ثمّة عاهةٌ ذهنيّة راسخة لدى شريحة من العقول الغربيّة -و كذا العقول المحلية المستغربة-، ولا سيما تلك المُشبَعة بالحليب اليعقوبي، تتمثّل في الاعتقاد بأنّ كلّ تنظيمٍ سياسي، في أيّ بقعة من هذا الكوكب، ينبغي أن يُقاس بمسطرة النموذج الذي فرضته باريس على نفسها في القرن الثامن عشر، ثم حوّلته الجامعات لاحقًا إلى هندسةٍ مقدّسة للحكم “العقلاني”. هذه العاهة ليست معرفيّة فحسب؛ إنّها نرجسيّة، مرضيّة، وقد تتّخذ عند اللزوم طابعًا لاهوتيًا. فالحداثة الغربيّة، وخصوصًا في نسختها الفرنسيّة، تعاني غرورًا خرائطيًا: ترسم نموذجها، ثم تطلب من الواقع كلّه أن ينحني ليدخل في هذا الرسم.
من هنا تولد تلك المفارقة التاريخيّة الفجّة: اعتبار الحضور العثماني في الجزائر “احتلالًا استعماريًا” مماثلًا للاستعمار الأوروبي الحديث. أي إسقاط معجمٍ صاغه غزاة القرن التاسع عشر على أربعة قرون من تاريخٍ متوسّطي مغاير في طبيعته وبنيته ومنطقه. هذا الجهل ليس عارضًا ولا بريئًا؛ إنّه جهلٌ مُنظَّم، مريح، متواطئ مع نفسه. فهو يسمح للغرب أن يواصل سرديّته المفضّلة: أنّه لم يخترع الحداثة وحدها، بل السياسة ذاتها.
إنّ الخلط بين الإمبراطوريّة العثمانيّة والإمبراطوريات الاستعماريّة الأوروبيّة لا يصدر عن سوء فهم بسيط، بل عن كسلٍ ذهنيّ فادح، يكاد يبلغ درجة الكوميديا السوداء. فكلّ من تصفّح – ولو على عجل – سجلاتٍ دبلوماسيّة، أو مراسلاتٍ قنصليّة، أو أرشيفاتٍ تتعلّق بإيالة الجزائر، يدرك عبث هذا القياس. فقد وُجدت وثائق واتفاقيات بين إيالة الجزائر وقوى متوسّطيّة عدّة قبل 1830 بزمنٍ طويل، وكانت الإيالة تتمتّع باستقلال إداري ومالي وعسكري يجعل إدراجها ضمن مفهوم “المستعمرة” الأوروبيّة إسقاطًا تعسّفيًا لا سند له.
غير أنّ المخيال السياسي الفرنسي، على وجه الخصوص، لا يعترف إلا بنموذجٍ واحد “جديّ” للحكم: الدولة–الأمّة الموحَّدة، المركزيّة، المستقيمة كالمسطرة، المنضبطة كجدول حسابات في مدرسة الإدارة العليا. لقد تحوّل اليعقوبيّة إلى برنامجٍ ذهنيّ يُشغَّل تلقائيًا عند كثير من الأوروبيين. فإذا صادفوا شعبًا بتنظيمٍ آخر، أو بإيقاعٍ مختلف للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تعطّل هذا البرنامج وبدأ ينهار.
المشكلة، في العمق، ليست جهلًا بالآخر، بل عجزًا عن تخيّل غير الذات. فبالنسبة للعقل المتمركز حول الغرب، لا تُعدّ التعدديّة في أشكال التنظيم الإنساني مجالًا للدراسة، بل خللًا يجب إصلاحه. وكلّ ما لا يشبه الدولة القوميّة العقلانيّة يُوصَم فورًا بـ”البدائي” أو “القبلي” أو “الإقطاعي”؛ وهي أوصاف لا تُستخدم للفهم، بل لتخدير التفكير وتثبيت اليقينيات.
لكن لننزل إلى أرض الوقائع. ما يسمّيه الأوروبيون “إمبراطوريّة” لا يمتّ بصلة إلى بنيةٍ سياسيّة إسلاميّة كمنظومة الخلافة. فالإمبراطوريّة الأوروبيّة الحديثة آلةُ نهبٍ واستخراج وهيمنة، تقوم على الإقصاء والاستيطان والاستبدال الديمغرافي. أمّا الخلافة، وإن كانت مركزيّة، فمركزيّتها لاهوتيّة–سياسيّة، لا إداريّة ميكانيكيّة على النمط النابليوني. الحضور العثماني في الجزائر لم يكن كتلةً صمّاء، ولا شبكة محافظين وبيروقراطيين، بل نسيجًا مركّبًا من تفويض السلطة، وتوزيع الصلاحيات، والتفاوض الدائم مع البنى المحليّة. إنّه منطق التوازن والبراغماتيّة، لا منطق السحق الصناعي الذي ميّز الاستعمار الأوروبي.
كانت إيالة الجزائر تتعامل مع القوى الأوروبيّة بوصفها كيانًا ذا سيادة. فالمعاهدات المبرمة مع إسبانيا، وهولندا، وإنجلترا، والولايات المتّحدة لا تنتمي إلى علاقة “مستعمِر–مستعمَر”، بل إلى منطق “دولة–دولة”. ويمكن الرجوع إلى معاهدات 1682 و1716 و1795 للتثبّت من ذلك: لا أثر فيها لوضعٍ تابع أو لإدارة مفروضة من “متروبول” بعيد. كان الداي يحكم، يفاوض، ويقاوم، وكان ارتباطه بإسطنبول رمزيًا في الغالب، تحكيميًا أحيانًا، لا إداريًا مباشرًا. ولم تكن الجباية تُحوَّل إلى عاصمة استعماريّة، بل تُوظَّف في منظومة محليّة مستقلّة.
غير أنّ العقل الغربي، الأسير لقواعده النحويّة الخاصّة، يعجز عن استيعاب هذا كلّه. فهو لا يعرف للسلطة إلا صورتين: دولة قوميّة مركزيّة أو إمبراطوريّة استعماريّة استغلاليّة. وما عدا ذلك فراغٌ مفهوميّ.
وهكذا يواصل الإسقاط، بلا كلل. يرى الآخر نسخةً مشوّهة من ذاته.
هذا التضييق المعرفي، أو هذا “الريف العقلي” إن صحّ التعبير، له اسم: المركزيّة الغربيّة. وهي الاعتقاد بأنّ أوروبا اخترعت السياسة، وأنّ مفاهيمها صالحة كونيًا، وأنّ تجارب الشعوب الأخرى ليست سوى محاولاتٍ ناقصة للحاق بها. ومن هذه العقيدة تنبع تلك المغالطة الكبرى: الخلط بين الإمبراطوريّة الإسلاميّة والاستعمار الأوروبي، بين السيادة التفاوضيّة والإدارة القهريّة، وبين التعدديّة البنيويّة والتوحيد القسري.
والحال أنّ التاريخ الإنساني، في جوهره، متعدّد. أشكال السلطة لا تُحصى، والعقلانيّات السياسيّة متنوّعة، أحيانًا متناقضة، وغالبًا غير قابلة للاختزال. العالم لا يقبل أن يُضغط في قالبٍ واحد.
مأساة الغرب أنّه يظنّ التنوّع خللًا، ويحسب نموذجه معيارًا. أمّا مأساة بقيّة العالم فكانت، طويلًا، في التسليم بهذه الدعوى.
لقد آن الأوان لقلب عبء البرهان: ليس على غير الغربي أن يبرّر ذاته، بل على الغرب أن يتعلّم التفكيك… وأن يتعلّم النسيان.
فإن كانت ثمّة عبرة من تاريخ المتوسّط قبل الاستعمار، فهي هذه: التعدديّة ليست مشكلة. إنّها نظام العالم، ونَفَسه، وحكمته. أمّا ما عدا ذلك فليس سوى إقليميّة ضيّقة متنكرة في زيّ الكونيّة.
بقلم عيسى محمدي