المبدأ السّياسي في الرّسالات السّماوية
ومصيره عبر الأطوار الزّمنيّة
2022 حمزة بن عيسى
إنّ السياسة بمعنى المعهود فنّ تدبير شؤون المجتمع بما يعود عليه من الاستقرار والتّناغم والتّوازن لقوى فئاته. وكلمة السياسة ومشتقّاتها لم ترد حرفيًّا في تراث الإنسانية الرّوحي القديم. ولم ترد إلاّ بشكل غير مباشر في إشارة إلى مدينة أو قرية يملكها رجلٌ أو امرأةٌ. أمّا من حيث حقيقتها فالسّياسة هي المرتبة الإنسانية من مراتب الرّوح المدبّر لكلّ الكون الوجوديّ. ولذا جاءت الإشارة إلى هذه القوّة الرّوحية في التّراث القديم على شكل سرّ مكنون في عبارة » المدينة » أو » القرية » يتمحْور الجهات الفضائية الأصلية وينظّم مجرى التّيّار الزّمني. هذا سرّ كلمة POLIS في التراث اليوناني وكلمة CIVITAS في التراث اللاّتيني وكلمة POUR في التراث الهندي. ما يُعطي أنّ في الأصل السّياسة عبارة عن تطبيق نموذج ربّاني لحياة الإنسان الجماعية والفرديّة.
أمّا السياسة كنظرية تشرح شعبها وميادينها، فهي واردة عند أفلاطون (PLATON) في كتابه » الجمهورية « ، ثم بعده عند أرسطو (ARISTOTE). أمّا في التراث الإسلامي فنظرية السياسة واردة عند الشيخ محي الدين (ر) في كتابه » التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية « . فهي واردة أيضا عند الإمام أبي حامد الغزالي على شكل غير مباشر في رسالته » كيمياء السعادة « ، دون أن ننسى ما ورد على قلم الفربي بناء على ما تركه أفلاطون. أمّا في عصرنا فقد عالج الموضوعَ R.GUENON في كتابه Autorité spirituelle et pouvoir temporel أي السلطة الرّوحية والقوّة السياسية مع درجة رتبة للسلطة الرّوحية. أمّا ما يمكن استنباطه ممّا جاء على قلم أهل الله في الموضوع، فهو متشعّب لما تختلف أبعاده بحسب المرحلة المعتبرة في الطّور البشري، من بدايته مع سيّدنا آدم (ع) إلى يومنا هذا. وفي هذا السياق فإنّ الطور البشري ككلّ وجود مقيّد، فهو عبارة عن منئـى تدريجي عن الأصل إلى أن تعود الأمور إلى الأصل من جديد بعد نهاية الطور، في ظروف وجودية تختلف عن سابقتها بحسب مبدأ لا تكرار في الوجود لسبب المدد الإلهي غير النافذ. وقد أشار الله في تنزيله إلى فكرة المنئى عن الأصل قائلا ﴿ ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (التين،4-5). وللطور البشري أربع مراحل بحسب ما جاء في التراث القديم في الهند وفي اليونان، فهي كالتالي
1.المرحلة الأولى التي تصادف مكوث الإنسان في الجنة. فلها خصوصيتها.
2.المرحلة الثانية التي تلت خروجه من الجنة مع توبة الله عليه وشروط إعادته إلى المنزلة التي فقدها في آخر المرحلة الأولى.
- المرحلة الثالثة المميزة بالنبوة العامة ثم المشرقة فيها نبوة التشريع مع سيّدنا نوح (ع).
- وأخيرا المرحلة الرابعة والتي نحن فيها منذ ستة آلاف سنين تقريبا بالتوازي مع ظهور عهد سيّدنا إبراهيم الخليل (ع).
1-أمّا المرحلة الأولى، فهي الفترة التي ظهر فيها الإنسان في كمال تفويضه من الله ليعتلي عرش خلافته في الأرض. وقد فصّل لنا الله في تنزيله صفات خليفته في الجنة إذ قال: ﴿وإنّ لك ألاّ تجوع فيها ولا تعرى (118)وإنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى(119)﴾ (طه). فالآية الأولى تفيد الاستغناء عن الجوع أي عن القوّة الغريزية الهاضمة (la pulsion nutritive)، بمعنى أنّ العبد في هذه المنزلة يتخطّى بكثير حدود الصّيام المعهود ولا يحتاج إلى مادّة الأكل. أمّا الآية الثانية فهي إشارة إلى الاستغناء عن القوة الغريزية الجاذِبة (la pulsion érotique)، إذ العري من خصائص الحيوان يحمل في طياته القوة التناسلية. وأمّا الآية ﴿وإنّك لا تظمأ فيها﴾ فمفادها الاستغناء عن القوة الغريزية الماسكة (la pulsion possessive) حيث يقال عموما أنّ فلانا خاضع لظمأ الحكم مثلا. أمّا العبارة » ولا تضحى » في الآية الأخيرة إشارة إلى الاستغناء عن سلطان الكثرة بالنظر إليها بعين الوحدة. فعلاً فبينما الضحى هو عبارة عن النور الوجودي الذي يظهر كثرة الأشياء بإظهار تباينها بعضها من بعض، فــ لا النافية في عبارة » ولا تضحى » في الجنة مفادها تخطي الكثرة بالنظر إليها بعين الوحدة لتزول جدلية الأحكام الأسمائية والتي هي سرّ القوة الغريزية الدافعة (la pulsion défensive) لِيسود السلام.
وإذا كان أمر آدم القديم (ع) غنيا عن أثر القوات الغريزية ، فلكمال منزلته الأصلية حيث تبسط فطرته أي روحه المنفوخة فيه سلطانها على كلّ قواه النفسية والجوارحية مع إتقانه أسرار الأمر الرباني » كن « . فبسبب هذه الفطرة الأولى التي فطره الله عليها يُشخّص آدم القديم بالكمال عنوان خليفة الله في الأرض يستمدّ من الله ويمد الخلق كلاّ بطلب استعداده الوجودي ولا بحكم الثواب والعقاب ولا يحتاج إلى شريعة تذكر ولا إلى أدب يربّيه ولا إلى حكم يراقبه. فهو مظهر فطرة الله إلى الله. وقد سُميت هذه المرحلة بالعهد الذهبي في التراث اليوناني وبالعهد النوراني في التراث الهندي (Satya youga).
2- ثم تأتي المرحلة الثانية من الطور البشري. ففيها تظهر الآثار الوجودية للابتعاد عن الأصل والذي هو منحى كلّ طور من الأطوار. فسياق القصص الذي صوّرها لنا الله في تنزيله، سياق نفسي في التراث الروحي السامي حيث بدأت تظهر في حياة الإنسان أثار الفرق بين الأشياء وما يترتّب عليها من ذوق ما يسرّ تارة ومن ذوق ما يسوء تارة أخرى. ولذا جاء القصص في القرآن على صورة إشكالية نفسية متشابكة، إذ قال الله ﴿وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنّة وكُلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ (البقرة،35). ثم قال ﴿فوسوس له الشيطان قال يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما … فعصى آدم ربّه فغوى﴾ (طه، 23).
ثم قال ﴿قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين﴾ (الأعراف،23).
ثم قال ﴿فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّواب الرحيم﴾ (البقرة،37). ثم قال ﴿فإمّا يأتِينّكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ (طه،123). والإشكالية النفسية تكمن في أنّ صاحبيها آدم وحواء يتردّدان بين رغبة معرفة تفاصيل الأشياء والكثرة المكنونة فيها وبين خوف فقدان النظر إلى الكثرة بعين الوحدة (علما أنّ الكثرة ترمز إليها عبارة الشجرة). فحصل ما حصل أي أنّ آدم وحواء (ع) ذاقا ثمرة الشجرة أي أنّهما ذاقا العلم التفصيلي للأشياء وذاقا في نفس الوقت طعم الشعور بالصّواب والذّنب وطعم الشعور بالخير والشر وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، فضلا عن اطلاعهما على حيوانيتهما ببروز سوءاتهما. ما جعل من الخروج من الجنة تحوّلا من النظر إلى الأشياء بعين الوحدة إلى النظر إليها بعين الكثرة مع تحمّل تبعات جدلية الكثرة. ولامتصاص شرّ تلك التّبعات بقدر ما أمكن تاب آدم وحواء إلى الله فتاب عليهما بإفاضة رحمته ومدده من جديد عليهما بوضع شروط الهداية ليسترجعا المنزلة الروحية التي فقداها في آخر المرحلة الأولى. وتوبة الله هنا تعني استرجاع منزلة الفطرة الأولى مع تكييفها للظروف الوجودية الجديدة الحاصلة. ما يجعل من معاصري المرحلة الثانية من الطور البشري عبادا أولى الكمال الروحي يتصرّفون بأذهانهم وبأقوالهم وفي حركاتهم بما ألهم الله لهم وكشف لهم. وبموجب هذه المناقب فلا يحتاجون إلى شرعة تذكر ولا إلى تربية ولا إلى حكم ظاهر. سميت هذه المرحلة بالعهد الفضّي وبعهد سيّدنا شيت (ع). وقبل ختم هذا الفصل وللملاحظة فقط حتى لا نخرج من موضوعنا، فإنّ السياق النفسي الذي ارتداه القصص القرآني حول حدث الشجرة، هو خطاب موجّه لعباد المرحلة الأخيرة من الطور البشري حيث تهيمن القوى النفسية على حياة الإنسان. وليس هذا السياق بالضرورة سياق من كان في القديم مظهر تبعات القرب من الشجرة. ذلك أنّ ما هو ظاهره ذنب وزيغ في الحدث ليس ذنبا ولا زيغا مطلقا، بل هو مرتبة من مراتب الخلاقة الإنسانية في الأرض، كونها مظهرًا للحكمة الإلهية في الخلق. إذ لولا ذوق الكثرة وجدلياتها لما تجلّت في الكون جدلية أسماءه تعالى الجلالية والجمالية. ما يُعطي أنّ في الأصل أمر الله كله مليح وخير، وتتجلّى جدليّته في أقدار الوجود المقيد الطبيعي.
3- أمّا ظهور المرحلة الثالثة والمسمّاة بعهد البرونز (l’age de bronze) في التراث اليوناني، فهي مميزة بصعود أكبر للقوى النفسية عند الإنسان، لِينحجب شيئا فشيئا عن نور الفطرة الأولى ولِينظر إلاّ بعين الكثرة. فصار يعتقد فرقا مطلقا بين كيانه وكيان المخلوقات الأخرى. فترتب على ذلك الاعتقاد أنّه آهل للفعل وللانفعال بنفسه لنفسه ونشب الخلاف في المعاملة بين الناس إلى أن يصل إلى العنف بينهم. وبسبب احتجاب الناس عن الفطرة وبسبب بزوغ الفتنة بينهم، جرت حكمة الله أن يخاطبهم من ظواهرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلا عن ما يعلّمهم، فأنزل الرسالة ليحكم بينهم بالحق كما جاء في قوله تعالى ﴿وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا﴾ (يونس،19) وفي قوله تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النّبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ (البقرة، 213). وورد الخبر في التراث الإسلامي أنّ أوّل رسول باللقب بُعث للناس هو سيّدنا نوح (ع) (NOÉ ) بنحو اثنتي عشرة آلاف سنين قبل الحاضر. فظاهرة الرسالة عمّت الإنسانية قاطبة كما جاء في قوله تعالى ﴿وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير﴾ (فاطر، 14) بعد سابقة النبوة العامة (la prophétie générale ) قبلها. نضيف للإشارة فقط في هذا السياق أنّ ما سماه علم الانطروبولوجية » الفلكلور » (folklore) أي العلوم الشعبية، ما هو في الحقيقة إلاّ أثار رسالات قديمة في شكل ذاكرة جماعية تكمن القصص والفنون الشعبية. وجرت الظروف في هذه المرحلة أنّ الرسول أو النبي في سياق رسالة مَن قبله، أن يجمع في مهمّته السلطة الروحية في الإبلاغ عن الله وفي الحفظ عنه والقوة السياسية ليحكم بين الناس بما أمر الله به أن يوصل.
4- ثم برزت المرحلة الرابعة والأخيرة في الطور البشري، منذ ستة آلاف سنين مصادفة بداية عهد سيّدنا إبراهيم الخليل (ع) في العراق. فهي المسمّاة بعهد الحديد في التراث اليوناني وبعهد الظلمات (kali yuga) في التراث الهندي لما يترتب عليه من غموض فكري وانقلاب سلّم القيم رأسًا على عقب. إنّ هذه المرحلة تتميز بانحجاب تام للفطرة الأولى عند الناس حتى جحدوا حقيقتها وانفتح المجال لجدلية القوى النفسية مع صعود القوى الغريزية. ما أفسد المعاملة اليومية بين الناس وبين الأمم ونشبت الفتن والحروب.
إنّ هذه الوضعية الوجودية ذات تراجع روحي وتصاعد نفسي صادفها نموّ ديمغرافي غير مسبوق في تاريخ البشرية، وصادفها أيضا ظهور مدن ذات حجم كبير وتحوّل جذري في نمط الحياة. ما فرض بروزَ أجهزة الدولة وإنشاءَ النقد كقيمة تبادل (valeur d’échange) وبجعل وظيفة التبادل التجاري غير المنتجة لسدّ تخطّي تبادل السلع القديم ولسدّ المسافة الحاصلة بين المنتج والمستهلك. وبينما تحصل هذه التحولات في الحياة، فقد الإنسان طبيعتَه لممارسة وظائف عديدة في نفس الوقت ليكتفي بتخصيصه في وظيفة معينة. وهكذا أصبح من الضروري أن يُحدّد دور كلّ واحد في الحياة الاجتماعية بناء على تصنيف الاستعدادات النفسية (la disponibilité psychologique). فاتّسمت المجتمعات على شكل طبقات وظيفية كما تشهد لذلك أعمال (G. Dumézil) الذي تحدّث أو ذكر خطأً ثلاث طبقات عوض أن يذكر أربعا كما هو العدد الصحيح عند كلّ الحضارات القديمة كما سيأتي. نضيف أنّ كلّ الوظائف المؤسسة للمجتمع يجري منطقها بالتلقين (l’initiation) بحسب التراث الروحي الذي ينتمي إليه مجتمع ما. وتُستثنى الطبقة الرابعة من التلقين. نريد القول بالتلقين أنّ علاوة على المنفعة الفردية والجماعية التابعة لكلّ وظيفة فصاحبها يتحقق روحيًّا في نفس الوقت من خلال نتائجها.
- فأمّا الطبقة الأولى فهي الطبقة المقدسة (la caste sacerdotale) وتتولى الحفظ على التراث الروحي وعلى إبلاغه للمجتمع. وهدفها الروحي هو وصل التوحيد الحق. وإليها ينتمي الرسل والأنبياء والأولياء على اختلاف تسميّتهم بحسب الظروف المكانية والزمانية. فهي طبقة البراهيمية (Brahmane) في الهند وطبقة « الكلت » (Celtes) في أوربا الغربية وطبقة » الكلد » (Kaldes) في العراق.
- أمّا الطبقة الثانية أي العسكرية فهي تتولى فنّ السياسة ، وهدفها الروحي نيل المراتب العليا من جنة الأعمال.
3.أمّا الطبقة الثالثة فهي تتولى الحرف المهنية وإنتاج السلع والبضائع. وهدفها الروحي نيل جنة اللذات.
- وأخيرا الطبقة الرابعة التي تتولى الأشغال الثانوية وتنفيذ العمليات الجسدية. وهدفها الروحي وصل منزلة النجاة.
وبالرجوع إلى الموضوع السياسي الذي يهمّنا الآن، فهو مركّز على الطبقة العسكرية، علما أنّ الشرعية السياسية لا تتمّ إلاّ بتكريسٍ رسميٍّ من قبل الطبقة المقدسة أكان صاحب القوة السياسية ملِكًا أو فرعونًا أو كيسرًا أو قيسرًا. وكلما يجمع صاحب الأمر الانتماء إلى الطبقة المقدسة والمهمة السياسية فجانبه الروحي له درجة رتبة على جانبه السياسي. ونفس المعنى قائم عندما تظهر النبوة في وسط الطبقة العسكرية لأسباب طورية مثل ما حصل عند بني إسرائيل مع سيّدنا داوود (ع) وسيّدنا سليمان (ع) وسيدنا عيسى ابن مريم (ع). وهناك وضع آخر يجمع فيه صاحب القوة السياسية عنوان الواسطة الكبرى بين العالم الإلاهي وعالم البشر. هذا شأن Pontifex maximus Le في الحضارة الرومانية، والذي هو رئيس الدولة في نفس الوقت.
إنّ فنّ السياسة فنّ تسيير شؤون المجتمع بما تُمليه الرسالة السماوية المعتمدة. ويكمن في إقامة إدارة تدبير الشؤون اليومية، وفي إقامة جهاز العدالة يحكم فيما شجر بين الناس، وفي تشكيل قوة أمنية لاجتناب الفوضى الداخلية ولردع الأطماع الخارجية.
وكما هو شأن الطبقة المقدسة وطبقة الحرفيين فللطبقة العسكرية منهاج طريقة تلقين تسمى الكيمياء أو ما يعادل تلك التسمية معنًا عند كلّ ملل البشرية في مشارق الأرض ومغاربها وفي شمالها وجنوبها. وهدف هذا التلقين إيصال صاحبه إلى تحقيق روحي يناسب المرتبة العليا من جنة الأعمال مع تنوير التدبير السياسي الذي وُكّل به وتحمّله في الدنيا.
ووفقا لما يتطلبه منطق الطور والذي هو المنأ التدريجي عن الأصل فالعلاقات بين الطبقة المقدسة والطبقة العسكرية، يسودها تارة التناغم مثل التناغم بين » مرلين » Merlin والملك » ارتور « Arthur في التراث الأوربي القديم وتارة أخرى، يسودها التوتر والخلاف كلما تدّعي الطبقة العسكرية أخذَ الشرعية بنفسها لنفسها واستغناءً عن دور الطبقة المقدّسة في ترسيم الشرعية السياسية كما تشير إلى ذلك مواجهة سيّدنا إبراهيم الملك نمرود في التراث السّامي أو مواجهة « ﭘـرشورَمَ » (Sarashu Rama) للطبقة العسكرية في التراث الهندي.
وكلما تمّ التمّرّد ليجني صاحبه ثمار طموحه، فتح ذلك الانقلاب الباب للتمرّد عليه لاحقًا من قبل طبقة الحرفيين والتّجار. وهكذا إلى أن يتمّ التمرّد عليها بدورها كما جرت الأحداث مع ظهور العالم الحديث. فعلاً بإقصاء الكنيسة من قبل المملكة المطلقة ، نجم عنه تمرّد طبقة التجار والبنوك ليتمّ لاحقًا التمرّد عليها من قبل طبقة العمال بمطالبه الاشتراكية في جوّ وجودي خيّم عليه الدافع المادي كالاتجاه الوحيد لحياة البشر. فأصبحت الحياة على مستوى الأرض لسبعة عقود مستقطبة سياسيا واقتصاديا وثقافيا من قبل التنافس بين المنهجيين الماديين الاشتراكي والرأسمالي، إلى أن ينهار المعسكر الاشتراكي سنة1991 لأسباب ذاتية وتاركًا المجال لعودة الليبرالية بقوة مع نيّة فرض نموذجها على البشرية قاطبة تحت شعار الديمقراطية الفارغ من محتواه الموهوم والموظّف لاستعباد الأمم في خدمة الدافع المادي بإنتاج إنسان بليد يقيّده الأكل والجنس أوّلا وأخيرا.
والجدير بالذكر هنا أنّ تعدد الأحزاب والتّناوب على الحكم ظاهرة شكلية تُوهم النّاخب أنّه ذو قرار ونفوذ بينما الواقع كلّه معاكس له إذ كلّ الحياة بما فيها مؤسسة الدولة والإعلام والتعليم والثقافة مجنّدة في سبيل القوة المالية ولا مستقبل في هذه المؤسسات إلاّ لرجلٍ مُذعنٍ لمنطق القوة المالية. إنّ مبدأ الشرعية السياسية هنا منقطع عن الروح والتنزيه. فهو تنظير لتبرير سطوة القوة المالية على المجتمع بعد استيلائها على جهاز الدولة السياسية. فالشرعية في العالم الحديث مبنية على ثلاث فرضيات هشّة في مضمونها. ومنها » العقد الاجتماعي » كتوافق الجماعة لحماية الملكية الخاصة ولاجتناب الصراع بين الأفراد. ومنها فرضية القانون والحرية كنتيجة تحوّل في منطق الغرائز للحدّ من منطقها دون توضيح كيف حصل هذا التحول العجيب. وأخيرا فرضية حقوق الإنسان لكونه إنسانًا سبقت مرتبته الوجودية جهاز الدولة وبنود القانون.
1.أمّا فرضية العقد الاجتماعي فلم ترد في تراث الحضارات القديمة والتي تجعل من الدولة مظهرا لنموذج إلاهي أصلي. وإضافة « حماية الملكية » للعقد دليل على أنّ هذا الأخير بنيان فكري لتبرير أمر التّجار والبنوك الواقع على الأرض.
- أمّا فرضية الحقوق كنتيجة استقامة الغرائز على نفسها فهي فرضية وهمية لا أساس لها علميًّا. إذ تناقض كلّ ما تعطيه العلوم الطبيعية، لأنّ الغريزة قوّة ثابتة لا يتغير طبعها أبدا. فيظهر أثرها عند الحاجة وينتهي بعد قضاء الحاجة. فقد روّج لها هيغل (HEGEL) كما روّج للفرضية الأولى ورسّمهما في الفكر الحديث لتكونا ركيزتي فلسفة الأمر الواقع المبررة لسطوة قوّة المال على الحكم السياسي.
- أمّا فرضية « حقوق الإنسان » لكونه إنسانا سبق وجوده ظهور جهاز الدولة فهي عبارة عن وهم ثانٍ في عالم طبيعيٍّ خال من الألوهية ومقيّد من قبل جدلية الصراع للبقاء بحيث أنّ في ذلك العالم ليس للإنسان من حق إلاّ أن يكون مفترسا أو أن يكون فريسة . هذا منطق الليبرالية.
***
بعد تذكير المبادئ السياسية التي يركن إليها الميدان السياسي في تراث الرسالات السماوية كيف تبدو نفس المسألة في التراث الإسلامي ؟ إنّ المثل السياسي شخّصه الرسول (ص آس) نفسه في وضع دستور للمجتمع المسلم الناشئ في المدينة المنورة. ينظم هذا الدستور العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم وفقا لما شرّعه الإسلام. وتجسّم أيضا في الميدان السياسي بإبرام معاهدات مع الجوار وببعث سفراء إلى الفرس والروم ومصر. والرسول (ص آس) هنا يجمع في مهمّته السلطة الروحية كونه رسول الله إلى البشر والقوّة السياسية في تسيير شؤون المسلمين في الداخل وفي تسيير علاقاتهم مع الخارج.
وبعد وفاة الرسول ( صآس) ظهرت الخلافة لنحو ربوع قرن تقريبا حيث جمع الخليفة في مهمّته السلطة الروحية والقوة السياسية إلى أن يتمّ اغتيال الإمام علي (ع) ويتخلّى ابنه الحسن (ع) عن هذا الأمر وليستلم الحكم معاوية ابن أبي سفيان.
فحكم معاوية دشن فصلا بين السلطة الروحية والقوة السياسية على حساب الأولى. وصار واقع هذا الفصل وما ترتب عليه أمرًا معهودًا في تاريخ الحضارة الإسلامية رغم محاولات الاستقامة عديدة مثل الدولة الرّستومية وبداية الدولة الفاطمية ودولتي المرابطين والموحّدين في شمال إفريقيا. ما انتهى إلى تعطيل الفقه السياسي وإلى جعل ممثلي السلطة الروحية في حال تردّدٍ. فمنهم من تناغم قصرًا مع القوة السياسية وأقرّ بما أحدثته في المناسك الشرعية كما هو الشأن في العهد الأموي بامتناع التلفظ بالله أكبر في بداية الصلاة وبإلغاء البسملة في قراءة الفاتحة في الصلاة وبتقديم الخطبة على الصلاة يوم العيد… إلخ. ومن الفقهاء من تحفّظ وتجنّب إحراج القوة السياسية خوفا من ردّ فعلها ؛ ومنهم من عارض القوة السياسية وتحمّل قمعًا شديدًا كما هو شأن الشيعة سيّما في العهد الأموي والعهد العباسي.
إنّ الصعيد الذي أخذته القوة السّياسية على السلطة الروحية هو سرّ غياب نظرية سياسية في تراث الحضارة الإسلامية كلّما غضضنا الظرف عن ما انتجه الوسط الصوفي باختصار في الموضوع. ذلك أنّه لم توجد نصوص مستنبطة من القرآن والسنة النبوية في قواعد وشروط الشرعية السياسية. وعادة يكتفي ذكر هذا الميدان في جعل معالم إدارة شؤون الأمة على شكل نصائح موجهة لصاحب الإمرة. وفي المقابل تتظاهر القوة السّياسية في وظيفة المدافع عن الدين أو بالميل إلى أحد المذاهب الموجودة في الساحة الاجتماعية أو بالحيز إلى موقفه في الإلحاد وفي الارتداد أو في السبي.
نضيف أنّ ما ورد على قلم الفربي في السياسة دليل آخر على ما نقوله، إذ عالج علم السياسة بشكل غير مباشر بتطرّقه إلى « الجمهورية » الكتاب الذي ألفه أفلاطون الفيلسوف اليوناني المعروف. ما دفع فريق من المستشرقين للخلاصة أنّ الإسلام لا يعرف فكرة السياسة رغم ما بادر إليه الرسول (ص آس) والخلافة ورغم كلّ ما جاء في القرآن في الحكم والعدل والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
إنّ غياب نظرية سياسية في التراث الثقافي الإسلامي التاريخي غطّت عليه قراءة المذاهب لتاريخنا بجعله مسارًا مسوًّا لم يطرأ عليه شوب من بدايته إلى يومنا هذا عكس ما تعطيه دراسته خارج سياق المذاهب. هذا ما انتهت إليه البحوث التاريخية للشيخ حسن فرحان المالكي. ما يعني أنّ الإقرار بمبدئية المذاهب كحتمية فرضتها الظروف بعد نهاية الخلافة، لا يتناقض مع انتقاد تعصّبها تارة أو إرضاء الأمر السياسي الواقع أو السكوت عنه.
ورغم كلّ العتاب على الدولة في تاريخ الإسلام ورغم كلّ النقائص التي يمكن إحصاءها في مسيرها فهي ترجمة سياسية للقيم الإسلامية بقدر همّة أصحابها في فهم مغزاها وفي تحمّلها. فهو يصيب كلما تغلغلت في نفسه وساقتها إلى الصواب. وهو يخطئ بل يظلم كلما غلبت عليه هوى نفسه.
وعلى كلّ حال فإنّ غياب نظرية سياسية في الإسلام التاريخي، أثّر سلبًا على سياق الحركة النّهضوية في القرن التاسع عشر ميلادي وعلى الحركات التحررية في القرن العشرين. فهي تطالب وصلاً تاريخيًا وحضاريًا إلى الماضي دون أن تجد في متناولها منهجا مسطورا لجعل الدولة المنشودة مظهرًا سياسيًا للقيم الإسلامية. فاضطرّت لأخذ النمط الغربي الحديث مثلا يُقتدى به في وجوهه الثلاثة القومية والليبرالية والاشتراكية. وباستيراد النموذج الغربي السياسي إلى دار الإسلام تضاعفت وتعقّدت أكثر إشكالية النهضة بإشكالية التناقضات التي يكنّها النّمط الغربي، حتّى هُمّشت فكرةُ أن تكون القيم الإسلامية مظهر الدولة السياسية. فأصبح المجتمع المسلم في السّتينات إلى آخر الثّمانينات محلّ امتصاص للصراع الفكري القائم بين المعسكرين الغربي والشرقي بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بذل مالك بن نبي جهدًا كبيرًا في الفكر الطلائعي لإعادة الاعتبار للتجديد بالإسلام كما كان يلحّ ولا لتجديد الإسلام. فمساهمته الفكرية يتمحورها مشروع حضارة تستمدّ قيامها من روح الإسلام مع قبول الغير وفي إطار تكامل ولا في إطار تنافس من أجل فرض هيمنته كما هو شأن الحضارة الغربية الحديثة المسيّرة من قبل الدافع المادي. إنّ فكر مالك بن نبي يدور حول رغبة إصلاح المجتمع المسلم في أبعاده الروحية والسياسية والثقافية مع تكامل اقتصادي قطري وتنسيق سياسي ليمنح ثقلا سياسيا للعالم الإسلامي في المحفل الدولي ومع تكامل لمساهمة الحضارات الأخرى ومع إبراز دور الإسلام لإجابة الطلب الروحي الوارد من البشرية في وضع الاستحالة للإجابة له التي تراود الرسالات الأخرى في الهند وفي الصين وفي العالم الغربي الحديث لعلّة بنائية وظرفية. وبعد خمسة عقود تقريبا من وفاته، فقد وجد فكره صدى في الطبقة السياسية في ماليزيا. وإن لم يلق فكره صدى مباشرًا في العالم العربي، فهناك أحداث حصلت تتجه نحو ما كان يصبو إليه من تجديد بالإسلام. ومن هذه الأحداث بزوغ الجمهورية الإسلامية في إيران خارج جدلية المحور واشنطون – موسكو وبهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي لجنب التبعية للخارج وإملاآته ولإعادة الثقل لوجهة نظر المسلم في المحفل الدولي. ورغم أربعة عقود من حصار شامل حصلت الجمهورية الفتية على نهضة علمية وصناعية فتحت لها الأبواب لإتقان دائرة الوقود النووي وتقنية الفضاء والصناعة واقتناء الرّدع في الدفاع حتى أصبحت قوة إقليمة أفشلت مشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيوني الأمريكي.
وهناك أيضا مثل تركيا التي حصل فيها في التسعينات من القرن العشرين تحوّل سياسي مطابق لتجاه فكر بن نبي بنية الخلاص من التبعية للغرب إلاّ أنّ صاحب هذا التحول نجم الدين أربكان أُطيح بحكومته وحُكم عليه بالسجن بتهمة المنىء عن علمانية الدولة ومُنع من ممارسة النشاط السياسي. وجيء برجب طيب أردوغان في إطار صفقة تحفظ ظواهر تيار سياسي إسلامي مع إبقائه في فلك الاستراتيجية الأمريكية. أمّا بقية التيارات الإسلامية في النشاط السياسي مثل الإخوان ليس لها أية مرجعية سياسية إسلامية. وهذا الفراغ عندها ملأه الخطاب الليبرالي وما يترتب عليه من تبعية للغرب.