الشرّ ليس ما تظنّه: قراءة غينونية ( الشيخ عبدالواحد يحي) لعالم الكثرة

ليس من السهل مقاربة مسألة الديميورج* والشر في فكر الشيخ عبدالواحد يحي( رينيه غينون) دون الوقوع في أحد فخّين شائعين: إمّا التبسيط الأخلاقي الذي يحوّل المسألة الميتافيزيقية إلى احتجاج إنساني مشروع لكنه سطحي، أو التقديس العقائدي الذي يجعل من أطروحة غينون جوابًا نهائيًا مغلقًا، كأنّ السؤال قد استُنفد وانتهى. والحال أنّ قوة هذه الرؤية، ومصدر إزعاجها في آن، يكمنان في هذا «الكلير–أوبسكور» الفكري: وضوح مبدئي يجاوره عتمٌ عنيد، لا بوصفه نقصًا، بل باعتباره شرطًا من شروط العمق.

في المنظور التقليدي كما صاغه غينون، لا يُفهم الشر باعتباره مبدأً قائمًا بذاته، ولا كقوة ميتافيزيقية تنافس الخير أو الإله، بل بوصفه نتيجة حتمية للانفصال، للابتعاد عن المركز، للانغماس في عالَم التعدّد والكثرة. هنا يظهر مفهوم الديميورج لا باعتباره «شيطانًا» بالمعنى اللاهوتي الشعبي، بل كرمز كوني لمستوى من الوجود يحكمه القيد، والزمان، والتعيّن، والتشظّي. إنّه الحاكم الفعلي لعالَم الظواهر، لا لأنه شرير في ذاته، بل لأنه يحكم بما يليق بالمستوى الذي يحكمه.

هذه النقطة بالذات هي ما تظلّ غائبة أو مُشوَّهة في معظم المعالجات الحديثة لمسألة الشر. فالخطاب الوجودي، منذ كيركغارد مرورًا بسارتر وصولًا إلى كامو، ينطلق من تجربة إنسانية صادقة، لكنها محبوسة داخل الأفق الإنساني المحض. الشرّ هنا يُختزل إلى العبث، واللاجدوى، والصمت الإلهي، وتُرفع معاناة الإنسان إلى مرتبة الحقيقة القصوى. سيزيف، في قراءته الكاموية، بطلٌ لأنه يواصل الدفع رغم عبث المهمة، لا لأنه أدرك موضع الصخرة في سلّم الوجود.

المنظور الغينوني يقلب السؤال رأسًا على عقب. لا يسأل: لماذا العالم قاسٍ؟ بل: في أي مستوى من الوجود نطرح هذا السؤال؟ لا يحتجّ على الألم، بل يضعه في سياقه الكوني. وهذا ما يجعل هذا الفكر عصيًا على التلقّي السريع: لأنّه لا يمنح عزاءً نفسيًا، ولا يقدّم بطولة أخلاقية، بل يطالب بتحوّل في زاوية النظر. الشرّ، في هذا الأفق، ليس فضيحة كونية، بل علامة على المسافة التي تفصل الكثرة عن الوحدة.

ومع ذلك، فإنّ الاعتراف بقوة هذا التصوّر لا يعني إنكار حدوده. فغينون، في صرامته الميتافيزيقية، يترك سؤال المعاناة الإنسانية في منطقة توتّر صامت. صحيح أنّه يرفض تحويل الألم إلى حجّة ضد المطلق، لكنّه في المقابل لا يقدّم لغة وجودية تُخاطب الإنسان الممزّق في الداخل. وهنا بالتحديد تنفتح المساحة التي تجعل هذا الموضوع حيًّا ومفتوحًا للاجتهاد، لا مغلقًا على تكرارٍ مدرسيّ.

من هذه المساحة بالذات، يمكن إدخال اللمسة الصوفية بوصفها جسرًا لا نقيضًا. فحين يتحدّث ابن عربي عن وحدة الوجود، لا ينفي التعدّد الظاهري، بل يكشف عن مستواه الحقيقي. الشرّ، في هذا الأفق، ليس إلا حجابًا من حُجُب التجلّي، ولا يُفهم إلا داخل جدلية الظاهر والباطن. إنّه واقع على مستوى، ومتجاوز على مستوى آخر، دون تناقض، ودون إنكار.

وهنا يظهر الفارق الجذري بين هذا المنظور وبين المعالجات السطحية التي تكتفي بإدانة الشر أو تبريره أو تحويله إلى لغز أخلاقي أبدي. الفكر التقليدي، كما عند غينون، لا يهرب من السؤال، لكنه يرفض طرحه خارج شروطه. إنّه فكر يزعج لأنه يطالب الإنسان بأن يعترف بموقعه، لا بأن يُنصّب نفسه معيارًا للكون.

في هذا السياق، لا يعود السؤال الحقيقي: لماذا يوجد الشر؟ بل: ما الذي يجعلنا نُصِرّ على قراءة العالم من أدنى مستوياته؟ ولماذا نطلب من المطلق أن يخضع لمنطق الجزئي؟ إنّ الاحتجاج الأخلاقي، حين ينفصل عن الرؤية الميتافيزيقية، يتحوّل إلى شكل آخر من أشكال التمركز حول الذات، مهما بدا نبيلاً في ظاهره.

لقد كان الأمير عبد القادر الجزائري، في ذروة تجربته الروحية، واعيًا بهذا التوتر. حين نُقل عنه قوله: «لو كُشف لي الحجاب ما ازددت يقينًا»، لم يكن يعبّر عن بلادة روحية، بل عن وعي بوحدة المشهد خلف كثرة الصور. تلك هي النقطة التي يلتقي فيها غينون، من حيث لا يقصد، مع كبار العارفين: حيث لا يعود الشرّ لغزًا أخلاقيًا، بل علامة طريق.

يبقى هذا الطريق مفتوحًا. لا للكسل الفكري، ولا للرضا السهل، بل للاجتهاد العميق الذي يجمع بين الصرامة الميتافيزيقية والحساسية الروحية. إنّ التفكير في الديميورج، وفي الشر، وفي موقع الإنسان بينهما، ليس تمرينًا نظريًا، بل امتحانًا لمستوى الرؤية ذاته.

وهكذا، لا ينتهي السؤال، بل يتطهّر. ولا تُلغى العتمة، بل تُدرَك بوصفها ظلًّا للنور. وفي هذا الإدراك وحده، ربما، يكمن المعنى الأعمق لما سمّاه ابن عربي «وحدة الوجود»، حيث لا يُنفى شيء، بل يُعاد كلّ شيء إلى أصله

بقلم عيسى محمدي

______________________:

*:تنبيه اصطلاحي أخير، الدميورج*

حين يُستعمل في هذا المقال لفظ الديميورج، فلا يُراد به كائنٌ شخصي، ولا مبدأٌ شيطاني، ولا ندٌّ للإله على نحو ما توهّمت بعض القراءات الغنوصية أو السجالات اللاهوتية المتعجلة. إنّ المقصود هو ما يمكن تسميته، على نحوٍ تقريبي، بالصانع الكوني المقيَّد: أي مبدأ الفعل والتشكيل في مستوى الوجود المتعيّن، حيث الزمان، والتعدّد، والحدود. إنّه رمز لمستوى من التدبير لا يطال المطلق، ولا يصدر عنه الشرّ بوصفه قصدًا، بل بوصفه أثرًا لازمًا للانفصال عن المركز. بهذا المعنى، لا يكون الشرّ جوهرًا ولا لغزًا أخلاقيًا، بل علامة ميتافيزيقية على بُعد المسافة بين عالم الكثرة وأفق الوحدة. ومن هنا، فإنّ الإشكال لا يُحلّ بإدانة العالم، ولا بتمجيد العبث، بل بإعادة النظر في مستوى القراءة نفسه. فالظلمة لا تُفهم إلا من جهة النور الذي تحجبه، لا من ذاتها

Related posts

إيران وقوة الامتناع عن الانكسار

الدولة والمعنى المفقود: من نقد الحداثة السياسية إلى مساءلة العجز الإسلامي

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان