المرآة الكاذبة: حينما تُصبح هزيمة الغرب مهرجاناً للطغاة

أولاً: التشخيص: إمبراطورية تفقد مرجعياتها

ضرب إيمانويل تود بيدٍ من حديد. في كتابه هزيمة الغرب، يفكّك الأنثروبولوجي بمنهجيةٍ دقيقة انحطاط حضارةٍ استيقظت ذات صباحٍ بلا روح. تشخيصه لا يقبل الجدل: البروتستانتية، تلك « مصدر انطلاق الغرب »، ماتت. لا في غيبوبة، لا في علاج ماتت فعلاً. احترقت حرقاً، حرفياً، إذ يختار ثمانون بالمائة من الأمريكيين الحرق الجنائزي

الزواج المثلي، التحول الجنسي، التفكك الاجتماعي: يرى فيها تود علامات « العدمية البنيوية »، تلك الصورة المكتملة لإنكار  الواقع حيث النُخب التقدمية تُدير ظهرها للجماهير لتعبدة الأقليات.

أصبح الغرب، في نظره، « صفراً ». صفراً لاهوتياً، صفراً ديمغرافياً، صفراً جيوسياسياً. حرب أوكرانيا ليست سوى كاشف: أمام روسيا « المستقرة » في قيمها التقليدية، تقدم الأطلسي مشهداً مأساوياً لآلة عسكرية بلا إيمان ولا قانون، تقودها « عاشقات الحرب » ببدلاتٍ وردية. يتنبأ تود بنصر روسي لا بدافعٍ أيديولوجي، بل بملاحظةٍ سريرية. المريض في مراحله الأخيرة.

ثانياً: احتفالٌ على الشرفة: حين يصفّق الجنوب للغرق

وإذا ببعض المثقفين، من الدار البيضاء إلى داكار، من بيروت إلى جاكرتا، يفركون أيديهم. أخيراً! المنافق! الواعظ! معلّم الدروس! الغرب الذي كان يعظنا بحقوق الإنسان يسقط في الفخاخ تباعاً. شبكات التواصل الاجتماعي تشتعل: « قالها تود، الغرب مات! » آلاف المشاركات، تعليقاتٌ منتشية، شادينفرود جماعي يجعل حتى أشرس كُتّاب روسيا اليوم يخجلون.

نفهم الجاذبية. عقوداً طويلة، مارس الغرب فعل الدركي العالمي بغطرسةٍ لا تُطاق. حروب إنسانية انتقائية، تدخلات اقتصادية، ازدواجيةٌ في خطاب حقوق الإنسان حسب ما إذا كان الديكتاتور حليفاً أو مزعجاً. تبدو هزيمة هذا « الواعظ » خلاصاً، استعادةً للتوازن الكوني. أخيراً، لا أحد ينظر إلينا من الأعلى!

ثالثاً: الفخ: حين تتشظى المرآة

لكن احذر. خلف هذه النشوة يختبئ سوء فهم جوهري، لا يفكّكه تود بنفسه بما يكفي. إذا كان الغرب في هزيمته، فماذا يحدث لسكان البلدان الاستبدادية الذين يفقدون حتى الحماية الرمزية — مهما كانت منافقة — لقوةٍ معيارية خارجية؟

تخيّل سجيناً في زنزانةٍ مظلمة. لسنوات، مرّ حارسٌ غربي أمام بابه، يلوّح بفانوسٍ خافت، يتمتم بمبادئ لا يطبّقها. كان مزعجاً، كان منافقاً، لكن هذه الضوء، مهما كان خافتاً، كان يمنع الجلادين المحليين من التوحش في الظلام. اليوم، يتعثر الحارس. يسقط فانوسه. والسجناء… يصفّقون؟

هذا بالضبط ما يجري. تلقت أوليغارشيات الخليج، الأنظمة العسكرية في أفريقيا، الأنظمة الاستبدادية في آسيا الوسطى هديةً غير متوقعة: نهاية المراقبة. لم يعد هناك خوفٌ من العزل الدولي، لا حاجةً لمحاكاة الإصلاحات لالغربلحفاظ على وصول صندوق النقد الدولي، لا داعي لإطلاق سراح بعض المعارضين من أجل الصورة مع السفير. مشغولٌ بالتخبّط في عديميته. لم يعد لديه الوقت، ولا المصداقية، ولا الاهتمام بالنظر إلى ما وراء حدوده.

رابعاً: نظرية الفراغ: حين يُخرج الشيطان القمامة

يصف تود ببلاغةٍ فائقة انفصال نُخب الغرب. لكنه يُقلّل من الانفصال المترابط الذي يجري في بقية العالم. فليس الحرية هي التي تحلّ محل الهيمنة الغربية — إنما الفراغ. فراغٌ أيديولوجي تملأه الأنظمة الاستبدادية بـ »إعادة تقدير القيم التقليدية » التي ليست في جوهرها سوى تبريرٌ للقمع.

روسيا بوتين لا تُقدّم نموذجاً اجتماعياً حراً بديلاً. تُقدّم نموذجاً للمجتمع المطيع، حيث الدولة تقمع باسم الحفاظ على القيم ضد « الانحطاط » الغربي. الاستبداد هو الرابح، لا التقليد. والأقليات — الدينية، السياسية — تصبح أولى ضحايا « تحرير » الأنظمة من كل قيدٍ أخلاقي خارجي.

يرى تود حقاً في انحطاط الغرب. لكنه يعمى عن عواقبه. تحليله يبقى أسيرَ منظورٍ جيوسياسيٍّ حيث لا تُحسب سوى مراكز القوى. لكن ماذا يحدث في الهامش، حيث الشعوب ليست أطرافاً في اللعبة الكبرى بل ضحاياَ جانبيين؟ هناك، « الصفر » الغربي لا يُحرّر أحداً. إنه يفكّ أقفال السجون.

خامساً: الخاتمة: الدرس غير المستفاد

التهليل لهزيمة الغرب، كالتهليل لحرق مركز الشرطة حين تعيش في حيٍّ بلا شرطة. نعم، الضابط كان فاسداً. نعم، كان ينتقى في اجتهاده. لكن الآن وقد خمدت النيران، من يحمي الضعفاء من الضواري؟

يحتاج الغرب، في تقدّماته وإخفاقاته، إلى تقويمٍ روحي أكثر مما يحتاج إلى انهيارٍ لن يُبقي على مُستضعفي هذا العالم بسبب الارتباطات المرضية لهذه الشعوب بطغاتها. فالشعوب المقهورة، في انبهارها المرضي بالقوة الغاشمة، تُعيد إنتاج استبدادها بأيديها، تُغلّفه برداءٍ من « المقاومة » و »السيادة » و »رفض الاستعمار »، بينما تُحكم عليها نفس القيود — بل أشدّ — في ظلّ غياب أي رقيبٍ خارجي.

السؤال الحقيقي ليس « من يربح بين واشنطن وموسكو؟ » بل « من يخسر و يدفع الثمن في كل مكان، حين تصبح الأخلاق العامة متغيّراً جيوسياسياً للتعديل؟ »

          الجواب، في صمتٍ أصمّ يملأ السجون، موجودٌ فعلاً. وهو لا يشبه النصر

بقلم عيسى محمدي

Related posts

إيران وقوة الامتناع عن الانكسار

الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان