الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي

الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي
-أو حين تفقد الدولة معناها: في نقد الفراغ السياسي واسترداد الرؤي-

قراءة في كتاب حمزة بن عيسى « رؤية العالم والدولة السياسية »

بقلم عيسى محمدي

ليست أخطر أزمات الأمم أنها تعجز عن الجواب، بل أن تكفّ عن إدراك موضع السؤال. فحين يفسد السؤال، لا تعود الأجوبة إلا صورًا أخرى من صور العجز، ولو لبست ثوب العقلانية، وتزيّنت ببلاغة الخبراء، واستندت إلى معجم العصر في الإدارة والتنمية والحكامة والتحديث. ولعل هذا هو بعض ما نزل بالفكر السياسي في عالمنا: لم يعد مأزقه مقصورًا على ضعف الحلول، بل تجاوزه إلى ما هو أعمق وأشد فتكًا، أي إلى قبول الإطار الذي صاغه الخصم التاريخي، والرضى بالأسئلة التي وضعها، ثم التماس النجاة من داخلها. من هنا يكتسب كتاب «رؤية العالم والدولة السياسية» لحمزة بن عيسى قيمته الخاصة؛ لأنه لا يكتفي بمساءلة الدولة في وظائفها أو أعطابها الظاهرة، بل يرتد بها إلى أصلها البعيد، إلى الرؤية التي تنبثق منها، وإلى التصور الكلي للإنسان والعالم الذي تستمد منه معناها ومشروعيّتها.

فهذا ليس كتابًا في السياسة بالمعنى المدرسي الذي يستعرض أشكال الحكم، ولا هو مجرد احتجاجٍ على الحداثة الغربية من خارج التاريخ، ولا مرثيةٌ للعالم الإسلامي في طور انكساره الطويل. إنه، في جوهره، محاولة جادّة لاستعادة السياسة من قبضة الفراغ؛ من قبضة ذلك التصور الحديث الذي أراد للدولة أن تبدو آلةً محايدة، وللسلطة أن تُفهم بوصفها إدارة، وللجماعة البشرية أن تُختزل في مجموع الحاجات والمصالح والمخاوف. والمؤلف، إذ يبدأ من الرؤية لا من المؤسسة، ومن المعنى لا من الإجراء، إنما يقرر منذ البدء أن الدولة ليست هيكلًا صامتًا، بل صورة متجسدة لفهمٍ معين للإنسان ولموقعه في العالم، وأنها، مهما ادّعت البراءة من كل ميتافيزيقا، لا تفلت قط من أن تكون ابنة تصور مخصوص للحق والخير والغاية.

وهنا تتجلى أولى فضائل هذا الكتاب. فهو يخلخل البداهة الحديثة التي تحاول أن تقدم الدولة كما لو كانت ثمرة عقلٍ خالصٍ منزّه عن الرؤية، أو وكأنها مجرد آلية تقنية لتدبير الاجتماع البشري. أما حمزة بن عيسى فينقض هذا الوهم من أساسه، ويذكر بأن كل نظام سياسي إنما يستبطن ترتيبًا ما للمراتب، وتقديرًا مخصوصًا للإنسان، وحدًّا ضمنيًا لما ينبغي أن يخضع للتدبير وما ينبغي أن يظل فوقه. وحين يُردّ الأمر إلى هذا العمق، لا يعود السؤال السياسي سؤالًا عن الكيفية وحدها، بل يصير سؤالًا عن الغاية: أيّ إنسان تريد الدولة أن تصنع؟ وأيّ عالم تريد أن تحفظ أو أن تنتج؟ وما الذي تعتبره خيرًا أعلى يستحق أن تنتظم الحياة الجماعية في ضوئه؟

يقيم المؤلف كتابه على دعامتين ظاهرتين. أولاهما منظور تقليدي يرى أن السياسة لا تستقيم إلا إذا عرفت موضعها من سلمٍ أعلى منها، فلا تكون السلطة الزمنية مرجعًا نهائيًا في ذاتها، ولا تنفصل عن المعنى الذي يضبطها ويحدّ من طغيانها. وثانيتهما الأفق البنّابي الذي يعيد أزمة العالم الإسلامي إلى مستوى أعمق من مجرد الهزيمة العسكرية أو التخلف الاقتصادي، فيجعلها أزمة فاعلية حضارية مختلة، وأزمة إنسان فقد قدرته على أن يكون ذاتًا في التاريخ، لا مادةً جاريةً في قنوات تاريخ غيره. ومن هذا التراكب بين الحسّ التقليدي والنفاذ الحضاري يتشكل نسيج الكتاب كله، وتتحدد نبرته النقدية ومقصوده الجوهري.

ويحسب للمؤلف، قبل كل شيء، أنه لم يقع في الرطانة التي أفسدت كثيرًا من الأدبيات السياسية المعاصرة، حيث غدت الدولة عبارة عن ملفّات، والسياسة مجموعة أدوات، والعمران أرقامًا ومؤشرات. ففي زمنٍ تكاثرت فيه العقول التي لا ترى من الجماعة البشرية إلا قدرتها على الإنتاج والاستهلاك والانضباط، يجيء هذا الكتاب ليذكّر بأن السياسة لا تُرد إلى الاقتصاد، وأن الدولة لا تُفهم من داخل نجاعتها الإجرائية وحدها، وأن المجتمع ليس كومة حاجات تُدار ببعض الذكاء التقني. بهذا المعنى، يستعيد حمزة بن عيسى ما كاد يضيع من هيبة السياسة، حين يردّها إلى سؤالها الأصيل: سؤال الإنسان حين يعيش لا لكي يستمر فحسب، بل لكي يبرر استمراره بمعنىً يسمو على البقاء والمنفعة والتراكم.

على أن هذا التأسيس القوي لا يخلو من مأزقه الخاص. فكل رؤية شديدة الاتساق مع نفسها قد تتحول، إن لم تنتبه لحدودها، من نورٍ يضيء العالم إلى قالبٍ يعيد تشكيله وفق منطقه الخاص. وهذا ما يلوح، أحيانًا، في هذا الكتاب. فالمنظور التقليدي الذي يستند إليه المؤلف — بما فيه من تمييز حاد بين الأصل والانحراف، وبين الروحي والمادي، وبين النظام والهبوط — يمنحه قدرة معتبرة على التقاط الجوهر الحضاري للأزمة، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى تسوية التاريخ تحت سلطة ثنائية صلبة، كأن العالم لا يكون إلا بقدر قربه من أصلٍ كامل، أو انحداره عنه. ولا شك أن هذه الثنائيات ذات طاقة تفسيرية عالية، لكنها لا تكفي دائمًا للإحاطة بتاريخ البشر في كثافته الفعلية، بما فيه من تدرّج، والتباس، وتشكّلات وسطى، وتوازنات لا تختزلها الرؤية الكلية اختزالًا كاملًا.

ويبلغ هذا التوتر أشدّه في نقد الكتاب للدولة الحديثة الغربية. فالدولة الحديثة لا تظهر هنا باعتبارها مجرد صيغة متقدمة من صيغ التنظيم السياسي، بل باعتبارها التعبير السياسي عن قطيعة حضارية واسعة، انفصل فيها الزمني عن الروحي، واستقلّ فيها السياسي عن المعنى الذي يعلوه، وغدا الإنسان يقيس الأشياء بمقدار منفعتها وقدرتها على التمكين والتسيير، لا بمقدار اتصالها بالحق والغاية. ومن هنا، لا تكون الدولة الحديثة مجرد مؤسسة، بل مظهرًا من مظاهر انقلاب أعمق في ترتيب العالم؛ إذ لم تعد السلطة خادمةً لنظامٍ أعلى، بل صارت تعمل داخل أفق مكتفٍ بذاته، يطلب من السياسة أن تؤمّن الحياة وتدير المصالح وتكفل السلم الإجرائي، دون أن تسأل عن معنى ما تفعل ولا عن صورة الإنسان التي تنتجها.

وفي هذا الموضع تبرز إحدى أكثر أفكار الكتاب نفاذًا، أعني نقده لما يمكن تسميته سيادة المنطق التجاري على العالم الحديث. فالأمر لا يتعلق، عند المؤلف، باتساع السوق من حيث هو مجال للتبادل، بل بتسلل منطقه إلى صميم الاجتماع البشري، حتى يغدو هو المعيار الخفي للقيمة، والنجاح، والعلاقة، والقدرة، بل ولتصور الإنسان لنفسه. وعندئذ لا يعود الاقتصاد قطاعًا من قطاعات العمران، بل يتحول إلى روحٍ غالبة تعيد ترتيب كل شيء وفق قانون المنفعة والنجاعة والتراكم. وهنا يصيب الكتاب إصابة نافذة: إنه يدرك أن الكارثة لا تكمن فقط في تضخم شأن المال، بل في انحدار الإنسان نفسه إلى مرتبة الكائن المحسوب، الذي يُقاس بما ينتج ويستهلك، لا بما يطلب من الحق ولا بما ينهض به من معنى.

غير أن هذه القوة النقدية تضعف قليلًا كلما مال الكتاب إلى تصوير الغرب في صورة الكتلة الموحّدة: ماديًا، علمانيًا، سوقيًا، منسلخًا عن كل مقاومة داخلية. والحال أن الغرب، في تاريخه الفعلي، لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا في هذا المعنى، بل عرف تمردات روحية، واعتراضات أخلاقية، ونزعات دينية ومحافظة وجماعاتية قاومت — بدرجات متفاوتة — اختزال الإنسان إلى وحدة اقتصادية. وليس المراد بهذه الملاحظة تخفيف وطأة النقد، بل حمايته من التعميم الذي قد يكسبه حدةً في العبارة، لكنه ينقص من صرامته في الفهم. إذ الفكر القوي لا يكتفي بإدانة خصمه، بل يحسن تشريحه في تعقيده، لأن الخصم كلما ازداد تعددًا في الوعي ازداد نقده عمقًا وعدلًا.

على أن الكتاب لا يبلغ تمام أهميته إلا حين يرتدّ من نقد الآخر إلى مساءلة الذات. فهنا، بالذات، ينتقل من مقام الرفض إلى مقام التشخيص، ومن إدانة الغالب إلى تفكيك مأزق المغلوب. وهو يرى أن العالم الإسلامي لم يخسر التاريخ لأن الغرب غلبه فحسب، بل لأنه فقد، في العمق، قدرته على أن يستأنف نفسه بنفسه. فالهزيمة، في هذا الفهم، ليست واقعةً عسكرية فحسب، بل انهيارٌ في الفاعلية الحضارية، ثم تسربٌ تدريجي للنموذج الغربي إلى وعي النخب، ثم قيامٌ لدول ما بعد الاستعمار على صورة سياسية مستعارة، لم تنبع من التكوين الوجداني والحضاري للمجتمعات الإسلامية، بقدر ما فُرضت عليها أو جرى اعتمادها بوصفها الصيغة الوحيدة الممكنة للحداثة.

وفي هذا الباب يبلغ الكتاب موضعًا دقيقًا حقًا. فالخلل، كما يقدمه المؤلف، ليس في غياب الدولة من حيث الشكل، بل في غياب المطابقة بين الدولة وبين الروح الحضارية للأمة. ومن هنا يفسر عودة المسألة الإسلامية إلى السياسة بوصفها علامة على أن الجرح المؤسس لم يُضمد، وأن البناء السياسي الحديث لم ينجح في أن يصير وطنًا معنويًا للمجتمع المسلم. وهذه إحدى أعظم مزايا الكتاب، لأنه يرفض القراءة السطحية التي ترى في كل حضورٍ للإسلام في المجال العام مجرد طارئ أمني أو نكوص هووي، ويعيد الأمر إلى مستواه الحقيقي: مستوى سؤال المشروعية، وسؤال التطابق بين النظام السياسي وبين الرؤية التي تعيش بها الأمة نفسها وتفهم بها مصيرها.

لكن الكتاب، في هذا الموضع، يكشف أيضًا عن حدّه. فهو حادّ في بيان أثر الاستعمار، وسطوة النموذج الغربي، ودور النخب المتغربة في تعميق التبعية، لكنه لا يبلغ الدرجة نفسها من الشدة حين يقترب من العطب الداخلي للعالم الإسلامي نفسه. إذ كان المنتظر من مشروع كهذا أن يوسع تشريحه لوهن التربية، وضمور الفاعلية، وانفصام العلاقة بين المرجعية والمؤسسة، وبين الفكرة والعمل، وبين التدين والعمران. فالهيمنة الخارجية لا تستدام إلا حيث يعجز الداخل عن أن ينهض بما فيه من أسباب المقاومة والبناء. ومن ثمّ، فإن الكتاب، مع عمق تشخيصه، يبقى في حاجة إلى قدر أكبر من القسوة على الذات، لا في لغة الوعظ أو اللوم، بل في التحليل البنيوي الصارم لما أصاب الجسد الحضاري للمسلمين من تفكك.

وفي قلب هذا التشخيص يسطع مفهوم «المعادلة الشخصية للمسلم»، وهو من أجمل مفاهيم الكتاب وأخصبها. فالمقصود به أن النهضة لا تُستورد، ولا تُستعار، ولا تُنال بمجرد التعلق الشفهي بالماضي، بل تُبنى من الداخل: من استعادة الأمة لشرطها الرمزي والروحي والنفسي، ومن قدرتها على أن تتحول من متلقيةٍ للتاريخ إلى صانعة له. وهذه فكرة عميقة، لأنها تخرج الفكر من ثنائية قاتلة: إما تقليد الآخر، وإما تمجيد الذات تمجيدًا إنشائيًا عقيمًا. غير أن جمال هذا المفهوم يكشف في الوقت نفسه عن أصعب ما في المشروع كله: كيف تتحول هذه “المعادلة” إلى نظام؟ كيف تعبر من حقل الوعي الحضاري إلى حقل البناء المؤسسي؟ كيف تصير قانونًا، وشرعيةً، وصورةً للسلطة، وعلاقةً مضبوطة بين المرجعية والتأويل، وبين الوحدة والتعدد، وبين الغاية والوسائل؟ هنا يظل الكتاب موحيًا أكثر منه مفصّلًا، ومؤسسًا للسؤال أكثر منه مستوعبًا لكامل جوابه.

وعند هذا الحد يتحدد موضع الكتاب على وجه الدقة. فهو بالغ القوة في تفكيك البداهة الحديثة، وفي ردّ السياسة إلى سؤال المعنى، وفي إفهام القارئ أن الدولة ليست آلةً فارغة، بل صورة مجسدة لرؤيةٍ ما عن الإنسان والعالم. وهو قويٌّ كذلك في اعتراضه على التبعية الذهنية، وفي رفضه أن يظل المسلم يفكر بعقل غيره ثم يسأل لماذا لا ينهض. ولكنه لا يبلغ الدرجة نفسها من الإحكام حين يُطالب بأن يرسم بدقة صورة الدولة البديلة، وآليات مشروعيتها، وحدود سلطتها، وعلاقتها بالتعدد والصراع والتأويل والسيادة. إنه يعرف على نحو جلي ما الذي ينبغي أن يُستعاد، لكنه لا يفصّل بالقدر نفسه كيف يُبنى من هذا المستعاد نظامٌ معاصرٌ قادر على الحياة.

وهذا، في تقديري، ليس نقيصةً مطلقة، بل هو تعريف دقيق بجنس الكتاب. إنه ليس كتابَ هندسة دولة، بل كتابُ استرداد للسؤال السياسي من قبضة الانحطاط. وقيمته الكبرى كامنة هنا: في أنه أعاد إلى الفكر السياسي الإسلامي بعض كرامته المهدورة، وردّه إلى أسئلته الأولى، وذكّر بأن إصلاح الوسائل لا يجدي إذا كان ترتيب الغايات فاسدًا، وأن الأمة التي تنسى رؤيتها للعالم لا تنقذها كثرة المؤسسات ولا براعة الإدارات. لقد أعاد حمزة بن عيسى فتح الجرح في موضعه الصحيح، وهذا في الفكر الكبير ليس عملًا ثانويًا، بل هو في أحيان كثيرة بداية الطريق كلها.

ولذلك يمكن القول، في خاتمة هذه القراءة، إن «رؤية العالم والدولة السياسية» كتابٌ مهم، لا لأنه منحنا الصيغة النهائية للدولة المنشودة، بل لأنه أنقذ السياسة من الابتذال، وردّها إلى مقامها بين الأسئلة الكبرى. إنه كتابٌ يقاوم الفراغ، ويرفض أن تُفهم الدولة خارج المعنى الذي يسكنها، ويذكّر بأن الأمة لا تستعيد نفسها ما لم تستعد حقها في أن تُعرّف العالم من داخل رؤيتها، لا من داخل قوالب غيرها. أما حدّه، فهو أن المسافة بين الرؤية والمؤسسة ما تزال فيه أوسع مما ينبغي. لكن حسبه فضلًا أنه نبّه إلى أن الدولة، إذا فقدت معناها، لم تعد أكثر من آلةٍ بارعة في تنظيم الخراب.

القفلة الأخيرة

ليست الدولة، في نهاية المطاف، ما تُشيّده الأيدي من مؤسسات فحسب، بل ما تسكنه الأرواح من معانٍ. فإذا فسدت الرؤية، لم تنفع كثرة الأبنية؛ وإذا انقطع السياسي عن أصله الأعلى، غدا انتظامًا باردًا لفوضى مؤجلة. ومن هذه الجهة تكتسب محاولة حمزة بن عيسى قيمتها: لا لأنها أغلقت باب السؤال، بل لأنها كسرت أقفال الصمت عليه، وأعادت إلى الفكر حقه في أن يشكّ في البداهة، وأن يطلب للدولة

روحًا، لا مجرد جهاز.

عيسى محمدي 

Related posts

إيران وقوة الامتناع عن الانكسار

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

« كمال داود أو عِلاوةُ « الأهليّ المُعتمَد