Home نقاشدِينالدين، الشرّ، والبصيرة التراجيدية

الدين، الشرّ، والبصيرة التراجيدية

by عيسى محمدي
210 views

في الخطاب العربي المعاصر، يُستدعى الدين غالبًا بوصفه المتهم الجاهز: متهمًا بالعجز عن حلّ مشكلة الشرّ، ودليلًا على «تخلّف» تاريخي يُراد له أن يفسّر كل إخفاق وكل عنف وكل انسداد. لكن، أليس هذا الاتهام نفسه نتاج كسل فكري مزمن؟ متى وعد الدين أصلًا بإلغاء الشرّ؟ ومتى زعم أنّ الوجود الإنساني مسألة تقنية قابلة للحلّ، أو خطأً في التصميم يمكن تصحيحه باستيراد نموذج حضاري جاهز؟

هذا الاتهام يقوم على مغالطة مركزية: محاكمة الدين وفق وعود لم يقطعها يومًا. الدين لم يقل بزوال الشرّ، بل أقرّ بوجوده، ولم يَعِد بعالمٍ معقّم، بل علّم الإنسان كيف يسكن عالمًا مكسورًا دون أن يتحوّل هو نفسه إلى كاسرٍ له. ما يُقدَّم اليوم بوصفه «فشلًا دينيًا» ليس سوى رفضٍ حداثيّ للاعتراف بالحدّ، وبالهشاشة، وبالطابع التراجيدي للشرط الإنساني.

في المقابل، فإنّ المجتمعات التي أعلنت تحرّرها الكامل من كل مرجعية متعالية لم تُنتج عالمًا أقلّ شرًّا، بل شرًّا أكثر عقلنة، أكثر تنظيمًا، وأكثر برودة. القرن العشرون، قرن «التقدّم» بامتياز، لم يكن قرن الخلاص، بل قرن أوشفيتز، وهيروشيما، والاستعمار الصناعي، والإبادة الإدارية. هذه الجرائم لم تُرتكب باسم الله، بل باسم العقل، والعلم، والكفاءة، والتاريخ حين يتحوّل إلى آلة طحن.

ومع ذلك، لا يزال الدين هو المتّهم، بينما تُمنح العقلانية التقنية صكّ البراءة باسم «الحياد». الشرّ الحديث لا يصرخ في المعابد، بل يُدوَّن في التقارير، ويُبرَّر بالإحصاءات، ويُنفَّذ بقرارات محسوبة، ويُفوَّض إلى خوارزميات بلا وجه ولا ضمير. أيّهما أخطر: شرّ يعترف بنفسه، أم شرّ يتخفّى وراء لغة الإدارة والتقدّم؟

هنا تحديدًا ينكشف زيف خطاب «التأخر الديني». فالمشكلة ليست أنّ الدين لم يُلغِ الشرّ، بل أنّ الحداثة وعدت بإلغائه وكذبت. أليس هذا الوعد نفسه ضربًا من الخرافة المعاصرة؟ خرافة الخلاص بالتقنية، والإنسان المُحسَّن، والمجتمع المُدار بلا خطيئة ولا مسؤولية؟

ربما لم يكن الدين مشروع تطمين، بل مشروع يقظة. وربما لم تكن البصيرة الدينية سذاجة ماضوية، بل حكمة تراجيدية عميقة، أدركت ما ترفض الحداثة الاعتراف به: أنّ الشرّ ليس عارضًا، وأنّ أخطر أشكاله هو ذاك الذي يدّعي العقل، والضرورة، والشرعية التاريخية.

فإذا كان ثمة «تأخر» حقيقي، فليس هو دينيًا، بل فكريًا: تأخر الوعي عن إدراك أنّ استبدال الإله بالأدوات لم يُحرّر الإنسان، بل جعله أكثر قدرة على التدمير… وأقلّ قدرة على الاعتراف بذنبِه.

بقلم عيسى محمدي

You may also like

Leave a Comment

error: Content is protected !!
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00