من دفاتر الأيام – في الطريق إلى البيتين العتقين : ماراك تواين و جبران خليل جبران

البيت-المتحف للكاتب مارك تواين

بيت الكاتب مارك تواين

اليوم، قررت أن أضع قدمي في مكانٍ طالما سكن أحلام طفولتي: مقر الرابطة القلمية في نيويورك. ذلك المكان الذي كان يلوح لي من بين سطور ميخائيل نعيمة و جبران خليل جبران.هذا الأخير الذي فرضتُ اسمه على خاتم مواليد أسرتي أيام الثانوية، رغم أنف والدي، القارئ الورع الذي كان يرى في كل اسمٍ لا يستلهم القرآن خروجًا عن المألوف. ولكن، من يستطيع مقاومة سحر جبران؟

السفر كان مضنيًا، ست ساعات من سان فرانسيسكو إلى بوسطن بالطائرة ، ثم ثلاث ساعات بالسيارة إلى نيوهافن، حيث قضيت الليل في ظلال جامعة ييل الشهيرة. وفي اليوم التالي، انطلقت باكرًا نحو نيويورك، الولاية التي تحاذي كونكتيكت، حيث كنت أقيم. ولكن، كما يقولون، الخطط تُرْسَمُ على ورق الأهواء، فيما تَرْسُمُ الحياةُ على الأرض الذي تشاء…
في طريقنا، توقفنا في هارتفورد، عاصمة كونكتيكت، حيث خطر لرفيقي أن يذكر اسم مارك توين، ذلك الكاتب العبقري الذي كان بيته « على مرمى حجر » (بلسان ما-قبل الجي-بي-اس ) من حيث كنا واقفين. لا شيء كان يمنعني من تحقيق حلمين في رحلة واحدة: زيارة بيت مارك توين المتحف، ثم التوجه إلى مقر الرابطة القلمية، حيث جبران ورفاقه من الأدباء الشاميين نسجوا خيالاتهم التي طالما أسرتني.
وهكذا، وجدت نفسي أمام مفترق طرق: بين توين وجبران، بين الضحك والدموع، بين أمريكا ولبنان. ولكن، أليس هذا هو جوهر الحياة؟ أن نعيش أكثر من حلم في آنٍ واحد، أن نلتقي بأكثر من روح في رحلةٍ واحدة؟
فها أنا ذا، أبدأ رحلتي بزيارة بيت توين، حيث الضحك الخشن لا يزال يتردد بين الجدران، ثم أتوجه إلى نيويورك، حيث جبران ينتظرني بابتسامته الحكيمة. لأنني، في النهاية، لا أستطيع أن أختار بينهما. فكلاهما جزءٌ مني، كلاهما صنع عالمي.
وهكذا، أبدأ رحلتي، بقلبٍ خفيفٍ وذهنٍ صافٍ، وأسلوبٍ يحمل شيئًا من سخرية جبران اللطيفة. لأن الحياة، في النهاية، هي رحلةٌ بين الدمعة و الابتسامة، بين الحيرة والحزن الدفين ، بين الواقع والخيال، بين توين وجبران.
على خُطى مارك توين: غوصٌ أدبيٌ في مَخبأِ عبقريٍ مُشاكِس
تحت سماءٍ زرقاء بريئة و باردة ، تُشبه تلك التي احتضنت مغامرات هَك فِن على نهر المسيسيبي، دفعتُ باب منزل مارك توين الفيكتوري في هارتفورد. بيتٌ لا يُشبه غيره: قصرٌ من الطوب الأحمر، بنوافذ قوسية وشُرفات مُزخرفة، حيث كتب مغامرات توم سوير وهَكلبري فِن. بين هذه الجدران، لا يزال طيف الحكواتي يحوم، مُشاكساً، كأنه يختبئ خلف ستارة مخملية ليُطلق نكتةً عابرة.
المُرشد، أربعيني أمرد، قصير نوعا ما، من الصنف الأشقر، تلمع عيناه عند ذكر كل تفصيل، يبدو كشخصية هاربة من رواية لتوين. « أتعلمون، كان توين يعشق القطط… كان لديه تسعة عشر قطاً! » يقول مُشيراً إلى صورة مُصفرّة حيث يظهر الكاتب، بشاربه المُشعث، يلتقط صورة مع قط أسود. الحكاية الصغيرة تملأ المكان فجأة بإنسانية دافئة. جدران البلوط المنحوت، الثريات الكريستالية، السجاد الفارسي – كل هذا لم يعد ديكوراً متحفياً، بل مسرحاً لحياة غريبة الأطوار، تكاد تكون ملموسة.
مكتب ولادة توم سوير: بين الفوضى والعبقرية
في الطابق الأول، القطعة الرئيسية: مكتب توين، يواجه نافذة تغمرها الأضواء. طاولة بسيطة من خشب الماهوجني، مخططة ببقع الحبر، تعتليها ريشة إوزة. « كان يكتب هنا، محاطاً ببناته اللواتي يلعبن البلياردو في الغرفة المجاورة… وأحياناً، كان ينضم إليهن للعب جولة، لتنشيط ذهنه »، يروي المرشد. أتخيل الرجل، مرتدياً بدلته البيضاء الأسطورية، يتذمر من عبارة تستعصي عليه، ثم ينفجر ضاحكاً وهو يسمع أطفاله يغشون برشاقة.
على رف، نسخة متهالكة من « تقليد المسيح »، مليئة بتعليقات ساخرة في الهوامش. توين، المتمرد، يتحاور مع نص مقدس… لا عجب من الذي كتب: « الجنة للمناخ، والجحيم للرفقة ».
البلياردو والأشباح والهاتف: صالون خارج الزمن
قاعة البلياردو، الضخمة، هي ظاهرة غريبة من القرن التاسع عشر. البساط الأخضر الزمردي لا يزال يحمل ندوب المباريات الحماسية. « هنا كان يستقبل أصدقاءه الكُتّاب… وهنا ركّب أحد أول الهواتف الخاصة في المدينة! » يقول المرشد مبتسماً. توين، المفتون بالابتكارات، كان يقضي ساعات في الثرثرة مع عاملة الهاتف، طالباً منها أن تغني له تراتيل دينية – « ليرى ما إذا كانت التكنولوجيا تتحمل النشاز ».
في زاوية، بيانو عمودي يُذكّر بأن زوجته، أوليفيا، كانت تعشق عزف ألحان ستيفن فوستر. يهمس المرشد، متواطئاً: « كان توين يكره ذلك. كان يدّعي أن السلالم الموسيقية تسبب له قرحة المعدة ». بين هذه الجدران، كل قطعة هي سخرية من اللياقة، احتفال بالتناقض.
الحديقة الشتوية: ملاذ للحالمين وصانعي العوالم
محطة إجبارية: الحديقة الشتوية، شرفة زجاجية تغمرها النباتات الاستوائية حيث كان توين يلجأ لقراءة ديكنز بصوت عالٍ. « كان يقلد الشخصيات، يحول المشاهد إلى مآسٍ شكسبيرية… بناته كن يضحكن حتى الدموع »، يكشف المرشد. على طاولة من الخيزران، فنجان شاي مشروخ يشهد على ولعه بالأشياء غير المثالية. توين، الرجل الذي كان يفضل الأشياء « المنبعجة قليلاً، مثل الحياة ».
في الخارج، تطل الشرفة على الحديقة حيث كانت هارييت بيتشر ستو، الجارة والصديقة، تأتي لمناقشة إلغاء العبودية. « كانا يتبادلان النكات اللاذعة، لكنهما كانا يُكنّان احتراماً عميقاً لبعضهما… ستو كانت تجد توين فظاً، وتوين كان يجدها واعظة. صداقة أمريكية نموذجية »، يقول المرشد. الريح تُرقص أوراق شجر القيقب، كأنها تصفق لهذا المشهد التاريخي.
غرفة الكاتب: بين الترف والكآبة
المصعد الخشبي – بذخ لتلك الحقبة – يقود إلى غرفة توين. سرير بأعمدة، شراشف حريرية، وعلى الكومود، قارورة أفيون فارغة. « بعد وفاة ابنته الحبيبة، سوزي، غرق في الاكتئاب… الكتابة لم تنقذه هذه المرة »، يتنهد المرشد. الغرفة تفوح منها حزن رصين، تذكير بأن خلف الضحك، كانت هناك ليالٍ بلا نجوم.
مع ذلك، على الجدار، رسم تخطيطي خربشه توين نفسه: قط يرتدي قبعة عالية، مع تعليق « المخلوق الوحيد الذي يفهمني ». حتى في الظلام، يظل فكاهه عنيداً.
خاتمة: إرث رجل لم يخش شيئاً… إلا الملل
وأنا أغادر المنزل، أتذكر عبارة لتوين منقوشة قرب المخرج: « لم يسألوا أنفسهم إن كنت أضحك أم أبكي. ظنوا أنني أفعل الاثنين معاً ». هذا البيت هو ذلك: ضحكة تخفي دموعاً، روح حرة ترقص على أنقاض التقاليد.
صوري – الواجهة المتعالية، المكتب الملطخ بالحبر، طاولة البلياردو المنفردة – لن تلتقط أبداً روح هذا المكان. لكن ربما، حين أنظر إليها، سأشعر مجدداً برائحة الكتب القديمة، طقطقة النار في الموقد، وتلك الضحكة الخشنة التي لا تزال تتردد بين الجدران. توين لم يمت. إنه هناك، في مكان ما، يكتب نقشاً مضحكاً لشبحه.
ملاحظة: إذا مررت بهارتفورد، اسأل عن المرشد الأربعيني الأمرد وأرهف السمع: يُقال إن قطط توين لا تزال تُخرخر في العُلّية…
ملاحظة ثانية: عهدي بخلدي أنه لا ينام، لا يريحني و لا يستريح حتى و إن متعته بألذ ما جادت به قريحة الحياة من إبداع و من لحظات ماتعة.هل هي أحشاءي،أنا العربي، قُدّت من حزن أخرس لا ينفذ ؟هل هي عدم قابلية هيكلية بالسعادة و عدم جدارة جوهرية بالاإكتراث؟أرق ظاهره من جنس وجودي يبلغ مني حد التقيء الذي بلغه من « روكانتان » Roquentin حين راح يتأمل الشجرة و علاقتها بجذورها الضاربة في الأرض تحت رجليه .لكني أنا ، وأنا مجرد زائر في قبضة مزاره الألمعي توين ، من أي باطن يتسرب إليا ما لا يقبل التفوه إلا بلسان السياسة رغم عزوفي عنها و عن كل من يمارسها و يدعي أنه يحمل هما عربيا ، و هاجسا جمعيا و الكيان العربي أمسى قفا من غير وجه.
لا تيأس،صديقي القاريء، من طلاسمي : ستفهني حتى و أنا أحدثك من قفلي العربي…
في ظلِّ زحمةِ التاريخ والسياسة، حيث تعلو أصواتُ السلطةِ الغالبةِ وتُخلَّد أسماءُ الحُكّامِ بأحرفٍ من ذهبٍ على جدرانِ المؤسساتِ الرسمية، يبقى السؤالُ المُقلقُ: أينَ هي بصماتُ المبدعينَ العربِ الذينَ صنعوا عوالمَ من الخيالِ والإبداعِ تُخلَّدُ بعيدًا عن سلطةِ الراهنِ السياسيِّ؟ أينَ هي البيوتُ التي تُحَوَّلُ إلى متاحفَ تَروي حكاياتِ الأدباءِ والشعراءِ والفنانينَ الذينَ صنعوا وعيَ الأمةِ وجمالَها؟
لماذا لا نرى في بلادِنا العربيةِ منازلَ تُحَوَّلُ إلى مَقاماتٍ أدبيةٍ، تُخلِّدُ ذكرى أولئكَ الذينَ كتبوا الحياةَ بأحرفٍ من نورٍ، بعيدًا عن انتماءاتِ السلطةِ وأهوائِها؟ لماذا لا نجدُ بيتَ طه حسينَ أو جبران خليل جبرانَ أو نزار قبانيَ أو غادة السمانَ أو محمود درويشَ يُصبحُ مَزارًا لكلِّ عاشقٍ للأدبِ، كما أصبحَ بيتُ مارك توينَ مَزارًا للعالمِ كلِّه؟
هل نحنُ نفتقرُ إلى المبدعينَ؟ أم أننا نفتقرُ إلى الوعيِ بأهميةِ إرثِهم؟ أم أننا نُفضِّلُ أن نُخلِّدَ أسماءَ الحُكّامِ الذينَ يمرُّونَ كظلالٍ عابرةٍ، بينما ننسى أولئكَ الذينَ صنعوا لنا عوالمَ من الجمالِ والفكرِ والإنسانيةِ؟
مارك توينَ، بشاربهِ المُشعثِ وضحكتِهِ الساخرةِ، لا يزالُ حيًا في قلوبِ الناسِ لأنَّ إبداعَهُ تجاوزَ حدودَ الزمانِ والمكانِ. لم يكنْ ينتمي إلى سلطةٍ سياسيةٍ، بل كانَ ينتمي إلى سلطةِ الخيالِ، تلكَ السلطةُ التي لا تُقهَرُ ولا تزولُ. بينما نادرًا ما نجدُ من يتذكرُ اسمَ حاكمِ ولايةِ ميسوري في القرنِ التاسعَ عشرَ، فإنَّ اسمَ مارك توينَ يتردَّدُ في كلِّ زاويةٍ من زوايا العالمِ.
فلماذا لا نرى في بلادِنا العربيةِ منازلَ تُحَوَّلُ إلى متاحفَ تُخلِّدُ ذكرى المبدعينَ؟ هل نخشى أن نُخلِّدَ ذكرى من تحدَّوا السلطةَ بأقلامِهم؟ أم أننا نعتبرُ الأدبَ والفنَّ ترفًا لا يستحقُّ التخليدَ؟
أليسَ من واجبِنا أن نُعيدَ النظرَ في أولوياتِنا؟ أن نُخلِّدَ ذكرى أولئكَ الذينَ صنعوا لنا وعيًا وجمالًا، بدلًا من أن نُخلِّدَ أسماءَ من صنعوا لنا حروبًا ودمارًا؟
لنفكِّرْ معًا: ماذا لو أصبحَ بيتُ محمود درويشَ في رام اللهَ مَزارًا لكلِّ عاشقٍ للشعرِ؟ ماذا لو تحوَّلَ بيتُ جبرانَ في بشري إلى متحفٍ يروي حكايةَ رجلٍ صنعَ من الحروفِ عالمًا؟ ماذا لو أصبحَ بيتُ طه حسينَ في القاهرةَ مَزارًا لكلِّ طالبِ علمٍ؟
الأدبُ والفنُّ هما الذاكرةُ الحقيقيةُ للأممِ. فهل سنتركُ هذه الذاكرةَ تَضيعُ في زحمةِ التاريخِ والسياسةِ؟ أم أننا سنعملُ على إحيائِها، لتظلَّ خالدةً في قلوبِ الناسِ، كما خَلُدَ مارك توينَ؟
لنبدأْ من الآنَ. لنُخلِّدْ ذكرى مبدعينا، ليسَ لأنهم كانوا جزءًا من سلطةٍ، بل لأنهم كانوا صوتَ الحريةِ والجمالِ. لأنهم، مثلَ مارك توينَ، صنعوا لنا عوالمَ من الخيالِ لا تموت..

Related posts

إيران وقوة الامتناع عن الانكسار

الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان