من دفاتر الأيام – زيارتي لجبران خليل جبران في مانهتن :مقر الرابطة القلمية

في فجرِ عيدٍ يَعانِقُ الأرضَ بِندَى التكوين، حيثُ تَتَنشَّقُ أنفاسَها الأولى عبرَ ضبابٍ كسِجِلٍّ مفتوحٍ على أسرار الخليقة، انطلقتُ نحو مَغاربِ الذاكرة. سبعُ ساعاتِ طيرانٍ تفصلُ جسدي عن ضحكات أحفادي في كاليفورنيا، فَجَعَلتُ مِن ساعتَيْ السفرٍ بالسيارةِ التي تبعدني عن بيت جبران جسرًا روحيًّا نحو مُتعَـدَّدِي الأُسَري. كأنما الطريق إلى منهاتن مزمورٌ مَسطورٌ بيد نبيٍّ عابر: مئةٌ وعشرون ألفَ خطوةٍ تفصلُ بين فراغ المُنفَى وزحمةِ اللقاءات الحميمة. ها أنا أزور إقامة جبران في غرينتش فيلاج تمامًا كزيارة ابنٍ لضريح أبٍ متبنّى، أو كتلك الوجبات العائلية التي يُفرضُ فيها على الغائب أن يَحضرَ عبرَ أطباق الذكريات.
عند تقاطع شارع ويست 10ث، حيث تتهادى أرواح الحجارة منشدةً: « هلمّوا إلى ضريح المنفى، فما المنفى سوى وطنُ الأرواح التي ترفضُ أن تُولَدَ مرتين ». أبواب الرابطة القلمية تُطلُّ من بعيدٍ كأقاربَ افتراضيين: آينَ رهطُ نعيمة والريحاني في زمنٍ صارَ لقاءُ الأديبِ بأسرتهِ أعسرَ مِن لقاءِ المهاجر بوطنه؟ أَمامَ عتبةِ البيت الأصفر، تتهاوى الساعاتُ السبعُ الطويلةُ كجسرٍ مِن نورٍ فوق المُحيط، بينما ساعتانِ مِن الأسفلتِ تكفيانِ لِتُعيدا تشكيلَ جِبِلَّةِ الزمن: ساعاتُ الطيرانِ كساعاتِ السماءِ المائعة، وساعاتُ الثرى كتلك التي نحتَها جبران في «الأجنحة المتكسرة

١. الاستوديو: كوخُ النار في قلب الثلج
هنا، في غرفةٍ لا تتسع إلا لأجنحةِ فراشة، صاغ جبران « النبي » من دمائه الأربعة: دمُ الفقير اللبناني، ودموعُ الأمريكان السود، وحبرُ القلم السرياني، وعرقُ الخبّازة السورية ماري هاسكل التي كانت تهرولُ نحو الاستوديو حاملةً خبزَها وكبرياءَها. وقفتُ أمام الجدارِ الشرقيِّ المُتشقق، فسمعتُهُ يهمس: « في هذا الركن بالذات، احتضنتُ جبرانَ ذات ليلةٍ شتويةٍ بينما كان يصرخ: ‘أنا لستُ شاعرًا، أنا جمرةٌ تبحثُ عن حريق!' ».
لمستُ الأرضيةَ الخشبيةَ التي ما زالت تحتفظ بندوب إزميل النحت، وكأنما كل شظيةٍ تُحاكي جرحًا من جروح « الأجنحة المتكسرة ». في زاوية المدفأة، اكتشفتُ بصمةَ إصبعٍ متجمدةٍ في الزمن؛ ربما لحظةَ انتهى فيها من رسم « يد العناية الإلهية »، بينما كان صديقه ميخائيل نعيمة يقرأ عليه أمثال نيتشه، فيختلطُ ضحكهما كالنبيذِ بالخبزِ القديم.

٢. مقهى « ريجيو »: حيث تُختمر الثوراتُ بقدحِ قهوة

‘الأسفلتُ مجردُ ترابٍ ينتظرُ مطرَ الأحلام' ».
على الجدار، رصدتُ مرآةً سوداءَ تحملُ نقشًا: « هنا، اشترت ماري هاسكل حقوقَ ‘النبي’ بقلبٍ مرتجف، بينما كان جبرانُ يخبئُ دموعَه في غليونِه، مُتسائلًا: أيُعقلُ أن تُباعَ النبوءاتُ كأرغفة؟ ».

٣. حديقة واشنطن سكوير: رقصةُ الأرواح بين الدلبِ والرخام
لاتمايلتُ تحت شجرة الدلب العتيقة، حيث تُعلِّمُ الجذورُ السحابَ كيف يرقص. هنا كان جبرانُ يُملي على سكرتيرته رسائلَ حبٍّ لم تُرسَل. سمعتُ الظلَّ الطويلَ يقول: « ذات خريفٍ، مرّت هنا الكاتبةُ جوليا مارلو مُحمَّلةً بأسئلةٍ عن ‘المسيح ابن الإنسان’، فسألته: ‘لماذا تخلعُ عن السيد المسيح ثوبَ المعجزات؟’، فأجابها بينما يلتقطُ ورقةَ قيقبٍ ساقطة: ‘لأنني أبحثُ عن المعجزةِ التي تُخبئُها يداه تحت الجرح' ».عند النافورة، حيث تُغنّي المياهُ بلسانٍ سريانيٍّ قديم، تمايلتُ مع أمواجِ الصوتِ التي تُحاكي صرخاتِ عمّات جبران الثكالى، اللواتي أرسلنَ له من بشرّي: « إن كان المنفى يُطعِمُك، فلماذا نسمعُ في كتاباتك صريرَ أمعاءٍ جائعة؟ ».

٤. شقة شارع مكدوغال: مرايا العشق والموت

صعدتُ إلى الطابق الثاني من المبنى البنفسجي، حيث تُعلِّمُ النوافذُ القمرَ كيف يبكي. هنا عاش جبرانُ آخرَ أيامه بين حقنِ المورفين ورسائلَ من أمٍّ لم تُغادرْ وادي قاديشا. لمستُ الصفحةَ الأخيرةَ من مذكراته المفتوحة على مكتبه: « الليلُ هنا ثقيلٌ كجلدِ جاموسة، لكنّ ماري تصرخ فيّ: ‘اكتب كأن الموتَ وراءك، لا أمامك!' ».
في الدرجِ الخلفي، لاحظتُ بقعةَ زيتٍ على الحائط؛ آثارُ عشاءٍ أحرقتهُ الأقداحُ ذات ليلةٍ مُكتمل القمر، حين زاره رسامو مدرسة Hudson River ليعرضوا عليه لوحةً تُجسِّدُه كـ »مسيحِ المهاجرين »، فصاحَ فيهم: « أنا لستُ مسيحًا، أنا ظلُّ مسيحٍ مرّ من هنا ذات يومٍ ولم يجد خشبةً يُصلبُ عليها! ».

٥. مكتبة نيويورك العامة: حيث الحروفُ تُقيمُ جنازتها

توقفتُ في القاعة رقم 309، خلف رفٍّ يحملُ النسخةَ الوحيدةَ من « العواصف » الموقَّعة بدمعٍ. شاهدتُ لوحةً زجاجيةً نُقش عليها: « هنا، في شتاء 1926، وقف جبرانُ يقرأُ من ‘رمل وزبد’، فسقطت امرأةٌ من الجمهورِ مغشيًّا عليها، وعندما سُئل عن سرِّ الكلمات، قال: ‘هي ليست كلمات، إنها صرخاتُ جنينٍ في رحم المنفى' ».
تحت المصباحِ البرونزي، جثوتُ كحاجٍّ أمام روحِ الكاتبِ وليم كاتْس، الذي كتبَ في مذكراته: « جبرانُ علمني أن الوطنَ ليس مكانًا نحمله، بل جرحٌ ننزفه ».

الخاتمة: عودةٌ إلى نيوهيفن، أو كيف يُعيد المنفى تشكيلَ المرايا
عند العودة، بينما كنتُ أُديرُ مقودَ السيارة على طريق سريعٍ يلمعُ كشريطٍ فضي، رأيتُ نيويوركَ تذوبُ خلفي كشمعةٍ ضخمةٍ. فتحتُ النافذةَ فدخلَ الهواءُ حاملاً عطرَ أوراقِ « النبي » المبعثرةِ على المقعد الخلفي. في المرآةِ الجانبية، لاحَ لي وجهٌ يشبهُ جبرانَ وهو يبتسم: « الحجُ ليس سفرًا نحو الماضي، بل اكتشافٌ أن الماضي وطنٌ نحملهُ في أمعائنا تذكرتُ كلماتٍ كتبتها على ظهر إيصالٍ قديم: « جبرانُ لم يمت هنا، لقد وُلدَ هنا مئةَ مرّة، كزهرةِ رمانٍ ترفضُ إلا أن تنفجرَ كلما جَفَّتْ أغصانها ».
هكذا، بين ضجيجِ محرك السيارةِ وصمتِ المنفى، أدركتُ أن الزيارةَ كانت مجردَ ذريعة؛ فما زرتُ إلا ذلك الولدَ الذي اختبأ فيّ ذات يومٍ خلف جدارِ اللغة، منتظرًا منّي أن أمنحهُ جرعةَ نورٍ تُذيبُ أسوارَ الواقع.
عبر النافذة المبتلة، تومض أنوار منهاتن كجمرات نيران أُشعلت منذ قرن. بين اليقظة والنوم، أدرك فجأةً: هذا الحج لم يُقرِّبني من جبران، بل من جبران الذي فيَّ. هذه الشوارع لا تحفظ ذكرى، بل مرآةً – حيث يعيد كل عابر تشكيل الوجه اللانهائي للمنفي المبدع…

Related posts

إيران وقوة الامتناع عن الانكسار

الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

2 comments

Kadi mohammed février 4, 2026 - 8:13 pm
يبدو ان عشق اللغة والفكر والفلسفة لا يرتبط بالمكان والزمان ،حتى الشواهد لها فلسفتها فكل مافي المكان يلهم الزائر حديث بين الفكر والروح لان المزار كان ذات يوم امنية قد لا تتحقق
Kadi mohammed février 4, 2026 - 8:13 pm
يبدو ان عشق اللغة والفكر والفلسفة لا يرتبط بالمكان والزمان ،حتى الشواهد لها فلسفتها فكل مافي المكان يلهم الزائر حديث بين الفكر والروح لان المزار كان ذات يوم امنية قد لا تتحقق
Add Comment