البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

Home عيسى محمديالبابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

by عيسى محمدي
62 views

البابا، أوغسطين، ومحامي « النوستالجيا » الاستعمارية: ردٌّ على برنارد لوغان

بقلم: عيسى محمدي

يبدو أن الإعلان عن زيارة حبرية محتملة للأراضي الجزائرية، على خطى القديس أوغسطين، قد أيقظ شياطين تأريخ صداميّ لا يزال حبيس الماضي. فقد خرج علينا برنارد لوغان، أحد أبرز وجوه الفكر الهوياتي اليميني ومنظر « أفريقيا المجزأة »، بتقرير اتهاميّ كان متوقعاً في خلفياته وأهدافه.

وتحت قلم رجلٍ لم يغفر للتاريخ قط طيَّ صفحة عام 1962، تتحول الزيارة البابوية إلى ذريعة لإعادة تدوير أحقاد دامت ستة عقود. فوراء الصرامة الظاهرية لـ « أسبابه الخمسة »، تختفي رغبة جلية في تسميم أي محاولة للتقارب بين ضفتي المتوسط، باسم رؤية جامدة واستعمارية للعالم.

1. سراب « التطهير »: قراءة عوراء للتاريخ

يفتتح لوغان لائحة اتهامه باستعمال مصطلح « التطهير العرقي » لوصف رحيل الأوروبيين عام 1962. وهذا تلاعب لغوي فجّ، حيث يخلط بين تصفية الاستعمار وبين « عنصرية الدولة ». إن رحيل الكاثوليك لم يكن نتيجة مخطط إبادة، بل كان الثمن المأساوي لانهيار نظام استيطاني كانت منظمة الجيش السري (OAS) بممارستها لسياسة الأرض المحروقة، حفار قبره الأول. إن الزعم بأن الجزائر « طردت » مسيحييها هو تناسٍ لكون الوضع الاستعماري هو الذي كان يشرعن وجودهم، وليس كراهية ميتافيزيقية لعقيدتهم.

2. مفارقة أوغسطين: السيادة المعرفية

إن الحجة الأكثر كشفاً لنوايا لوغان تتعلق بـ « النفاق » المزعوم للجزائر بصفتها « حارسة تراث أوغسطين ». بالنسبة لهذا الأيديولوجي، ينتمي أوغسطين للغرب لأنه مسيحي، بينما بالنسبة للجزائر، ينتمي لأفريقيا لأنه « نوميدي ».

هنا تبرز معركة السيادة المعرفية. فمن خلال منازعة الجزائر في حقها في الاحتفاء بابن « طاغاست »، يحاول لوغان الإبقاء على « حجز فكري » على ماضينا. إنه يرفض حق الجزائريين في دمج عمقهم التاريخي السابق للإسلام ضمن « كتلة تاريخية » منسجمة. إن استعادة أوغسطين ليست « خداعاً للمغفلين »، بل هي تأكيد على أن الهوية الجزائرية ليست لوحة بيضاء ولدت في 1830 أو 1962، بل هي تراكمات ألفية نحن ورثتها الشرعيون.

3. « الذمية » أم أخلاقيات الحوار؟

يتهم الكاتب الكنيسة في الجزائر بـ « الذمية الطوعية »، وهو مصطلح أثير لدى الأوساط العنصرية يهدف لتحويل موقف الاحترام المتبادل والزهد الإنجيلي إلى « خنوع ». ما لا يطيقه لوغان هو وجود كنيسة تخلت عن منطق « الغزو » واختارت منطق « الأخوّة ». إنه يتحسر على زمن الكنيسة التي كانت « الذراع الروحي » للإمبراطورية، ويزدري كنيسة الحوار التي ترفض أن تكون « جسماً غريباً » أو أداة للتدخل. إن « الموت الاجتماعي » الذي يتحدث عنه هو محض خيال سجالي يتجاهل واقع التبادلات الفكرية والإنسانية التي لا تزال تروي حواضرنا.

4. جيوسياسة الضغينة

أخيراً، فإن دهشة لوغان من اختيار الجزائر — على حساب دول أخرى — تفضح مقصده الحقيقي: الهدف ليس الدفاع عن المسيحيين، بل معاقبة الجزائر على مسارها السيادي. ومن خلال توظيف مسألة الكنائس المحولة — وهي ظاهرة مألوفة في تاريخ المتوسط من قرطبة إلى القسطنطينية — يسعى لإبقاء الجزائر منبوذة من « حضارة » نصب نفسه جمركياً عليها.

الخاتمة: من أجل متوسط الكرامة

إن نص برنارد لوغان ليس تحليلاً، بل هو عملية تخريب للذاكرة. إنه يريد منع الجزائر والفاتيكان من بناء جسر فوق خندق الحروب الماضية.

وأمام خطاب « السمّ » هذا، تظل شخصية القديس أوغسطين — البربري، الأفريقي، والعالمي — خير حصن لنا. فتراثه ليس غنيمة حرب للمحنّين للاستعمار، بل هو ركيزة لعلاقة جديدة تقوم على الوعي التاريخي الراديكالي والكرامة المشتركة. الجزائر لا تستقبل البابا « نادمَة »، بل تستقبله كأمة سيدة، مدركة أن عالميتها تمر عبر استعادة كافة جذورها.

عيسى محمدي

You may also like

Leave a Comment

error: Content is protected !!
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00