فتح النقاش حول أصل الشر ليس جديدًا، لكن الجديد – والخطير – هو الخلط بين مستويات السؤال، وتحويل إشكال ميتافيزيقي عميق إلى محاكمة أخلاقية انفعالية للوجود، ثم إلباس هذا الاحتجاج لباس الفلسفة
تعقيب الأخ عبدالمجيد بن محمد ينطلق من إحساس إنساني مفهوم: النفور من الشر، والاشمئزاز من المعاناة، ورفض الإبادة والوحشية. لا خلاف في هذا. لكن الإشكال لا يكمن في الإحساس، بل في الاستدلال. فليس كل ما يُشعرنا بالألم يصلح أن يكون أساسًا نظريًا.
من أين يأتي الخلط؟
التعقيب يجمع – دون تمييز – بين ثلاثة أسئلة مختلفة جذريًا:
هل الشر موجود؟ (سؤال وصفي)
من المسؤول عنه؟ (سؤال أخلاقي)
هل وجوده ينقض فكرة الإله؟ (سؤال ميتافيزيقي)
هذه الأسئلة لا تُجاب بمنطق واحد. رينيه غينون، في نصه المبكر «الديميورج» الذي افتتح به Mélanges، يبيّن أن مأزق الفكر الحديث يكمن تحديدًا في هذا الخلط: نقل الإشكال من مستوى المبدأ إلى مستوى الظاهرة.
هل الشر متأصل في الطبيعة البشرية؟
السؤال المركزي في التعقيب هو: إذا كان الشر متأصلًا في طبيعتنا، فكيف نُحاسَب عليه؟
هذا السؤال يفترض مسبقًا أن الشر جوهر أو طبيعة. وهذا هو الخطأ الأول.
في المنظور الميتافيزيقي التقليدي – سواء عند ابن سينا أو عند غينون – الشر ليس جوهرًا ولا أصلًا. ابن سينا حين يقول إن « الخير أصل والشر استثناء » لا يتكلم لغة الوعظ، بل لغة الوجود: الشر ليس إلا نقصًا في التحقق، خللًا في التعيّن، لا كيانًا قائمًا بذاته.
غينون يذهب أبعد: الشر ليس حتى «شيئًا ناقصًا»، بل وهم ناتج عن التجزئة. ما نسمّيه شرًا لا يظهر إلا حين نفصل الجزئي عن الكلي، والنسبي عن المطلق. من منظور الوحدة، لا وجود لشر ولا لخير، بل للكمال.
تحميل الله المسؤولية: مغالطة مركزية
ينتقل التعقيب سريعًا إلى نتيجة خطيرة: بما أن الله خلق الكون والإنسان، فهو المسؤول عن مصير البشرية.
هذا الانتقال غير مشروع فلسفيًا.
المسؤولية الأخلاقية لا تُنسب إلا لفاعل واعٍ ضمن مجال الفعل. الله – في التصور الميتافيزيقي – ليس فاعلًا داخل العالم، بل مبدأ العالم. الخلط بين المبدأ والفاعل التاريخي هو إسقاط أنثروبومورفي فجّ.
غينون يرفض هذا المنطق من أساسه، لأن تصور الإله كـ«فاعل أخلاقي» هو أصل الإشكال، لا حله. الإله ليس شخصًا أكبر حجمًا، ولا قاضيًا كونيًا يتدخل في تفاصيل الوقائع.
الديميورج: ليس شيطانًا بل وظيفة
حين يُسأل: لماذا يوجد الشيطان؟ لماذا يوجد الشر؟
فهذا السؤال يفترض أن الشر كيان موضوعي مستقل. وهنا يأتي تصحيح غينون الجذري: الديميورج ليس إلهًا شريرًا، ولا قوة كونية مستقلة، بل وظيفة ناتجة عن الإرادة الفردية حين تنفصل عن المبدأ.
الشيطان، في هذا المعنى، ليس شخصًا، بل قانون الانفصال. هو نتيجة الرغبة في الاستقلال، في التمركز حول الأنا، في تمييز «أنا» مقابل «الكل».
بعبارة أخرى: الإنسان لا يعاني من الشر لأنه ضحية قوة خارجية، بل لأنه ينتج مجال الشر بإصراره على التجزئة.
الاحتجاج على المعاناة: من الفلسفة إلى الانفعال
القول إن الشر لا يُطاق، وإن دعوات البشر لم تُستجب، هو تعبير مفهوم نفسيًا، لكنه لا يؤسس نظرية.
المعاناة تجربة، لا برهان.
غينون لا ينكر المعاناة، لكنه يرفض تحويلها إلى معيار للحقيقة. الحقيقة لا تُقاس بدرجة الألم، وإلا صرنا أسرى للانفعال.
التناقض القاتل: النسبية الأخلاقية والاحتجاج
في خاتمة التعقيب، يقع التناقض الأكبر: يقال إن الخير والشر مفهومان أخلاقيان بشريان نسبيان، ثم يُسأل: ما الحاجة إلى الله إذن؟
لكن إذا كان الخير والشر نسبيين، فلا معنى للاحتجاج أصلًا. لا إبادة تُدان، ولا وحشية تُستنكر، بل وقائع مختلفة التقييم.
النسبية الأخلاقية تُبطل السؤال بدل أن تجيب عنه.
غينون يحسم المسألة: الأخلاق لا تكون ذات معنى إلا داخل المجال الديميورجي، أي مجال الفعل النسبي. لكنها لا تصلح معيارًا للحقيقة الميتافيزيقية.
الخلاصة: الشر ليس لغزًا بل نتيجة
الشر، في منظور غينون، ليس لغزًا يحتاج تفسيرًا، ولا فضيحة كونية، بل نتيجة حتمية لاتخاذ الجزء بديلاً عن الكل.
ليس السؤال: لماذا يوجد الشر؟
بل: لماذا نُصرّ على البقاء في المستوى الذي يظهر فيه الشر؟
الفرق جوهري. الأول احتجاج، الثاني مساءلة ذاتية.
والدين – خلافًا لما يُفهم – لا يأتي ليشرح الشر، بل ليُشير إلى سبيل الخروج من مجاله. من يطلب من الدين تبرير العالم، فقد أساء فهم الدين والعالم معًا.
هنا ينتهي الجدل، لا لأن السؤال أُغلق، بل لأن مستواه تغيّر.
خاتمة استفزازية
ليس أخطر من الشرّ نفسه سوى الاستمتاع بالاحتجاج عليه دون الاستعداد لتفكيك شروط ظهوره. فالسؤال عن أصل الشر، حين يُطرح من داخل المنظور نفسه الذي يُنتجه، لا يكون بحثًا عن الحقيقة بل إعادة تدوير للألم في صيغة أخلاقية عالية الصوت.
من يحمّل الله مسؤولية الشر، إنما يفعل ذلك لأنه يريد الاحتفاظ بمركزية الأنا: أن يبقى قاضيًا، وضحية، ومدّعيًا في آن واحد. ومن ينفي المرجع المتعالي باسم النسبية، ثم يصرخ في وجه الوحشية، إنما يريد أخلاقًا بلا ثمن، وإدانة بلا أساس.
رينيه غينون يزعج لأنه يقطع هذا الطريق المريح: لا يُبرّر الشر، ولا يُدينه، بل يكشفه بوصفه نتاجًا لاختيار مستوى الوجود. الشر لا يُحارَب بالخطب، ولا يُلغى بالاحتجاج، بل يُتجاوز بتغيير زاوية الرؤية.
أما الإصرار على البقاء في أفق الشكوى، فهو في حد ذاته موقف ميتافيزيقي، وإن لم يُسمَّ كذلك: موقف من اختار الديميورج، ثم غضب من قوانينه.
والسؤال الحقيقي، الذي يُؤجَّل دائمًا، ليس: لماذا يسمح الله بالشر؟ بل: لماذا نرفض مغادرة المستوى الذي لا يظهر فيه إلا الشر؟
بقلم عيسى محمدي