التوضيح الفرعي : كيف يتحوّل الإر*هاب إلى أداة نظامية لإدارة الخوف في العالم، ووسيلة لتمرير السلطة الاقتصادية والسياسية تحت ستار الرعب
الافتتاحية
يُعرض علينا الإر*هاب المعاصر كقدر أعمى، كعاصفة سوداء بلا سبب.
لكن ماذا لو كان هذا الإر*هاب ليس خللاً، بل وظيفة عالمية مدروسة؟
ليس عنفًا عشوائيًا، بل عرضًا دائمًا لإعادة إنتاج الخضوع باسم الأمن، ووسيلة للتحكم بالرأسمال والعالم.
لا يُقدَّم لنا الإر*هاب المعاصر بوصفه واقعة سياسية قابلة للفهم، بل كقدرٍ أعمى، كعاصفة سوداء تهبط من سماء التاريخ بلا أسباب، بلا فاعل، بلا يدٍ خفية. يُقال لنا: هذا «شرٌّ مطلق»، بربري، غير قابل للتفسير، معادٍ للحضارة والحداثة. هكذا يُغلق باب السؤال قبل أن يُفتح، وتُستبدل المعرفة بالذعر، والفهم بالعويل.
لكن ماذا لو كان الإرهاب، في صورته المعاصرة، ليس خللاً في النظام العالمي بل وظيفةً من وظائفه؟ ماذا لو لم يكن فوضى طارئة بل أداةً مُحكمة؟ هنا يبدأ التفكير الحقيقي، ويبدأ الإزعاج.
الهيمنة الأمريكية اليوم ليست هيمنة واثقة، بل هيمنة تُدار من موقع القلق. اقتصاد مثقل بالديون، شرعية أخلاقية متآكلة، منافسون يتقدّمون بثبات، وعالم لم يعد يصفّق تلقائياً. حين تضعف القدرة على الإنتاج، تتضخّم القدرة على الإخراج. وحين تتصدّع الوقائع، يُستدعى « المشهد »
هنا يظهر ما يمكن تسميته — على خطى فرانسيس كوزان — بـ الإر*هاب الفرَجوي: شكلٌ متقدّم من السيطرة السلعية، حيث لا تُمارَس السلطة بالقوة وحدها، بل تُعرَض، تُبَثّ، تُكرَّر، وتُستهلك. الإر*هاب لا يُدار كحرب، بل كعرض دائم، كآلة لإعادة إنتاج الخضوع باسم الأمن.
اختراع العدو: ضرورة الإمبراطورية
كل سلطة تحتاج عدواً. لكن الإمبراطورية تحتاج عدواً مثالياً: بلا دولة، بلا عنوان، بلا نهاية. عدواً يمكن أن يُستدعى متى شاؤوا، ويُعاد تدويره بلا ملل. هكذا يُصنَع «الوحش».
شخصيات مثل بن لادن، وشبكات مثل القاعدة، لم تولد في فراغ التاريخ. خرجت من أرحام الحروب القذرة، من مختبرات الاستخبارات، من تحالفات مرحلية انقلبت إلى فزّاعات دائمة. العدو رقم واحد في الخطاب العلني، يتحوّل — موضوعياً — إلى الحليف البنيوي الخفي: ليس لأنه يطيع، بل لأنه يؤدي الدور المطلوب بإتقان.
يأتي 11 سبتمبر لا كحادثة معزولة، بل كلحظة عائد سياسي مذهل. في يوم واحد، حُوِّل الخوف إلى رأس مال، والدمار إلى تفويض مفتوح. سُحقت الحدود بين الداخل والخارج، بين الأمن والحريات، بين القانون والاستثناء. صار كل شيء مسموحاً باسم «الحرب على الإر*هاب».
لم تعد الجماهير تطالب بالحقيقة، بل بالحماية. لم تعد تسأل: لماذا؟ بل: أنقذونا. وهكذا ترتدي الهيمنة قناع المُخلِّص، وتُقدَّم بوصفها «الشرّ الأقل»، وتُعاد شرعنتها عبر الرعب.
الحرب على الإر*هاب: حرب على الواقع
وراء اللغة الأخلاقية، يكمن الهدف الفعلي: السيطرة على الموارد، على الطرق، على الطاقة، على مفاصل العالم. الإر*هاب الفرَجوي ليس غاية، بل ذريعة تشغيلية.
أفغانستان لم تُغزَ من أجل النساء ولا من أجل أشباح الكهوف، بل من أجل آسيا الوسطى، من أجل إعادة فتح مسارات المال القذر، ومن أجل تثبيت القبضة على الجغرافيا الطاقوية. العراق لم يُدمَّر بحثاً عن أسلحة وهمية، بل لابتلاع نفطه وتوجيه رسالة صارخة: من يخرج عن النص يُعاد إلى العصر الحجري.
في الوقت نفسه، تُستَخدم «الحرب على الإر*هاب» كأداة لإرباك الخصوم. تُربط أوروبا عضوياً بالمصالح الأمريكية، وتُحرَم من أي استقلال استراتيجي. تُعزل روسيا، تُخنَق اقتصادياً، وتُقطَع عن عمقها الأوروبي. تُحاصَر الصين بأقواس من التوتر الدائم.
حتى الفوضى الثقافية والهوياتية تتحوّل إلى أدوات. صراعات الهوية في أوروبا، وتديين الهجرة، لا تُواجَه بجدية لأنها تؤدي وظيفة: تفتيت اجتماعي، خفض كلفة
العمل، شلّ القدرة النقدية، وإبقاء القارة في حرب داخلية تمنعها من التفكير في عدوها الحقيقي.
حكم الخوف: الطغيان الناعم
القوة الحقيقية للإر*هاب الفرَجوي لا تكمن في التفجيرات، بل في إدارة الإدراك. المشهد لا يعكس الواقع، بل يصنعه عاطفياً. الإعلام هنا ليس ناقلاً، بل مخرجاً. الصور تُعاد، الأصوات تُضخَّم، والأسئلة تُمنع.
يُقدَّم الإر*هاب ككيان مستقل، بلا تاريخ ولا سياق. تختفي الأسباب، وتبقى النتائج. هكذا يتحوّل الكذب من خطيئة إلى آلية عمل. النظام لا يحتاج أن يُصدَّق، يكفي ألا يُكشَف.
في هذه البنية، يصبح التضليل هو «الحقيقة العملية»، وتغدو السلطة طبقة غير مرئية، حاضرة في كل مكان، مُنكرة في كل سؤال. إنها سلطة تُحكِم قبضتها لأنها لا تُرى.
ويبلغ الانحطاط ذروته حين لا يتردّد النظام في التضحية من «معسكره» نفسه. ضحايا مختارة، صدمات مدروسة، أحداث غامضة، كلّها تُستَخدم كوقود لإعادة تشغيل آلة الخوف. الرعب يجب أن يُغذّى باستمرار كي لا يصحو الجمهور.
العالم كفيلم، والهيمنة كمخرج
في النهاية، نحن أمام سينما كونية لا تنتهي. وحش يظهر، إمبراطورية تتدخل، فوضى تتوسع، وسيطرة تترسخ. الجمهور يدفع ثمن التذكرة: حريات أقل، موارد منهوبة، ووعي مُعلَّق.
الخبث الأعظم في هذا النظام أنه يخلق البطل والوحش معاً. ولا ينتصر البطل إلا لأن الوحش مُخيف بما يكفي. وطالما يخلط الناس بين الفيلم والعالم، يظل المخرج سيد المسرح.
الخروج من هذا الفخ لا يبدأ بالسلاح، بل بكسر الفرجة. برفض الخوف كمنهج للفهم. بإعادة السياسة إلى التاريخ، والعنف إلى شروطه، والإر*هاب إلى مكانه الحقيقي: ليس كقدَر، بل كعرضٍ مرضيٍّ لنظام يحتضر، ويُجيد الصراخ كي لا يُسأل.
حين نكفّ عن التحديق في الشاشة، تبدأ الحقيقة بالظهور.
الخاتمة
ليس هذا التفكير تبريرا للعنف
بل تفكيكا للإر*هاب حين يتحوّل إلى أداة رأسمالية كونية لإدارة العالم بالخوف
بقلم عيسى محمدي
