحور « واشطن –موسكو  » قائمًا. إنّ هذا الضعف الجيو سياسي حال دون أن يحقق العالم الإسلامي إلى يومنا أدنى تكامل اقتصادي وأدنى تنسيق سياسي بما تطلبه مصلحة الأمة الإسلامية. ما فتح الباب إلى سلسلة جراح تراودها منذ اغتصاب أراضي فلسطين سنة 1948.

إنّ تبعات محور « واشطن- موسكو  » الجيو السياسية يجري أثرها على اعتبار فقر العالم الثالث إلى تصوّر سياسي ذاتي وعلى اعتبار اتخاذه النّموذج الغربي الحديث أسوة يقتدى بها. وتفسّر لنا هذه التبعية فشل حركة عدم الانحياز في إبراز نموذج ثالث يخالف الليبرالية والشيوعية.

فعلاً، فإنّ التوتّر السائد بين أمريكا والاتحاد السوفياتي والمعروف بالحرب الباردة، ساهم بشكل غير مباشر في ظهور تيار سياسي في العالم الثالث مع أسماء بارزة مثل عبد الناصر المصري ونهر Neheu والهندي وأحمد سوكارنو الأندونسي و » شو أن لاي  » Chou en laï الصيني، هدفهم المعلن عدم الانحياز في الصراع الأمريكي الروسي، ومع التطلع إلى منهج سياسي ثالث. وقد تأسّست هذه الحركة رسميًّا في  » بن دنغ  » في اندونسيا سنة 1955. وكانت هذه المناسبة الفرصة الأولى لرفع القضية الجزائرية إلى المستوى الدولي من خلال وفد قاده آيت أحمد حسين.

وقد رأى مالك بن نبي في هذه الحركة ذات الطابع الدولي حركة تكاد أن تكون مظهرا لمنهج ثالث يخالف المادية التطبيقية (le matérialisme pratique) الليبرالية والمادية الفلسفية للماركسية وتناشد إلى ثقافة الحضارة بإعطاء الأولوية لمرجعية القيم الروحية وللإنسان قبل الربح وللتكامل بين الأمم ولنبذ منهج القوة والهيمنة على الآخر. إنّ وجهة نظر مالك بن نبي في هذا الصدد تكلّل في كتابه « l’afro-asiatisme »أي الأفرو آسيوية. إنّ أمله في ترقية المنهج الثالث والطموح كان عميقا وسيّما أنّ البعد الإنساني والجغرافي يجعل هذه الحركة أكثر اتساع ومزج لعناصر البشر وحضاراته، ومظهر تراث كلّ الرّسالات السماوية التي تتالت عبر العهود والقرون على الإنسانية. وأضف أنّه رأى في هذه الكتلة الإنسانية وصلاً سيكون مظهرًا للوسطية الإسلامية بين الأمم في الاستحالة الإيفاءَ بها التي تراود الرّسالات الأخرى لأسباب بنيوية وظرفية.

إلاّ أنّ الأقدار لم يجر أثرها إلى تحقيق هذا الهدف الممكن لعدم ترقية الطبقة السياسية الحاملة له بالقوة إلى مستوى التّحدّي الفكري المطلوب منها. فعوض أن تهتمّ بالقيمة الاستراتيجية التي تملكها بالقوّة وتستثمرها في الميدان بالتخلّص من التّصوّر المستورد وبإبراز المقاصد التي يحملها العالم الثالث في تراثه الروحي، رانت على همة الطبقة السياسية ضرورة السعي إلى منع الحرب بين أمريكا والروس مع أنّ منهج  » توازن الرعب النووي  » يلغي احتمال هذه الحرب.

أمّا في العالم الإسلامي الفقير إلى تصور سياسي ذاتي، فأحدثت فيه جدلية المحور واشطن – موسكو تفكُّكًا سياسيًا لم تأت عليه محاولات الاتحاد لهشّتها ولفراغها من دراسة مسبقة في التنسيق الاقتصادي والسياسي وكأنها مبرمة لاستدامة الأنظمة المنخرطة فيها. هذا حال الاتحاد بين مصر وسوريا أواخر الخمسينات من القرن العشرين، ثم مصير اتحاد مصر وسوريا وليبيا في أوائل السبعينات من نفس القرن. وفي سياق متصل فإنّ الاستيراتيجية الهامشية أحدثت إنصياغًا للمعسكر الغربي وللمعسكر الشرقي. فهو مطلق من حيث تأسيس دول شكلا في مناطق غنية بثروة النفط والغاز لتكون في خدمة المعسكر الغربي بخام ثرواتها وبعائداتها. هذا حال عروش الخليج مقابل ضمان بقائها. فهو مطلق أيضا عند تأسيس نظام ماركسي في اليمن الجنوبية موال لموسكو في أواخر الستينات والسبعينات، وفي تأسيس نظام ماركسي موال لموسكو في أفغانستان بداية الثمانينات من القرن العشرين. وأخيرا قد يكون الانصياغ مطلقا في ظواهر استقلال شكلي بإقرار مديونية مسبقة وبقبضة على الاقتصاد والإدارة والعسكرية والمالية. هذا حال بلدان غرب إفريقيا منذ أكثر من ستّة عقود مع تكبيل كل فرص التنمية لفائدة شعوبها.

وقد يكون الانصياغ للاملاآت الخارجية تكبّلاً للمستقبل كإرغام مصر لاعتراف بالكيان الصهيوني أو بإدماج تركيا في الحلف الأطلسي أو كإدماج باكستان وإيران الشاه والعراق في حلف يناهض روسيا أو في انقلاب دموي راح ضحيته نصف مليون شخص في اندونيسيا سنة 1965 ضد الرئيس أحمد سوكارنو على يد المخابرات الأمريكية. وقد يكون أخيرا الانصياغ للضغط الخارجي سببا لتعطيل بناء المغرب العربي الكبير بدفع المغرب لاجتياح الصحراء الغربية منذ سنة 1975 لمنع وصل روسيا بالمحيط الأطلسي انطلاقا من الجزائر وبطمس مسألة تصفية الاستعمار مع وجود سابقتين تاريخيتين حُلتا بالاستفتاء في ابرتريا مع اتيوبيا وتيمور الشرقية في أندونيسيا.

وبعد الانهيار الذاتي للاتحاد السوفياتي، أصبح العالم مستقطبا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بنيتها فرض النموذج الليبرالي على باقي الإنسانية. فهي تستغلّ الانسداد السياسي السائد في تلك الأقطار لتطلق دعاية الديمقراطية وحقوق الإنسان بواسطة شبكة عالمية من المنظمات المدنية والمموّلة من قبل خارجيتها أو من قبل جورج صروس (G.SOROS). ثم تُقدم على تغيير الخريطة السياسية على قياس مصالحها. هكذا جُزّئت يوغسلافيا أواخر التسعينات من القرن العشرين وحاولت الولايات المتحدة بنفس الأسلوب ترقية الربيع العربي من أجل إعادة رسم الخريطة السياسية في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا بهدف إنشاء دويلات تدور في فلك الدولة الصهيونية كقطب سياسي واقتصادي وثقافي. هذا سرّ السّعي المستدام لتصفية القضية الفلسطينية من خلال تدمير العراق ثم سوريا وليبيا ولبنان واليمن وتجزئة السودان بتمويل وتطبيع خليجيين وبتزكية من الجامعة العربية.

IV – إشكالية الاستقلال

إنّ مفهوم مصطلح  » الاستقلال  » هنا معتبر لا من حيث أنّه نتيجة شكلية لنضال سياسيّ بل من حيث أنّه انطلاقة للجهاد الأكبر كظاهرة ذاتية بإرادة فكرية وباقتدار عملي لإنتاج الحضارة كما يناشد إلى ذلك مالك بن نبي. فمغزى الاستقلال هنا سياسي بالامتياز . إذ يحمل هذا الأفق التصوّر الوجودي  (la vision du monde) اللائق بثقافة الحضارة يستنشقها الفرد والمجتمع لتُترجم في الحياة اليومية على المستوى النفسي والعملي، لأنّ البعد السياسي من خلال جهاز الدّولة يضمن مراعاة المعالم  النهضوية على المستوى الجماعي طالما الملتزمون بها أكفّاء. إنّ هذا الحكم ليس نتيجة تحزّب لفئة على فئة أخرى بل هو نتيجة تحليل نفسي واجتماعي وتاريخي وروحي. فهو مؤكّد في بروز وتمكين الحداثة في أوربّا كتصوّر وجودي جعل الفلسفة محلّ الروح.

والتصور الوجودي الذي من المفترض أن يقود النهضة في العالم الإسلامي يكمن في إعادة قيمتها للمرجعية الروحية الإسلامية في السياسة على اعتبار أنّ القيم الإسلامية ما زالت تقيّد أحوالنا النفسية والفكرية والاجتماعية من الطانجة في المغرب الأقصى إلى جاكرطا في الشرق الأقصى. هذا الامتداد الجغرافي والتاريخي والبشري يؤكد أنّ مسألة نهضتنا لا تنحصر في حدود بلد مسلم معيّن، بل يتّسع إلى فضاء كبير متعدّد الأبعاد، لا يُتقن إلاّ بمفهوم  » ميدان الدراسة التاريخية  » مع الأخذ في عين الاعتبار للتراث الثقافي القديم المحلّي المتراكم في الذاكرة الجماعية.

إنّ النهضة الحقيقية لا تكمن في استيراد نموذج ولا تكمن في عملية تقنية اقتصادية كما دلّ على ذلك فشل مخطّط د. شخت SCHACHT في أندونيسيا أواخر الأربعينات من القرن العشرين مع أنّه هو صاحب الانتفاضة الاقتصادية في ألمانيا في الثلاثينات من نفس القرن، بل النهضة ترتبط بتكييف وسائل العصر لإطار واقعنا الروحي والنفسي والاجتماعي كما أشار إلى ذلك مثل النهضة في اليابان، بالأقل إلى حدّ سنة 1945 حيث فرضت عليه أمريكا الشمالية دستورا جديدًا تُبقِيه في فلكها السياسي والاستراتيجي إلى يومنا هذا.

إنّ التصور الوجودي الذي يتبنّه الإسلام يركن إلى ما سمّاه مالك بن نبي l’évaluation de l’Homme  بمعنى تقييم الإنسان، يريد بهذه العبارة مكانة الإنسان في الكون الوجودي وما ترتب على ذلك من وظيفة التدبير في الشؤون وفي الأحكام التي تقيد تسييرها.

  1. أمّا مكانة الإنسان في الكون، فقد ذكر مالك بن نبي آية القرآن هذه حيث قال تعالى : ﴿ولقد كرّمنا بني آدم ورزقناهم من الطّيبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً﴾ (الإسراء،70).

والتكريم والتفضيل في هذه الآية إشارتان إلاَهيتان لشرف ولِرفعة مرتبة الإنسان في الكون. ذلك أنّه مختصر الكون من حيث تركيبه الخلقي ومن حيث شرّفه الله بالخلافة في الأرض. ما يجعل قيمته في الإسلام تخالف وتتخطّى حدود الطبيعة التي سجن فيها الفكر الحديث قيمة الإنسان. فعلاً ادّعى الفكر الحديث أنّ حقوق الإنسان متعلقة بطبيعته إنسانًا، قبل أن ترى النور أجهزة الدولة. ولذا ما على هذه الأخيرة إلاّ أن تُقرّ بحقوقه وأن تضمنها. هذا ما جاء به GROTIUS أحد أعلام الحداثة (la modernité). غير أنّ هذه الأطروحة الفلسفية مجرّد زخرف القول في عالَم أُنُسي خال من الرّبوبية ومن الروح ومسيَّر من قبل جدلية الصراع للبقاء. فحينئذ ما للإنسان من حقوق إلاّ أن يكون مفترسًا أو أن يكون فريسة كما هو شأن الليبرالية المتوحّشة في يومنا هذا.

  1. أمّا وظيفة التدبير المسنَدة للإنسان فلكونه خليفة الله في الأرض مع بروز أجهزة الدولة  في آخر الطور البشري. فالدولة هنا مظهر لفنّ السياسة بغية استقرار المجتمع وتناغم قوى طبقاته، من خلال إدارة راشدة وعدالة محكمة ومن خلال أمن متقن وهادئ لردع المتربص الدّاخلي وسيّما الخارجي. إنّ هذا التعريف للدولة في التصوّر الإسلامي وفي منهج كلّ الرسالات السماوية يُخالف ويتخطّى أيضا التعريف الحديث للدولة والذي جعلها مجرّد نتيجة إجماع أفراد المجتمع للحفظ على الملكية ولردع البطش بين الأفراد. إنّ هذا التعريف للدولة في الفكر الحديث ما هو إلاّ تكريس في علم الحقوق للانقلاب السياسي الذي أقدمت عليه القوة المالية في العالم الغربي منذ ثلاثة قرون تقريبا بعد التسلل في أجهزة الدولة تمّ بالانقلاب الثوري عليها.
  2. أمّا مفهوم الحقوق (le droit) بمعنى الأحكام الشرعية التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، فهي مسندة من جهة لجدلية الكثرة المتعلقة بالكون الوجودي ككون. ومن جهة أخرى فالحقوق مسندة للحرية النّسبية المخوّلة للإنسان مع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لِيسُود القسط في الحياة الدنيا ولنيل الثّواب في الآخرة.

إنّ سياق مفهوم الحقوق في الإسلام وفي كلّ الرسالات السماوية يخالف ويتخطّى أيضا مفهوم الحقوق في الفكر الحديث الذي سجن مع HEGEL أفق الحقوق في جدلية قوى الطبيعة، كما سبق له أن وضع مفهوم الدولة والحرية في نفس السجن الطبيعي. فبحسب ما جاء في فكر  HEGEL فالحقوق ومن ثمّ الحرية نتيجة حدّ وضعية الغرائز لمنطق مجراها. غير أنّ هذه الأطروحة الفلسفية تناقض مطلقا ما تعطيه الطبيعة إذ الغريزة قوّة لا يتغير طبعها أبدا. فيجري أثرها عند الحاجة وينتهي أمرها بعد قضاء الحاجة. لم تكن الطبيعة مسرح تغيير الغريزة الجاذبة إلى غريزة دافعة مثلا، ولا مسرح تغيير الغريزة الكاسِبة إلى غريزة هاضِمة، ما جعل مفهوم الحقوق في الحداثة الفكرية ترتيب نظري في إطار تبرير انقلاب السلطة السياسية لفائدة القوّة المالية في أوربّا.

  1. أمّا الحرية في سياق الدّين فهي نسبيّة على اعتبار مراتبها في الكون. فالحرية في الدّنيا هي الانتصار على القوى التي تُبعد من القسط الشرعي وهي التّخلّص من قبضتها. أمّا الحريّة في التحقيق الروحي فهي التّخلّص من قيود الأكوان والتّمكين في التوحيد في الدنيا وفي الآخرة.

إنّ التّكريم الإلاَهي للإنسان ومنهجَ الدّافع الروحي في التّدبير الذي خوّله لهُ الله وأولوية الإنسان قبل الرّبح المادي هي شروط الإرادة لانطلاقة جديدة للحضارة الإسلامية. فهي أيضًا منبع شرعية الدولة واقتدارها في تسيير شؤون الأمّة من خلال وجودها على مستويات الإدارة والتربية والإنتاج والأمن، حتّى تصبح هذه الشروط خُلُق البيئة الاجتماعية بحيث يستنشِقها الفرد وتقيّد سلوكه في الفكر والعمل والمعاملة. هذا ما أراده كلّه مالك بن نبي حين عرّف الثقافة في تحاذي وجمع قيم منها الخُلُق(l’éthique) والذّوق الفتي(l’esthétique) والمنطق العملي( logique pragmatique ) والتقنية la technique) ).

أمّا الخُلق فلم يحصرها مالك بن نبي في المعنى النفسي والأدبي، بل وسّعها إلى التّصوّر الوجودي الذي تحمله كلّ الرّسالات السماوية من حيث أنّه منبع السّعادة الدّنيوية ومرجع الثّواب الأخروي.

وأمّا الذّوق الفتي فإشارة إلى التّبعات الأدبية والفنية والرّمزية والعمرانية التي يُفضى إليها التصوّر الوجودي الرّوحي.

وأمّا المنطق العملي فإشارة إلى تكييف كلّ وسائل العصر لما تطلبه الثقافة الإسلامية مع مراعاة الأولوية للإنسان مع مراعاة الحدود الشرعية التي وضعها الله للإنسان حتى لا يتعدّاها كالحدود الشرعية اليومية أو الحدود التي يجب أن لا يقربها كتغيير أصول العائلة والزواج والميراث..

وأمّا التقنية فهي إشارة إلى كلّ التطبيقات ذات المنفعة للفرد والمجتمع في الحياة اليومية والاقتصادية مع مراعاة التّوازن الطبيعي والتّمسّك عن منهج علمي وعملي يعرض الإنسانية إلى خطر الهلاك مثل ما هو شأن قوة تدميرية خارقة العادة أو مثل تغيير تركيب الخلايا والحيوانات.

إكمالاً لِما أوردناه إلى حدّ الآن نضيف تدقيقًا لموقف بن نبي في البعد الاقتصادي والسياسي من حياة الإنسان. فهو يعدّ الاقتصاد في شعبة الوسائل في خدمة ترقية الإنسان، ولا يعدّها كنهاية بذاته حتى استُعبد الإنسان كما هو شأن الليبرالية والاشتراكية. ما يُطلعنا على تحفّظه نحو نظرية الجدلية المادية للتاريخ المروّجة من قِبل الماركسية مع إنكارها لبعد التنزيهي و الروحي للوجود.           وما يطلعنا أيضًا على تحفّظه نحو المادية الفعلية لليبرالية ما دام شعارها الربح قبل الإنسان(le profit avant l’Homme).

أمّا موقفه في الميدان السياسي فقد وضّحه في محاضرته  » الإيديولوجية  » (l’idéologie) وفي مقاله « l’islam et la démocratie » الإسلام والديمقراطية، علمًا أنّ فنّ السياسة تتقدّمه مسألة الثقافة مظهر التصور الوجودي المنتهَج والتي ينوب عنها في ميدان التدبير على المستوى الجماعي والمقياس الأوّل في فنّ السياسة هو مثل الرّسول (ص آس) مدشِّن ومؤسّس نوات الدولة الإسلامية الفتيّة في المدينة المنوّرة بوضع دستور راكن إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ينظم حياة المسلم ومجتمعه وبإبرام معاهدات مع الجوار وبإرسال سفراء إلى الخارج مثل المبعوث إلى المقوقس في مصر وإلى كسرى في الفرس وإلى القيصر في الروم.

وأمّا في الحياة السياسية اليومية يرى مالك بن نبي أنّ الجدلية بين المسلم ودولته تتمحور على اجتناب تطرّفين : تطرّف العبيد الذّليل الذي لا يعرف إلاّ الالتزام بالأمر ولو كان ظالمًا وتطرّف المستَبدّ الذي رانت عليه هوى نفسه على حساب واجبه نحو رعيته. والوسط بين التّطرّفين أن يؤدّي ولي الأمر مهمّته بموجب ما شرّعه الله في إدارة الشؤون شفافة وفي ممارسة عدل منصف وضمان الأمن وفي إصغاء لمطالب الرعية المعلنة والمضمونة في التربية والتكوين والتمهين وفي ضمان الصحة والسكن والتقاعد. ومن جهته فالمسلم مقابل اقتنائه الحقوق السياسية والاجتماعية عليه أن يُشخّص القيم الإسلامية في كل جوانب سلوكه في البيت والشارع، وعليه إيفاء ما تقتضيه وظيفته في العمل وفي إبداء نقد سياسي بنّاء لا نقد تحزّب لفئة على الأخرى. وفي هذا الصدد أورد مالك بن نبي عدّة أمثلة في تاريخ الإسلام. وذكر مثل عمّار بن ياسر كنموذج الفعالية إذ حمل حجرين عوض حجر واحد أثناء بناء المسجد النبوي الشريف. وذكر مثل الشورى بين الرسول (ص آس) وأصحابه في معركة بدر لتكون المشورة قاعدة يحتكم إليها المسلمون بعد القرآن وسيّما في الظروف الاستثنائية. وأورد أيضًا مثل أبى ذرّ الغفاري وابن عمرو بن العاص في سياق المساوات. فالأوّل عيّب بلال بن رباح بلوْنِ جلده، فلامَه الرّسول (ص آس) وذكّره أنّ الفرق بين شخصين لا يقوم إلاّ بالتقوى. وأمّا الثاني فقد دفع أحد الطائفين حول الكعبة قائلاً له :  » لا تزام ابن الأكرمين  » في عهد خلافة عمر. فأمر الخليفة بضرب ابن الأكرمين ليريه أن التفاوت بين الناس قائم بالتقوى لاَ بالنسب.

وفي سياق الحركة النهضوية رسم بن نبي خطوط التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي على مستوى القطر لِتعُمّ العملية العالم الإسلامي في مرحلة لاحقة لإظهار ثقله الاقتصادي والسياسي في المحافل الدولية ولحلّ مظلومية الشعب الفلسطيني التي تدوم منذ سنة 1948 ولردع نية النيل من رموزنا الروحية كشخصية سيّدنا محمّد (ص آس) . وفي آخر خطوة من النهضة ذكر مالك بن نبي الوصل اللازم مع الشعوب الأخرى وأمم المعمورة مع النداء إلى التكامل وإلى نبذ منهج التسلط والهيمنة على الآخر وإلى المنافسة السلمية مع اليقين أنّ الوسطية الإسلامية ستلعب دورًا جذريًّا في مصير الإنسانية لأسباب طورية تنبّأت بها الرّسالات السّماوية في الفضاء السّامي وفي الهند أو بقيت في الذاكرة الجماعية عند الأمم الأخرى، وإن تجاهلها الوسط العلمي الرسمي.

سنذكر بعض المعطيات لهذا الأفق في الباب الأخير لهذه الدراسة نظرا لتسارع الأحداث الحالية على مستوى الأرض.

Related posts

ثقافة الإمبراطوريّة : جذورها التّاريخية والنّفسية والفكرية والدّجالة

المبدا السياسي في الرسالات السماويه و مصيره عبر الأطوار الزمنية

مسألة الهوية