المدار المستعار والمركز الغائب: قراءة حمزة بن عيسى في استلاب النهضة

ليست أزمة المسلم في السياسة أزمة أدوات، ولا أزمة أنظمة، بل أزمة إنسان. هكذا فكّر مالك بن نبي، وهكذا ينبغي أن يُقرأ اليوم، لا بوصفه مصلحًا أخلاقيًا ناعمًا، بل مفكّر انقلابي أدرك باكرًا أن السياسة ليست ما يُدار في القصور، بل ما يُحسم في ضمير الفاعل التاريخي. من هنا تبرز فكرة المعادلة الشخصية للمسلم لا كترف فلسفي، بل كشرط إمكان لأي فعل سياسي ذي معنى.

إن السياسة، حين تُفصل عن التعالي، تتحول إلى إدارة للغريزة، وحين تُسلَّم للعلمانية المادية، تصبح مجرّد تقنية ضبط اجتماعي. الدولة الحديثة – كما ورثناها لا كما بشّروا بها – لم تعد إطارًا للسيادة، بل جهازًا وظيفيًا ضمن منظومة كونية تتحكم فيها قوى المال والسوق والمعايير العمياء. لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس “إصلاح الدولة”، بل تحرير مفهوم السيادة نفسه.

من السيادة الأرضية إلى السيادة المتعالية

تبدأ الراديكالية المطلوبة من قلب المعادلة: الدولة المسلمة لا تستمد مشروعيتها من “إرادة عامة” مصنوعة في مختبرات الفكر الغربي، ولا من اعتراف دولي مشروط، بل من وفائها لمركزها الروحي. التعالي هنا ليس هروبًا إلى الغيب، بل تثبيت لنقطة ارتكاز تجعل السياسة خادمة للمعنى لا بديلًا عنه. حين تكون الروح هي المركز، تصبح المادة في موضعها الطبيعي: أداة، لا إلهًا.

هذا ما غاب عن تجاربنا السياسية: استوردنا الدولة، ولم نستورد الإنسان الذي يستطيع حملها. فكانت النتيجة دولة بلا روح، وسياسة بلا أخلاق، ونخب بلا بوصلة.

تحطيم صنم الغرب: الاستقلال القيمي شرط النهضة

أخطر ما فعله الاستعمار لم يكن احتلال الأرض، بل احتلال المخيال. الغرب لم يعد مجرد قوة خارجية، بل صار معيارًا داخليًا نقيس به أنفسنا، حتى ونحن نلعنه. الديمقراطية، الليبرالية، الاشتراكية… تحولت إلى أصنام مفهومية، نختلف حولها لا عليها.

الراديكالية التي يدعو إليها هذا المسار الفكري هي قطع الحبل السري النفسي مع الغرب، لا رفضًا أعمى، بل تحررًا سياديًا. شرعية الفعل السياسي لا تُقاس بمدى مطابقته لقاموس حقوق الإنسان المفصول عن السماء، بل بمدى انسجامه مع المعادلة الشخصية للمسلم: إنسان يرى نفسه مسؤولًا أمام معنى أعلى، لا أمام استطلاعات رأي أو تقارير مؤسسات دولية.

ثورة الإنسان على دولة التاجر

في قلب الأزمة يقف الاقتصاد، لا بوصفه قطاعًا، بل بوصفه عقيدة خفية. النظام العالمي الحالي هو نظام “دولة التاجر”، حيث تُختزل الكرامة في القدرة الشرائية، ويُقاس الإنسان بما ينتج لا بما يكون. المال هنا لم يعد وسيلة تداول، بل معيار قيمة، والربا لم يعد انحرافًا، بل منطقًا كونيًا.

المعادلة الشخصية للمسلم ترفض هذا الاختزال. العمل ليس عبودية للسوق، بل فعل استخلاف. الاقتصاد ليس غاية، بل دورة في خدمة تفتح الروح. والاستثمار الحقيقي ليس ماليًا، بل اجتماعيًا: في الإنسان، في القيم، في المعنى. من دون هذا الانقلاب، ستبقى كل “الإصلاحات” ترقيعًا داخل قفص ذهبي.

من التبعية إلى التكامل: السياسة كفعل هجومي

السيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالقرارات الثقيلة. الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل يقتضي تفكيك بنية التبعية ذاتها: سحب الثروة من مصارف الوصاية، إعادة توجيهها نحو عمق استراتيجي إسلامي متكامل، وتجاوز الدولة القطرية بوصفها سجنًا سياسيًا لا قدرًا تاريخيًا.

الكومنولث الإسلامي ليس حلمًا رومانسيًا، بل ضرورة واقعية في عالم التكتلات. عملة مستقلة، مصرف سيادي، تنسيق استراتيجي… هذه ليست طوباويات، بل شروط بقاء في نظام لا يحترم إلا الأقوياء.

الندية الحضارية: المعاملة بالمثل لا الاستجداء

وأخيرًا، العلاقة مع العالم الخارجي لا تُبنى على عقدة النقص ولا على خطاب الضحية. المعاملة بالمثل هي القاعدة الوحيدة للعلاقات الدولية. على الغرب أن يفهم أن حقوق الإنسان، حين تُفصل عن الرسالة، تفقد معناها عندنا. وأن أمنه لا يمر عبر الوصاية، بل عبر احترام سيادة روحية لا تقبل التدجين.

هنا، تصبح المعادلة الشخصية للمسلم ميثاقًا سياسيًا: إنسان متعالٍ، مستقل قيميًا، رافض للاختزال، قادر على الفعل، لا يطلب الاعتراف بل يفرضه. وما دون ذلك، ليس سياسة، بل إدارة للانكسار.


Related posts

* الانقلاب الاستتجاري للدولة

الرصيد الروحي السلبي

الفعل-التعالي- الانحطاط-