1- مقدمة الكلام
من طبيعة نشأته أم يعتبر الفكر الحديث الرّسالات السّماوية ظاهرة اجتماعية و تاريخية محضة. فصار يؤوّلها بما يُعطيه الثانوي الدّيكارتي (le dualisme cartésien) مع إخلائه الوجودَ من بعده الرّوحي، وحصره في عالَم الطبيعة وما تبعه من الصّراع للبقاء. وأوّل قيم الحضارات السّابقة كتقديس ظروف موضوعية، في انتظار استبدالها بقيم أخرى لاحقة. هذا ما انتهى إليه الفكر الماركسي بجعله الدّين بنية فكرية أنتجتها الطبقة المستغِلّة لإدامة هيمنتها على باقي الطبقات الاجتماعية. وبالتّحاذي للتّأويل المادي للقيم برزت نظريات نفسية تجُرُّ في طيّاتها العداء للدّين، ممزوجةً بما تحمله الرّوحانيات المستحدثة (le néo spiritualisme). هذا شأن أفكار E.Tylor الذي جعل من نظرية الحيوية (l’animisme) أصل الدّين. وهو أيضا شأن أفكار J.Frazier الذي وضع السّحر في بداية الدّين.وكلا الباحثين لهما ضلعٌ مبيّت مع المنظّمات التي تدّعي زورًا استحضار أرواح الميّتين (le spiritisme) علمًا أنّ هذا الجانب لم يُذكر في ترجمتهما حتى لا يعود ذلك بالشّك في شهرتهما بالبحث العلمي. ثم جاءت نظرية التحليل النفسي مع S. Freud وC.G.Jung التي أرجعت الدّين إلى القوات الجماعية (les formes collectives) والذّاكرة الجماعية (la mémoire collective) مع الشرك كمرحلة أولى. وبموجب معطيات نظرية التطوّر التي تتمحورها أرجعت النظرية النفسية الدّين إلى ارتقاء الهمجية (la sauvagerie) والغرائز، قبل أن يظهر التوحيد. وصبّ الفيلسوف Dergson في نفس الاتجاه في كتابيه (l’élan vital) أي « الانطلاقة الحيّة » و (les deux sources de la morale et de la religion) أي » منبعا الأخلاق والدّين « ، حيث تظهر أولوية الامتدادات السّفلى للوعي كمنبع القيم. وقد سادت هذه المسبّقات الفلسفية خطابَ فلسفة التاريخ وقيّدت خطابَ العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى يومنا هذا حتّى أصبحت جوًّا ثقافيًّا يستنشقه الناس وتتسلّط على أذهانهم في كلّ مستويات التعليم والحياة اليومية
وفي الأربعينات من القرن العشرين ظهرت أعمال جامعية لــِ M.Eliade في إطار ما سُمّيَ تاريخ الأديان والرّاكنة إلى فلسفة الظواهرية (la phénoménologie) للفيلسوف الألماني Husserl. وشأن هذه الفلسفة أن يكتفي النظر إلى الأشياء كظاهرة جليّة وثابتة دون أن يتبطأ في ماهيتها الأصلية. وهكذا قُبلت فكرة الدّين وواقعها كظاهرة تحاذت حياة الإنسان منذ أن برز على وجه الأرض. وفي نفس السياق الظواهري بين تاريخ الأديان أن التّوحيد هو الأصل خلاف فكرة الشرك بموجب نظرية التطور. وقد أعطى الوصول إلى فكرة التوحيد كأصل الدّين، أعطى لكُتبِ M.Eliade قيمةً وثائقيةً كبيرةً وغير مسبوقة في الثقافة الحديثة. إلاّ أنّ عجز الظواهرية الوصول إلى معنى التّوحيد أبقاها في حضن الثانوي الديكارتي. بحيث أن أعمال M.Eliade عجزت عن الفصل بين ما ذهبت إليه النظريات النفسية والاجتماعية وبين حكم الدّين تنزيلاً سماويًّا لإثباته بُعد الروح في الوجود. ذلك أنّ M.Eliade وضع في نفس السّلة الدّين كتنزيل والامتدادات النفسية السّفلى المناقِضة له.
وفي هذا الجوّ الثقافي العام المُمنهج فكريًّا لمعادة مبدأ التنزيل، بدأ تظهر أعمال R. Guénon وصارت محلّ اهتمام أكبر ممّا كانت عليه في العشرينات إلى الأربعينات من القرن العشرين لانتقادها اتحاد للتصور الوجودي للعالم الحديث وتحمّلها أيضا آفاق الاستقامة الروحية والفكرية. فعلاً فقد ساهمت أعمال R. Guénon في رفع الضّباب الفكري الذي ما زال يخيّم على ميدان الاصطلاحات وهجمت تأويلات المستشرقين الخاطئة في دراساتهم الحضارات الشرقية. ورفعت السّتار على وحدة الأصل والمال لِقيم كلّ الحضارات الماضية رغم اختلافها في شكل خطابها لضرورة تكييفها لظروف مكانية وزمانية وبشرية مختلفة.
نضيف أنّ الاتجاه الفكري لــِ R.GUénon والسّاري من مقامه الروحي الراكن إلى ما سمّاه القوم الأفراد، يطلعنا على اهتمامه بالسّلوك الروحي وشرح مميّزاته وسلّمه ورموزه في كلّ الرّسالات مع مراعاة خصوصية كلّ منها ومع ملاحظة تطابق مناهجها وأهدافها لوحدة منبعها كما أشار إلى هذه الحقيقة رسول الإسلام بقوله [الدين واحد والأنبياء إخوة]
وبالعودة إلى شأن المستشرقين فإنه سبق لــِ R.Guénon أن اعترف بالقيمة الوثائقية التي تحملها بالمناسبة أعمالهم، إلاّ أنّ سبق له كثيرا أن نبذ وصحّح تأويلاتهم الخاطئة سواء فيما جاء به M.Muller أو Oltamare أو جاء به Colebrooke أو Shopenhauer، كلّما رأوا فلسفةً حيث لا أصل لها أو كلما رأوا فلسفة مادية نتيجة خلطِهم بين النفس والروح حتى حصروا الوجود في النفس. وفيما سيأتي نذكر معالم الرّسالة الهندوسيّة كما أوردها R.Guénon في كتابه (Introduction générale à l’étude des doctrines hindoue) الجزء الثالث المعنون (Les points de vue de la doctrine) دون أن ننسى كتابيه (Etudes sur l’Hindouisme)و (L’Homme et son devenir selon le Védanta).
وقبل ختم هذه المقدّمة علينا الإجابة على سؤال يطرح نفسه ألاَ وهو سبب الرّسالات وما هي مكانتها في العلاقة بين المخلوق وخالقه ؟ فبحسب بعض المعطيات الواردة والمتقاطعة في التراث المصري القديم والتراث العربي الإسلامي، فظُهور الرّسالات يعود إلى اثنتي عشر ألف سنة تقريبًا قبل الآن. وكان الإنسان قبلها يتمتّع بصعيدِ قوّة الكشف والإلهام (L’intuition intellectuelle) على قواه النفسية و الجوارحية. ما جعل من لبّ قلبه الوصل بِربِّهِ. واللّبّ هنا يعني محلّ حضرة الروح المنفوخة فيه. فحينئذٍ كان يتصرّف الإنسان بفطرته حتى كان توجّهه اليومي مع أمر ربِّه. فما دامت الفطرة تقوده لمْ يحتاج الإنسان إلى أخلاق تسيّره ولا إلى أحكام تقيّد معاملته ولا إلى سلطة ظاهرة تراقبه. وإلى هذه المنزلة يشير الله في تنزيله إذ صوّر لنا العبدَ الفطريَّ لا يجوع ولا يعرى ولا يظمؤ ولا يضحى، أي أنّه مخلَص من سلطة الغرائز الأربعة الهاضمة والجاذبة والكاسبة والدّافعة.
ذلك أنّه كان ينظر إلى الكثرة بعين الوحدة. وأمّا سبب الرّسالة فمتعلق بالتّدهور الطّوري (La dégradation cyclique) الذي يطرأ على الوجود الإضافي وكائناته. ومن مجرياته أن يُحجبَ الإنسانَ عن فطرته منذ أن قرب من الشجرة الممنوعة وذاق طعم العلم التفصيلي كما جاء ذلك في التوراة والقرآن. فالتّباين التابع لعلم الكثرة أوقع الإنسانَ في جدلية قواه النفسية والجوارحية وفي جدلية أعراض الطبيعة. فصار ينظر إلى الكثرة بعين الكثرة حتى ذاق طعم الخير والشر وطعم الثواب والعقاب وضاقت نفسه في نفسها، وخاصم مقابلة ونشبت الفتنة بين الناس والحروب بين الأمم. ولكي لا تؤول الأمور إلى استلاب دائم، خاطب الله عباده بمقاييس عقولهم وبواسطة الكمّل منهم وليحكموا بين الناس بالعدل وليعودوا إلى رشدهم ولإحياء الوصل مع ربّهم آجلا للعامة وعاجلا للخاصة من الرّسل والأنبياء والأولياء. و كيّف الله الرسالة للظروف المكانية والزمانية ولأنماط النفسية والبشرية حتى لا تُقام الحجة عليه يوم القيامة.
وفي الختام وليسهُل الفهم على القارئ فيما سنذكره نحاول كلّما دعت الضرورة توضيح بعض الأسماء والمفردات في النصوص الهندوسية توحي شركا في الظاهر وليست في الواقع إلاّ أسماءً ذاتيةً أو نعوتًا لحقيقة مطلقة واحدة. ومن جهة أخرى نلاحظ في سياق ما أورده R.Guénon أنه من عادة التراث الهندوسي نسب وجهة نظرها إلى اسم علَم دون أن يعني ذلك شخصًا تاريخيا معيّنًا، بل هو إشارة إلى جماعة الأكفاء الهندوسيين الذين ساهموا عبر العصور والقورن في حفظ وإيصال المستويات المعريفية التابعة للرسالة الهندوسية. ومنهم Vyasa المنسوب إلى الخالدين السبعة. ما يذ:ّرنا بالأقطاب السبعة في الإسلام أو الذين يترأسهم سيدنا إدريس والمفوّضين من الله التسيير الكون الإنساني. وفي ونفس الصدى موجود في الرسالة الصينية بالإشرة إلى الخالدين الثمانية وفي التراث اليهودي المسيحي من خلال ذكره شخصية » ملك اتسدق » Melki Tsedeq. ونضيف أنّ مفهوم الرسالة بالمعنى الديني وارد في الهندسية من خلال كلمة avatara مفادها حرفيًّا التنزيل. ويشمل هذا المعنى الوحي (Shruti) ومظهره الإنساني. وفي نفس السياق وللتدقيق يضاف لكلمة (Avatara) نعت » كبير » (Majeur) أو نعت » صغير » (Mineur) للفرق بين المهمة الروحية الشاملة والمستقلة عن سابقاتها وبين المهمة الروحية محدودة الأثر والتابعة حتما لرسالةٍ قبلها. ما يذكّرنا في الفضاء السامي على التوالي بالرسالة والنبوة والولاية.
—————————-
المراجـــع
- René Guénon – Introduction générale à l’étude des doctrines hindoues.
Ed. Vega –Paris1976
- René Guénon – Etudes sur l’Hindouisme. Traditionnelles – Paris 1976
- René Guénon – L’Homme et son devenir selon le Vedanta.
Ed. Traditionnelles – Paris 1974
II– خلود العلم (Veda)
إنّ كلمة (Véda) في اللغة السّنسكريتية (Sanskrit) مشتقّة من أصل معناه البصر والرؤية. ونفس الأصل والمعنى موجود في اللآتينية عبر كلمة (Videre). والبصر والرّؤية هنا إشارتان رمزيتان إلى عضو اقتناء العلم والمعرفة. فالاسم (Veda) في الرّسالة الهندوسية مفادها العلم والمعرفة بالامتياز. و (Veda) هو الأساس المشترك لكلّ فروع المعرفة لدى الإنسان، علمًا أنّ أصل العلم منزّه وليس نتيجة مبادرة إنسانية (Apaurensheya). فهو وحي أُنِزل على الإنسان في شكل سمع (Shruti).وكُلّف الحكماء الأكِفاء يُذكرون بالحكماء السّبعة (Rishis) لحفظه وإبلاغه عبر القرون ومنهم (Vyasa). وللملاحظة فقط يذكّروننا الحكماء السبعة بالأقطاب السبعة في الإسلام يترأسهم سيّدنا إدريس (ع). كما يذكّروننا بالخالدين الثمانية في الرّسالة الصينية وبــ (Melki Tsedeq) بمعنى « ملك العدل » في التراث اليهود المسيحي (Le Roi de justice).
ومن حيث المبدأ فــ (Veda) كناية عن العوالم عند خروجها إلى الوجود المقيّد. فهو الأمر الكلّي كما يقال في الإسلام » أمره تعالى علمه وعلمه ذاته بالتّعيّن « . وأمّا من حيث المعرفة فــ (Veda) كناية عن مدارج العلم إلى وصل حقيقة الحقائق. وفي هذا السّياق وردت كلمة(Upanishad) لنعت مجموع الوسائل المسخّرة في الـ(Veda) لإخراج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والتحقيق.
وأمّا الخلود المنسوب لـ(Veda) فإشارة إلى دوامه قبل خروج الأكوان إلى الوجود وعند خروجها وبعدها. والجدير بالذّكر أنّ الرّسالات السّماوية ربطت ظهور الأكوان بالارتجاج الصّوتي الأوّل(le son primordial) كما هو شأن الأمر « أوم » (Aum) في الرّسالة الهندوسية وشأن الأمر » كن » في الرّسالات السامية (les traditions sémitiques). والسّبب في علاقة الأمر اللّفظي بظهور الأكوان يعود لأولويّة الصوت في الصّفات الحسيّة(les qualités sensibles)، المتولّدة عن العناصر الخمسة.
إنّ العلاقة بين صفات الصوت وقوّة السّمع تطلع على الشكل الذي يرتديه الوحي(shruti) والمعروف بصلصلة الجرسفي الحديث النّبوي الشريف، إضافة إلى نزوله على لبّ القلب أي على الشّكل الآخر. وما يفسّر لنا من جهة ثانية الاهتمام الذي تولّيه الرّسالات السّماوية للتعليم الشّفوي قبل ظهور الكتابة وبعد ظهورها.
جدول ملخّص
| العناصر الخمسة
Les éléments
|
القوّات الحسية
les facultés de sensation |
الصفات الحسية
Les qualités sensibles |
القوات الفعلية
Les facultés d’action |
| الأثر←
الهواء ← النار ← الماء ← التراب ← |
السمع ←
الحس ← الرؤية ← الذوق ← الشم ← |
الصوت ←
الشكل ← الضوء ← التلزّح ← الصلابة ← |
عضو الفم
عضو التناسل عضو إخلاء الفضلات عضو القبض عضو المشي |
وكون veda علمًا كليًّا منزّهًا يقيّد وجودَ كلّ العوالم الممكنة بما فيها عالم الإنسان فمدده يتجاوز شكل الدّائرة المغلقة التابعة للعلم الحديث، بل مدده لا نهاية له. والخلود المنسوب إليه يتخطّى أقصى مدّة تخطر على بال البشر بل هو إشارة إلى الأزل، لأنّ صفة العلم هنا لا تفارق حضرة الألوهية الموصوفة بها. وأمّا veda من حيث منهجيته للتحقيق، فهو محلّ ومظهر مدارج السلوك إلى استعادة الفطرة الأولى(swarga) وإلى الخلاص من قيود الأكوان(moksha).
ولــveda أربعة فروع في العلم الظاهر(upaveda)، وهي على التوالي: Rigvada يهتم بالعلوم الطّبية. 2-yajour-veda يهتم بالفنّ العسكري. 3-sama-veda يهتم بفن الموسيقى وأخيرا 4-atharva-veda يهتم بفن البناء. وهناك veda يسمّى Tantras. وهو عبارة عن تكييف الرّسالة لآخر مرحلة الطور البشري. ويتوجّه هذا النص لتحقيق ما يسمّى في التراث البشري البطل(le héros) وله ميزة أخرى أنّه يستجيب لتحقيق موهبة روحية خارج سياق الطبقات النفسية والاجتماعية.
وهناك أيضا نص آخر يسمىupanishad وهو لبّ الـveda لما يحمله من أسرار المعرفة العليا والنهائية ومقياس الاستقامة الشرعية، إذ كلّ وجهة نظرٍ مناقض لآفاقه منبوذ ومرفوض.
III – حكم الأمر الكلّي(La loi de Manu)
إنّ اسم » مانو » (Manu) يُطلق في الرسالة الهندوسية على المشرِّع الأوّل (le législateur) الذي يعطي أمره لكّ كون من الأكوان الممكنة. ويراد من الأمر هنا كلّ الأحكام الوجودية التي تؤسّس كونًا ما وتسيّر أغراضه. و تكمن هذه الحكمة في إيداع الشروط العامة(les conditions générales) والشروط الخاصة(les conditions spéciales) الصّور الوجودية (les modifications) التي تميّز كلّ عالم من غيره. ولفظ » مانو » بهذا المعنى وارد في تراث كثير من الحضارات القديمة بتغيير طفيف في النطق. فهو » مناس » (Manès) في مصر و « مينوس » (Minos) عند اليونان و »منو »(Menw) في التراث الأربي الشمالي القديم. وهو « نوما »(Numa) في شبه جزيرة إيطاليا عند « الاتروسك » (Etrusque) مع انقلاب قطع اللفظ.
إنّ الأحكام الصادرة من المشرّع الأوّل أحكام وجودية من وراء اعتبارات الخير والشر النفسية وخارج اعتبارات الثواب والعقاب الشرعية. فهي آثار ما تطلبه الأعيان الثابتة في الأمر الكلّي نفسه. وحكم « مانو » منبع ومرجع كل القوانين الطبيعية والأخلاقية والاجتماعية والشرعية التي تسيّر الوجود الإيضافي على جميع مستويات كيانه. فهز يعبّر عن إرادة كلّية (vouloir universel) في كونٍ ما أو في كل الأكوان الممكنة ويسمى حينئذٍ « آدِي مانو(Adi-Manu). ما يسمى في الإسلام على التوالي بالروح المحمّدية على مستوى كون وبالحقيقة المحمدية على مستوى كل الوجود الإيضافي. ويسمى » بملْكِ تصدق » (Melki Tsedeq) في التراث اليهودي المسيحي. ونضيف أنّ لتسلسل الأكوان في الأمر الكلي تسلسل منطقي وسببي وليس تسلسلاً زمنيًّا. ذلك أنّ هذا الأخير لا يعقل إلاّ داخل طور كون ما ينتهي معه. أمّا تسلسل الأكوان فهو منطقي من حيث ـنّ كونا ما نتيجة كون قبله وينتج كونًا بعده. وهو تسلسل سببي (enchaînement causal) من حيث أنّ الآثار مكنونة كلّها في آنية سببها ولم تخرج منه. نضيف أنّ بداية الأطوار ونهايتها خارجة عن البعد الزمني وكذا تخرجان من حمى العقل النظري.
IV – الألوهية وصفتا المُحيي المميت
بخلاف ما بحدث في التراث السامي الذي ينبذ الصور تجنبًا لخطر الشرك، فللتراث الهندوسي الأوربي القديم عادة تشخيص الصفات الذاتية والنعوت الإلهية مع تباين الرمز والمرموز إليه حتى لا يسقط في الشرك. هذا ما سنراه فيما نورده بعد حين.
إنّ الوجود في ذاته غيبٌ وتجلّي في نفس الوقت. فهو غيب مطلق لا يقبل ندًّا يُدانيه ولا أثنينه توازيه ولا حكمًا يقيده هو وجود صرف أزليٌّ وغير متناه، تفنى في حضرته كل اعتبارات التقييد والتباين وسمي ذلك في الهندوسية بــBrahma-Nirguna بمعنى غير مقيد وهو من جهة أخرى تجلّي من حيث ظهوره بصفاته ونعوته وبأثره في الوجود المقيد (Etats conditionnés) وسمي بـ Brahma saguna بمعنى المتجلّي. ومن حيث ذاته فالوجود يشاهد و لا يعلم لأنّه منزّه عن الأحكام والقيود. ومن حيث ظهوره فالوجود يعلم لأنّه محلّ التعيّنات (déterminations) ولا يشاهد لأنّ الظهور حجاب ولو كان مقيدأ بالحق ومنزّهًا عن التقييد بغير الحق.
ومن حيث ظهوره فــBrahma saguna يسمى Ishwara وهو بارئ الموجودات وخالِقها. ما يذكرنا في الإسلام باسم الله من حيث اسمه الجامع للوجود المقيد. وهو التعين الأول للذات المقدسة ما جعله أول وأعلى النسب في الظهور(la première et la plus élevée des déterminations) ولـIshwara صفتان: إحداهما تسمى Vishnu تعطي الوجود للأشياء وتحفظها بموجب الشروط الوجودية التابعة للعالم الذي تبرز فيه. وتعرف هذه الصفة في الإسلام باسم المحيي. وأما الصفة الثانية فتسمى Shiva ودورها إفناء الموجودات وإرجاعها إلى منبعها الأصلي النسبي مع شروط وجودية أخرى أو إلى منبعها الأصلي الحقيقي مع شروط التوحيد. ذلك أنّ كل صفة من الصفتين تفتح بابا للتحقيق. فــVishnu كونه حافظا على الموجودات كما هي، يلائم منهج اقتصاد النجاة ويحفظ حضرة الإنسان في امتداداته في البرزخ بعد موته الجسدي وعند القيامة الكبرى (Pralaya). وأمّا الصفة Shiva كونها محوّلا الموجودات من عالم إلى آخر فتلائم مجاري السلوك الروحي بغية وصل مقام الوحدة (Prajna) أو وصل لا مقام والفناء (Atma). هذا ما يسمى في الإسلام على التوالي بالفناء في وحدة أمر الله وبفناء الفناء وهو حق التوحيد.
وللمنهجيين في الهندوسية كتب خاصة تسمى Purana لمنهج اقتصاد النجاة وTantra لمنهج الفناء.
V – الطبقات النفسية والاجتماعية
من أجل الفهم الجيّد لما يُعرف تاريخيًّا في الحضارات القديمة بالطبقات الاجتماعية، لابدّ من تذكير خصائص الكيان الإنساني في السّنّة الوجودية. إنّ الكثرة في الوجود الإضافي(contingences) تستدعي الترتيب بالضرورة، مكانًا وزمانًا، ليظهر كلّ شيء في الوضيفة التي تليق به. ذلك أنّ قبل خروجه من الجنّة كان التكافؤ(la parité) يسود بين أفراد البشر، بغضّ النّظر على التّباين الموجود ظاهرًا. والتكافؤ هنا نتيجة صعيد قوّة الكشف(l’intuition intellectuelle) على باقي القوى النفسية والجوارحية رغم التباين الجنسي. وتُطلق الهندوسية على هذه المنزلة اسمHamsa أي الطبقة الأولى (la caste primordiale). ما يذكّرنا في التراث العربي بكلمة حُمس التي كانت تُطلق على طبقة الشرفاء.
وبعد خروجه من الجنة فقد الإنسان سرَّ وبركة الأمر » كن « ، إلاّ أنّه تاب إلى الله وتاب عليه حتى استعاد فطرته بوجه مكيّف للظروف الجديدة التي طرأت عليه، فصار يُدركه السّياق الروحي اللائق به لاستقامته أمّا بالمشاهدة(la contemplation) أم بالعمل(l’action) علمًا أنّه متعدّد الاستعداد لوظائف عيشه اليومي. ثم بقدر ما تحصل مجاري الطّور البشري ويتفاقم تدهوره، أصبح إعلان الطبقات النفسية والاجتماعية ضرورةً منذ ستّة آلاف سنين تقريبًا، وكُرِّست الأدوار في المجتمع على شكل طبقات أربعة، منها طبقة مقدّسة(caste sacerdotale) تحفظ التراث الروحي وتعلّمه. ثم يليها قوّة سياسية تتولى شؤون الأمة في الإدارة والعدل والدفاع. ثم تأتي الطبقة الاقتصادية المنتِجة لقيم الاستعمال(valeurs d’usage). وأخيرًا طبقة العمال المكلّفين بالأشغال العامة. هذا ما نلاحظه في الحضارة الهندوسية من الأعلى إلى الأسفل: طبقة البراهيمة(Brahmanes) ثم الطبقة السياسية الكشاترية(kshatryas) ثم طبقة الفايشية (vaishyas) وأخيرًا طبقة الشُّدر(shudras). وقد عمّت ظاهرة الطبقات الاجتماعية كلّ الحضارات القديمة سواءً في أوربا أو في مصر أو في العراق أو في الصين وفي أمريكا الوسطى.
ولِتوضيح خُلُق الطبقات الاجتماعية ووظائفها في حماية الإنسان لازَمنا إبراز جذوره الوجودية.فبناءً على واقع الترتيب الزماني والمكاني المترتب على حكم الكثرة في الوجود الإضافي(le monde des contingences) فكلّ شيءٍ له اسمNama وشكل(Rupa) نتيجة تفاعلPurusha و Prakriti أي ما يسمى بتعبير إسلامي على التوالي بالقلم واللوح المحفوظ. فالاسم هو ما يربط الشيء بعينه الثابتة(l’archétype) في الأمر الكلّي. أمّا الشكل فهو صورته الظاهرة بموجب الشروط الوجودية الإضافية(les conditions existentielles) التابعة للكون الذي يخرج فيه إلى الوجود. وورد في(vishru-Purana) أنّ لمّا أراد Ishwara أن يُجلّي أمره أخرج الطبقة المقدّسة من فمه والطبقة العسكرية من ذراعيه والطبقة الاقتصادية من فخذيه والطبقة السفلى من تحت رجليه. ولكلّ طبقة لون varna ووظيفة إشارةً إلى دورها في المجتمع وهدفها الأخروي. فللمقدّسة اللون الأبيض والبقاء على التناغم مع النظام الكوني(l ordre cosmique) وتحقيق الخلاص من قيود الأكوان(Moksha). فللسياسة اللون ألأحمر مع الوفاء بالعهود ومع نسب توابع الوجود لنفسها وتحقيق كمال النفس(l’état primordial) واحتمال وص بعض منازل معارج القدس(les états supérieurs). وللاقتصاد اللون الأصفر وجمع الثروة وتحقيق كمال النفسس. وللطبقة الرابعة اللون الأسود وتحمّل الأشغال العامة وتحقيق النجاة(le salut) في الآخرة. إنّ مجرة الوظيفة والتحقيق يتم بالتلقين(l’initiation) عند الطبقات الثلاثة الأولى وبالمشاركة غيرِ المباشرة عند الطبقة الرابعة. وقد ألغى نظام الطبقات النفسية والاجتماعية كلّ مزج بينها لاستحالة التحقيق عند الولد الذي يُسفر عنه، إلاّ أنّ مع تدهور الطور البشري وممرّ الوقت حدث هذا المزج إلى حدٍّ بعيد وما بقي لأصحابه إلاّ أن يستنجدوا بنموذج الرّسالي الإبراهيمي الذي تجري حكمته بمقياس الإيمان ولا بمقياس الطبقات النفسية والاجتماعية ودون أن ينتهي واقع الطبقات في التاريخ. وكما كان متوقّعًا فإنّ خُلُق الطبقات محلّ سخط من قبل الفكر الحديث الذي يدعو إلى إلغائه باسم المساواة، إلاّ أنّ هذه الدعوة دعايةٌ في طياتها طبقات جديدة مبنية على مقدار الثروة من عدمها في عالَم طغى عليه الدّافع المادي كالمُبتغى الأوّل والآخر لوجود الإنسان.
VI- وجهات نظر المنهج الهندوسي
يتضمّن المنهج الهندوسي ستّ وجهات النّظر وهي كالتالي:
- وجهة النظر المنطقي من حيث اسم الفاعل(le point de vue logique au plan du sujet) ويتعلق بشروط الفهم عند الإنسان.
- وجهة النّظر المنطقي من حيث اسم المفعول(le point de vue logique au plan de l’objet) يتعلق بعلم الأشياء وتباينها.
- وجهة النّظر الجامع من حيث مظهريّته للأشياء(le point de vue synthétique) يتعلق بالمظهر المشترك ويسمى Prakriti والجامع للأشياء(le pôle substantiel) وبعبارة إسلامية فالمظهر الجامع يساوي اللّوح المحفوظ مظهر الوجود المقيّد(les états conditionnés)
- الوحدة(yoga) يتعلق النّظر هنا بالوحدة الجامعة للمظهر(la substance) والأمر النّافذ فيه(le pôle essentiel) ويسمى Purusha. ما يعرف في الإسلام بالوحدة الجامعة للقلم واللوح وتسمى هذه الوحدة في المبدأ Ishwara كالاسم الجامع لكل الكائنات. وتسمى أيضاPrajna في التحقيق(la réalisation).
- منهج النّجاة وتحقيق الوحدة والفناء فيها. ويسمى هذا المنهج (Purva mimansa)
- منهج الخلاص من قيود الأكوان ويسمىVedanta بمعنى هدف ومنتهى Veda وهو حق التوحيد ويسمى Uttara mimansa.
وهناك علوم أيضا فيه سنذكرها في الباب ما قبل الآخر من هذه الدراسة.
VII – المنطق من حيث اسم الفاعل(Nyanya)
(la logique au plan du sujet)
تعني كلمةNyanya بالسّنسكريتية(sanscrit) المنهج والمنطق من حيث اسم الفاعل. وقد نُسب إلى Gautama. فهو فرع من فروع المعرفة يتعلق بشروط الفهم والاعتبار عند البشر. وهو أيضا باب مفتوح للمعرفة التفصيلية، بمعنى أنّه يشتغل بكلّ المواد التي تطلب الدّليل لقبولها وللإقرار بها. ويشمل ميدان المنطق ما سمّاه أرسطو المقولات العشرة، يعني: العناصر الخمسة والزمان والمكان والحركة(le mouvement)، والعقل المخلوق(la rationalité) والكشف في علاقته بالفرد النفسي(l’individualité) ويُراد بالكشف النفسي هنا لا القوّة الرّوحية الفطرية(l’intuition intellectuelle)، بل يراد به الكشف الحسّي(l’intuition sensible) والكشف العاطفي(l’intuition sentimentale) والكشف الغرائظي(l’intuition instinctive) تدور كلّها في فلك النفس(l’âme).
وللمنطق وجهان: 1. الوجه من حيث الوسائل التي يكسبها الإنسان لنيل المعرفة، وهي : الحواس الخمس وقوى النشاط الخمسة(les cinq facultés d’action)، الذاكرة والخيال المتصل(l’imagination) والوهم(l’illusion) والغرائز والعقل النظري(la faculté rationnelle) والوعي(la conscience) والكشف النفسي ذو الشُّعب الثلاثة المذكورة آنفا. فالحسّ يُدرك وعضو النشاط يُنفِّذ والوعي يستوعب ما أُدرِك حتى يصبح جزأ من صاحب المنطق والكشف يرفع إلى ما وراء عالم الأشكال(l’intuition transpose au-delà du monde formel ).
- وخارج وسائل الدليل، للمنطق وجه يرتبط بكل الأشياء محلّ الدليل. وهو موضوع الباب الآتي.
إنّ كلّ شيء أقرّه المنطق ودلّ عليه فهو حقيقة وجودية في ذاته أتعلّق الأمر بعالم الشهادة أو بالبرزخ أو بعالم الروح. وتتمّ المعرفة بواسطة النظر(la rationalité) كعلاقة بين العالِم ومعلومه. وتكمن المعرفة في معاينة وتطابق (l’identité) العالِم لمعلومِه في حدود الوجود المودَع فيه. فيُصبح المعلوم وجهًا من وجوه حقيقة العالِم. وكون المعرفة عملية استيعاب المعلوم من قبل العالِم، تحصل بموجب مبدأ وحدة الوجود وبوحدة الأمر الكلّي الذي كرّس التواصل(la continuité) بين كافّة الموجودات وكرّس حفظها من وراء مجاري وجودها الإضافي أوالمقيّد. نضيف أنّ لسبب نفس الوحدة ولكون الإنسان مختصر عالَمه فإنّ التسمية التي يُطلقها على الأشياء كمسمى جزأ من حقيقتها، خلاف الفصل الذي جعلته الفلسفة اليونانية ثم جعله الفكر الحديث بين الاسم والمسمى تأثيرا بالثنائي الديكارتي حتى اشترى نظرية المعرفة وترك المعرفة.
VIII – المنطق من حيث اسم المفعول به
(La logique au plan de l’objet)
نُعت هذا المنهج بــ vaisheshika تعني هذه الكلمة التباين(la distinction). وقد أُسنِد لــ Gautama يتكلّف هذا المنهج بإبراز التباين الموجود بين الأشياء وباعتبار الشيء مدلولاً بموجب مقاييس المنطق. فهو إذن منهج تفصيلي يركز إلى واقع العناصر الخمسة (الأثير،الهواء، النار ، الماء والتراب) والمتولّدات عنها من رطوبة وحرارة ويبوسة والبرودة، كما تشير الصورة التالية:
ويضاف إلى العناصر وتفاعلاتها، التيار الزمني والبعد الفضائي والجمع يشكّل الطبيعة أو جانب الوجود الذي يقيد المصير(le devenir). ولذا يقال أنّ صدى هذا المنهج لا يتجاوز مرمى العام(le général) أي أنّه لا يتجاوز الأعراض الوجودية ذات الشكل الشهادي والنفسي(la dimension formelle physique et psychologique)
وكما أشرنا إلى ذلك في الملخّص الوارد في الباب الثاني من هذه الدراسة، فبموجب مبدأ وحدة الوجود فلِكلّ عنصر من العناصر تواصل مع صفة تخصّه ومع وظيفة من وظائف الاستدلال عند الإنسان. ما يعطي
1- تواصل الأثير مع صفة الصوت وحسّ السمع وعضو الفم
2- تواصل الهواء مع صفة الحركة وحسّ الشكل وعضو التناسل
3- تواصل النار مع صفة الضوء وحسّ البصر وعضو إخلاء المفسَد(excrétions)
4- تواصل الماء مع صفة التّلزح(viscosité) وحسّ الذوق وعضو القبض(اليدان)
5- تواصل التراب مع صفة اليبوسة وحس الشم وعضو المشي
ويتفرّع العلم التفصيلي التبايني إلى ستّ شُعب:
- المظهر النسبي(la substance) وهو الوضع الوجودي الذي يبرز الأشياء كما هي على ظاهر العين. ومن حيث كثافتها. ويتّسع المظهر إلى العناصر الخمسة.
- الصفة(la qualité) أو النعت من حيث ظهورهما في العناصر
- الحركة الناتجة من تفاعل البعد الفضائي والتيار الزمني، علمًا أنّ الفضاء مظهر الصورة الدائمة للوجود(mode permanent des états de l’être) وهو تحت إشراف vishnu الحافظ على بقاء الأشياء بينما التيار الزمني هو الصورة الوجودية المؤقتة (mode transitoire des états de l’être)وهو تحت إشراف shiva المحوّل من صورة إلى أخرى.
- الصفة المشتركة وهي إشارة إلى مدارج الأجناس(les genres) المتولّدة عن المعادن والنبات والحيوان.
- الصفة الخاصة لكل مظهر وما تولّد عنه.
- العلاقة الحميمة والتواصلية بين المظهر والصفة.
IX – وجهة النظر الجامع (Sankhya)
Le point de vue synthétique
نُسب هذا المنهج إلى Kapila. وتعني كلمة (Sankhya) السّرد(l’énumération) والجمع من حيث المظهر(synthèse substantielle) ولا من حيث الأمر ذاته(synthèse essentielle). ولتوضيح المعنى نلفت النظر إلى ما جاء في الإسلام. فالمظهر الجامع بمثابة اللوح المحفوظ بينما الأمر بل مرتبته تشير إلى القلم. كما أنّ في الإسلام ظهر الكون بتفاعل القلم(أو القوة الفاعلة) واللوح المحفوظ (أو القوة المنفعلة)فهي الهندوسية ظهر الكون بتفاعل الاثنينية الأولى(la dualité primordiale)(Purusha) أي القوة الفاعلة و(Prakriti) أو القوة المنفعلة والتي تسمى أيضا بــ(Mula Prakriti) أي الفطرة(la nature primordiale). ما جعل من السرد المتعلق بالمنهج المعالج الآن، إبراز تسلسل مدارج الكون في مظهره الجامع (Prakriti) بحسب ثلاث مقاييس: الرفع(Sattwa) والفتح(Rajas) والخفض(Tamas)
- وأول ما يتكون في المظهر هو (l’intellect supérieur) Buddhi أوMahat (le grand principe) لا في تنزيهه المنفصل(informel) بل كروح منفوخة في كل فرد بشري أو الساري أثرها في كل الموجودات في عالمي الشهادة والبرزخ.
- ثم يظهر Ahan kara وهو الوعي الفردي(la conscience individuelle) المتولد عن الكيان الأوّل. فيحتوي على يقين صاحبه أنّه معنيّ بكل الأمور التي تجري في باظنه النفسي والجوارحي أو التي تحيط به. والوعي يشمل كلّ الأوضاع العاطفية والإرادية والمعرفية(la conscience est le dénominateur commun des états émotifs, volitionnels et intellectuels) التابعة لحياة الإنسان. ما يستدعي النظر(la rationalité) والذاكرة والخيال والوهم(l’illusion) والغرائز(les instincts)
- المقاييس الخمسة(Tan matras) المعقولة وغير المدركة حِسًّا(les cinq Tanmatras conceptibles et non perceptibles) وهي صورة مثالية وبرزخية للحواس الخمسة.
- القوى الإحدى عشر(les onze Indryas) وهي الحواس الخمسة والقوى الناشطة الخمسة المذكورة آنفا
- العناصر الخمسة
- المادة الأولى (Matéria Prima) وهي Prakriti وهي اللوح المحفوظ
وكلما جمعنا المظهر والمتكونات عنه ننتهي إلى عدد 24 وعدد 25 إذا أضفنا القلم ذا حقيقة منفصلة عن المظهر أو ما يسمى Purusha
وقد رأى المستشرقون في سرد مراتب الوجود المقيد دليلا في أنّه فلسفة ملحِدة لعدم ذكر الألوهية فيه. إنّ هذا التأويل مُخطئ إذ عدم ذكر الألوهة في هذا المنهج لا يعني جحودها،بل يرجع إلى اعتبار محتويات الكون وإلى تبيينها. ولذا سمي هذا المنهج Nirishwara ووردت عبارة (shéwara) كلما تتخطّى المعرفة هذا المستوى إلى مستوى أعلى يليق بذكر الألوهة.
X – يوﭭــــى (Yoga)
نُسِب هذا المنهج إلى Patanjali. تعني كلمة yoga بالسنسكريتية (sanskrit) الوحدة حرفيًّا. فكوجهة نظر فإنّ yoga يتخطّى رتبة مستوى sankhya المذكور آنفا والذي يتعلّق بالوحدة من حيث المظهر المُدمِج لكّ مدارج الوجود المقيّد(tous les états conditionnés).
أمّا yoga كمصطلح فيشير إلى وحدة الأمر(l’unité d’ordre) الجامعة لــ Prakriti و Purusha. وتسمى هذه الوحدة في الهندوسية بـ Ishwara وبــ Brahma saguna.
ومن صفاتها حفظ الوجود (vishnu) وإفنائه(shiva). فهي النسبة الأولى والعليا لكل النسب الممكنة(c’est la détermination primordiale ou la plus élevée possible) فهي تكِنّ الوجود الإضافي دون أن يؤثر هذا الكنُّ على تنزيهها(sans que sa transcendance en soit affectée). وتعرف هذه الوحدة المنزّهة في الإسلام بحسب الجانب المعتبَر فيها بالاسم الأعظم من حيث تجلّي الذّات في كلّ شيء. وتسمّى أيضا بالأمر الكلّي وبالرّوح الكلّ والأوّل (l’Esprit universel) وبالحقيقة المحمّدية. ويذكر التّجلّي الذاتي في الهندوسية بــBrahma saguna
و yoga طريقة روحية مركّزة على الهمّة الإيمانية. وفي متناوله وسائل منسكية راكنة إلى النطق(Mantra) وإلى الشكل(Yantra) وإلى الحركة(Hata yoga). ما يذكّرنا في الإسلام بذكر اللسان (الورد) وتخيل الاسم الأعظم الله وبإيقاع النفس في الحضرة.
عموما فإنّ المعرفة التي ينتهي إليها yoga تكمل بقدر ما تسبقها معرفة نظرية(connaissance théorique). وكلما يُؤتي yoga ثماره يتم التوحيد بالتّدرّج أو بالجذب. ما يسمى على التوالي yoga shastra و raja yoga. ونذكّر أنّ المعرفة النظرية وحدها لا توصل إلى الحقيقة إلاّ إذا صاحبت التلقين (l’initiation).
XI – كرْم مِمَنْسى (Karma mimansa)
(التدبّــــــر)
نسب هذا المنهج إلى Jaïmini أي إلى جماعة الأقطاب التي أقدمت عبر العصور القديمة على تثبيت النصوص المقدّسة Véda. ويتكفّل هذا المنهج بالتّدبّر يعني ببذل الجهد الفكري وسيما بإيقاظ همّة الكشف من أجل معاينة المعنى الصائب ولتأدية المناسك كما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وفاءً لروح الرسالة ولبلوغ مقاصدها الدنيوية والأخرية. وسُخرت لهذه الغاية أنوار المنطق وكيفية القراءة والنحو واللغة وأصل الكلمة (étymologie) وقطع الكلمة (syllabe) (Nirukta). ما يكذّرنا بعلم العدد والأشكال عند Pythagore وعلم الحروف أو الجبر في الإسلام.
وبما أنّ هذا المنهج يعاين حقيقة أحدية المرتبة المنزّهة عن التغيير فالعلاقة السّببية (le rapport de causalité) المنسوبة إليها علاقة آنية بحيث أنّ آثار أحدية المرتبة مكنونة في ذاتها(le vrai rapport causal suppose la simultaneité). بينما الأثر في الوجود الإضافي يظهر دائما بعد تبرئة السبب. ولذا يقال أنّ المعرفة تحمل ثمارها في طياتها، بينما السبب الشكلي منفصل دائما عن أثره ولا يُخرج صاحبه من عالَم الأشكال. ولذا أيضا يقال أنّ العلم منفوِّق على الحركة (la connaissance est supérieure à l’action).
XII – فِيدُنْطىVedanta
(التحقيق)
إنّ كلمة (Vedanta) تعني حرفيا خلاصة نصوص الـVeda وفي نفس الوقت هدفها. ويسمى هذا المنهج (uttara-mimansa) و (brahma-mimansa). وهو منسوب لــ Badatayna وهو الاسم الثاني لــ Vyasa. ويعدّ هذا الأخير أحد ألأقطاب السبعة الخالدين تمّ على يدهم حفظ وإثبات النصوص المقدسة عبر العقود والعصور الغابرة. ما يذكرنا بالأقطاب السبعة في الإسلام والمفوّضين من الله لحفظ الكون. ونفس المعنى وارد في الرسالة الصينية وسيما في نصوص » الطاؤية » (Taoïstes) حول الخالدين الثمانية يعني الخالدين السبعة زائد وحدتهم). وهناك أيضا إشارة غير مباشرة في التراث اليهودي المسيحي من خلال ذكر شخص « ملكِ اتْسَندق » (Melki Tsedeq) أو ملك العدل باليهودية.
ونص Vedanta مكنون في نص upanishads أي النص الأخير والمركزي لـ véda. وهدفه إخراج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة. ولذا فـ upanishad مقياس الاستقامة. وكلما التبس أمرٌ على النظر يُقرُّ به إن وافقه وينبذ إن نأى عنه. وهناك تعليقان لـ Vedanta أحدهما منسوب لـ Ramanuja ويندمج في سياق (vishnu) الذي يحفظ الوجود الإضافي سواء بنيل منزلة من منازل الجنة (swarga) أو بنيل منزلة الوحدة (Prajna). ما يذكرنا بالامتدادات البرزخية والروحية التوحيدية التي يصلها صاحبها إلى التّوحيد الحق.
أما التعليق الثاني لـ Vedanta فمنسوب إلى shankaracha-rya، فهو أعلى من الأوّل وسياقه shiva الذي يقضي على الوجود الإضافي ويخلص من قيود الأكوان. Jivan Mukta أو الخلاص من الوجود المقيد ونسبه للفناء في الوجود الصرف، قبل الموت الجسدي ودون أن يتغير شيء في ظاهر صاحبه. ووردت عبارة (vidéha Mukti) حين لا يحصل السّالك الخلاص إلاّ بعد الموت الجسدي وكلما الوضعيتين يذكرنا بوجوه حقّ التّوحيد في الإسلام.
فهرس المواد
III – حكم الأمر الكلّي(La loi de Manu) 7
IV – الألوهية وصفتا المُحيي المميت.. 8
V – الطبقات النفسية والاجتماعية. 9
VI– وجهات نظر المنهج الهندوسي. 11
VII – المنطق من حيث اسم الفاعل(Nyanya) 12
VIII – المنطق من حيث اسم المفعول به(Vaisheshika) 13
IX – وجهة النظر الجامع (Sankhya) 15
XI – كرْم مِمَنْسى (Karma mimansa) 18