Aisssa Mohammedi
لم تعد الرأسمالية في طورها النهائي — أي «مجتمع الاستعراض المتكامل» — تكتفي بنهب الأرض والأجساد فحسب؛ بل مضا في عملية سطو مسلح على تفكيرنا، وعمادُه: اللغة. فالسلعة لم تستعمر الأشياء فقط، بل استعمرت «الكلمة» ذاتها. نحن نعيش عصر الانقلاب المطلق، حيث لم تعد اللغة تهدف إلى تسمية الواقع، بل إلى حجبه تحت طلاء أيديولوجي زائف.
إن «لغة الإر#هاب» هي مشروع لتفريغ الدلالات: حيث تُفرغ المفاهيم من جوهرها لتُحقن بسمٍّ يشلّ كل أشكال المقاومة.
١. «الحرية»: الاعتقال داخل التدفق
في فم الإمبراطورية، خضعت كلمة «حرية» لطفرة مسخية. بالنسبة لـ«ماركس»، كانت الحرية هي تحقيق الذات الإنسانية الكلية. أما بالنسبة لـ«الاستعراض»، فقد أصبحت مجرد الحق في اختيار القيد الخاص بك من بين مجموعة من السلع المتشابهة.
الواقع: إنها حرية دوران السلعة. نحن مُطالبون بأن نكون « أحراراً » كما تُطالب « البيانات » بأن تكون متاحة رقمياً.
الفخ: إنها حرية بلا سيادة، تعويذة تحجب عجزنا الحقيقي. المواطن « حر » في النقر (Click)، لكنه ممنوع من التفكير في إيقاف الآلة.
٢. «الديمقراطية»: الإدارة البيروقراطية للعجز
إن صنمية كلمة «ديمقراطية» هي التحفة الفنية لـ«هندسة السلوك». فبينما ينبغي للشعب أن يمارس سيادته ضد سلطة المال، لم تعد الديمقراطية الاستعراضية سوى « مسرح ظلال » لاستجداء القبول.
الوهم: نحن لا نصوّت لمشاريع، بل نهلل لمديري « القيمة ».
الحقيقة: أصبحت الديمقراطية إجراءً محاسبياً، وطقساً من طقوس « الشفافية » التي تخفي العتامة المطلقة للقرارات التي يتخذها رأس المال العالمي. إن قول « ديمقراطية » اليوم يعني الإشارة إلى النظام الذي يقصينا من التاريخ.
٣. «الحق»: طقوس السطو الإمبريالي
لم يعد «القانون الدولي» حكماً للعدل، بل أصبح « قانون إجراءات النهب ». يُستدعى الحق للقصف، وتُستخدم الشرعية لانتزاع رؤساء ذوي سيادة وكأنهم مجرد « رموز شريطية » (Barcodes) تالفة.
هنا تصبح اللغة إر#هابية: فهي تخلق تراتبية أخلاقية بين العنف « المشروع » للإمبراطورية (طائرات مسيرة، عقوبات) والمقاومة « غير المشروعة » للشعوب. لقد أصبح الحق ديناً علمانياً يصدق كهنته (الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي) على المذابح الضرورية لإعادة إنتاج رأس المال.
٤. «الإر#هاب»: مطّاطية الهيمنة
لقد أصبحت الكلمة في حد ذاتها الدال العالمي على الرفض. فـ « إر#هابي » هو كل من يعيق التدفق، وكل من يرفض ذوبان كيانه في قاعدة البيانات العالمية.
الأداة: تسمح هذه المطّاطية الدلالية بصناعة « القبول » عبر الصدمة والذهول.
الأثر: بنطق هذه الكلمة، تغلق الإمبراطورية الباب أمام أي تحليل. نحن لا نُحلل « المسخ »، بل نبيده. إنها نهاية الفكر لصالح « الرد الشرطي » (البافلوفي) الناجم عن الخوف.
الخاتمة: استعادة الكرامة اللغوية
إن الكف عن الخدمة (العبودية المختارة)، كما طالب «لا بويسي»، يبدأ بالكف عن استخدام كلمات العدو. إذا قبلنا بقاموسهم، فقد خسرنا المعركة سلفاً. استعادة كرامتنا تعني كسر هذه « السلاسل الحريرية ».
يجب علينا إجراء عملية « تطهير دلالي » جذري:
تسمية النهب «نهباً» (وليس مساعدة إنمائية).
تسمية التبعية «تبعية» (وليس مرونة).
تسمية الحرب «مجزرة» (وليس تدخلاً إنسانياً).
اللغة هي ساحة المعركة الأخيرة. بإعادة الحدّة إلى الكلمات، نعيد للعالم قدرته على الانتفاض. الحقيقة هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع « الخوارزمية » هضمه. اسكنوا مجدداً في رحاب الكلمة الحق.