تمرّ الجزائر اليوم بمنعرجات حاسمة حيث تسعى قوى التجزئة، المتلحّفة بعباءة الهويات الصرفة، إلى تقويض صرح حضاري ضارب في عمق التاريخ. قد يبدو الصراع بين العروبة والأمازيغية لغير المتخصص مجرد نزاع حول الحدود الإدارية أو اللغة أو الجغرافيا السياسية، لكننا حين نستحضر عالم الرياضيات « كورت غودل » ونظريته في « عدم الاكتمال »، ندرك أن الانفصالية ليست سوى خطأ في المنطق البنيوي وجهل مطبق بفيزياء المقدّس.
مقدمة: مفارقة التأسيس الذاتي
لفهم فكر « ريجيس دوبريه » على ضوء « غودل »، علينا أن نتخيل غرفة لا يمكن فتح بابها إلا من الخارج. أي جماعة بشرية هي أشبه بهذه الغرفة؛ لا يمكنها أن تجد علة وجودها أو مبرر وحدتها داخل ذاتها فقط. إنها مفارقة « التأسيس الذاتي ». فإذا اجتمعنا لمجرد عقد مدني أو مصالح عقارية مشتركة، فماذا سيحدث حين تتضارب المصالح؟ سينفجر الجمع. إن الرهان هنا ليس مجرد إيمان غيبي، بل هو فهم للسبب الذي يجعل الإنسان بحاجة ماسة لابتكار « المقدس » ليتجنب السقوط في الفوضى. إن نظرية « دوبريه » باهرة لأنها لا تتعامل مع الدين كخرافة، بل كقانون بنيوي للمجتمعات.
مبرهنة غودل: لماذا لا يكفي النظامُ نفسَه؟
في عام 1931، أثبت غودل أنه في أي نظام منطقي، توجد قضايا صادقة لكن لا يمكن إثباتها من داخل النظام نفسه. هن دائماً ما يسمى بـ « الجزء G » (قطاع غودل)، وهو منطقة « غير قابلة للبتّ » تقتضي الخروج عن الإطار لإيجاد التصديق.
وبإسقاط ذلك على المجتمع الجزائري، نجد أنه لا يمكن لأي هوية أن تؤسس نفسها بنفسها. إن محاولة بناء « هوية قبائلية » أو « عروبية » منغلقة على بديهياتها المادية هي محاولة لخلق نظام مغلق محكوم عليه بالفناء. إن علة وجود أي شعب لا تكمن في عقده المدني، بل فيما يسميه غودل « الخارج الضروري ». فكل حضارة، لكي تقوم على منطق رصين، يجب أن تستند مفارقةً إلى ركيزة خارجة عن المساءلة النقدية الفورية. هذا النقطة المركزية الثابتة هي « المقدس ». وما يصنع الحضارة ليس مجرد تقاسم القوانين، بل القبول بوجود « حرمات » غير قابلة للتفاوض، وبدون هذا « المتعالي »، يتحول المجتمع إلى مجرد إدارة للمخزونات والتدفقات، عاجز عن مطالبة أفراده بأي تضحية أو كرامة أو بذل.
تلاقي الفروع: الإسلام والتقليد الأصيل
يجب هنا استعادة حقيقة تاريخية طمسها الفكر العلماني: إن الوحدة العربية-البربرية التي سادت لأكثر من ألف عام لم تكن نتاج توليفة قسرية لغزو عسكري. لم تكن الأرض الأمازيغية « جاهلية »، بل كانت فرعاً من « التقليد الأصيل » (Tradition Primordiale) في نهاية دورته التاريخية. ولم تكن رسالة الإسلام الخاتمة والجامعة استعماراً، بل كانت « استذكاراً وعرفاناً »؛ حيث منحت الروح الأمازيغية ذلك التقويم الروحي الذي لم تعد تجده في اليهودية أو المسيحية آنذاك.
إن الانتشار الخاطف للإسلام في شمال إفريقيا لم يكن بحد السيف، بل بـ « الدعوة » — أي البشارة بالاتصال الروحي من جديد. لا العرب هم شيء بدون الإسلام، ولا الأمازيغ كذلك. ويعلمنا غودل أن وحدة أي جماعة لا تأخذ بعين الاعتبار « الجزء جي » (العنصر المتعالي غير المبرهن عليه) مآلها الاضمحلال.
هشاشة الملحد الساذج أمام عمود التاريخ
هنا تتجلى « الهشاشة الساذجة » للانفصالية الحديثة، الحاملة لمشروع علماني لائكي متطرف. يتوهم الملحد العقائدي أن بإمكانه بناء بيت بلا أساسات خفية، عبر تكويم طوب المصالح الفردية فحسب. ويثبت التاريخ المعاصر أن لا الاتحاد الأوروبي، ولا السوفيتية، ولا وحدة الولايات الأمريكية يمكنها الصمود أمام عوامل الإجماع المتمثلة في الاستهلاك والسلعية والنزعة المادية الصرفة.
إن هذه الكيانات، التي اجتمعت خارج أي مبدأ متعالٍ، تظهر هشاشة فاضحة. فأي من هذه التجمعات الميكانيكية يمكنه ادعاء الديمومة التي حظيت بها الحضارات المبنية حول « الجزء G »؟ من الإمبراطورية المقدسة إلى الخلافة بكل تمظهراتها، ومن القيصرية إلى الإمبراطورية البيزنطية؛ كانت كلها حضارات تقليدية شُيدت حول محاور العمودية وما فوق البشري. وأمام هذه القرون من الاستقرار العضوي، تبدو التشكيلات العلمانية الحديثة مجرد فواصل عابرة.
إن البديل عن غياب المقدس هو القسر أو الديكتاتورية الفاشية حتماً؛ وهو الملاذ الأخير لنظام فقد « الجزء G » الخاص به، ليحول الوحدة العضوية إلى « شمولية وحشية ». وكما تنبأ غارودي: « بدأ العالم بالوحدة الروحية، وسينتهي بوحدة السوق ». والانفصالية هي الشريك اللاواعي لنهاية العالم السلعية هذه.
الروح القبائلية: الوحدة عبر اللامتناهي في الصغر
تمتلك الروح القبائلية استعداداً فطرياً لاستعادة « تقليدها الأصيل »، وهو واقع تجسده الزوايا والطرق الصوفية الألفية. إن هذه الروح، المسيرة روحياً بالمبادئ الصوفية، لا يمكن إلا أن « تتسيّل » وتذوب داخل العلمانية ونزعة الاستهلاك الحديثة.
إن التصوف القبائلي هو بالتمام « الجزء G » في معادلة غودل: ذلك العنصر « غير العقلاني » واللامتناهي في الصغر، ومع ذلك فهو المؤسس الذي يربط المجتمع ببقية الجزائر. هذا المقدس هو الملاط الذي يربط الجماعة بما هو أبعد من العقد الاجتماعي المؤقت. وبإخراج هذا البعد، تفرغ الانفصالية « الهوية الأمازيغية » من درعها العميق لتلقي بها عارية أمام ميكانيكا الرأسمالية المتوحشة.
الخاتمة: كرامة الناقص
إن الرغبة في فصل العربي عن القبائلي هي رغبة في فصل البسط عن المقام في كسر حسابي: إنك بذلك لا تخلق رقمين جديدين، بل تدمر قيمة المجموع ككل. إن كرامة منطقة القبائل وقوة مقاومتها لا تكمن في استقلال إداري واهم، بل في وفائها لهذا « التقليد » الذي يتجاوزها ويؤسسها. إن الوحدة الجزائرية هي بنية « غودلية »: لا تستمد صلابتها إلا بقبول جزء الغيب فيها، ومقدسها غير القابل للإثبات المادي، وروابطها التي لا تملك السياسة عقداً لحلها. الانفصال ليس حلاً، بل هو إفلاس ميتافيزيقي.
