حين يصبح الماضي ملاذًا: الهوية بوصفها بديلًا عن المستقبل

Home عيسى محمديحين يصبح الماضي ملاذًا: الهوية بوصفها بديلًا عن المستقبل

حين يصبح الماضي ملاذًا: الهوية بوصفها بديلًا عن المستقبل

by عيسى محمدي
167 views

كان هناك زمنٌ وُجِّه فيه اللوم إلى العالم العربي لعجزه المزمن عن الخروج من أسر ماضيه. فبعد رحيل جمال عبد الناصر وتفكك السردية القومية العربية الكبرى، ارتفعت أصوات فكرية — في معظمها صادقة — تُحمِّل المجتمعات العربية وزرَ ماضويةٍ مُعطِّلة: بغداد وبيت الحكمة، دمشق الأموية، القيروان الأغلبية. أمجاد حقيقية، موثَّقة، لا خلاف عليها، لكنها تحولت إلى ملجأ نفسي. قيل يومها: الماضي ليس مشروعًا. ولم يكن القول بلا وجاهة.

غير أن للتاريخ نزعاتٍ انتقامية دقيقة. فما وُجِّه بالأمس من نقدٍ لغيرنا، أصبح اليوم — في بعض المجتمعات ما بعد الاستعمار — عقيدةً ضمنية: لم نعد نعيش على ماضٍ حقيقي فحسب، بل بتنا نلوذ بماضٍ مُعاد التركيب، هشٍّ، عاطفي، تقريبي، بل ومُتخيَّل أحيانًا.

في بلدٍ عانى من استعمارٍ استيطاني دمَّر الأرشيفات، وقطع السلالات النخبوية، ونسف الاستمرارية الرمزية، يصبح التعامل مع التاريخ بطبيعته هشًّا. حيث تغيب الوثيقة، يتكاثر السرد. وحيث يصمت الأثر، يعلو الخيال. وحين يثقل الحاضر بتحدياته، تتحول العصور السحيقة — الحقيقية منها أو المفترضة — إلى قيمةٍ تعويضية مريحة.

وهنا تحدث الانعطافة الأيديولوجية المعروفة: تتحول الهوية من إرثٍ حيٍّ إلى مطلبٍ سياسي. لم تعد أداة وصل، بل أداة تمييز؛ لم تعد مجال التقاء، بل منطق تفريق. لم يعد النقاش يدور حول الإنتاج، أو المدرسة، أو العلم، أو الاقتصاد، بل حول الأسبقية الرمزية، والنسب المفترض، ونقاء السرد.

وهذه الظاهرة ليست محلية ولا جديدة. إنها تستعير، إلى حدٍّ بعيد، عدساتٍ تفسيرية وُلدت في مجتمعات غربية تعاني أزمة تماسك، حيث استُبدل الصراع الاجتماعي الكلاسيكي بتفتيتٍ هوياتي دائم. وحين تُسقَط هذه العدسات إسقاطًا آليًا على سياقات تاريخية مختلفة، فإنها لا تنتج إلا صراعات رمزية بلا حلول، تُزيح خطوط التوتر الحقيقية لتزرع مكانها نزاعات وهمية.

غير أن التاريخ الجادّ يأبى هذه الاختزالات. فمجتمعات شمال إفريقيا — كسائر المجتمعات العريقة — هي حصيلة طبقات متراكبة، وحركات بشرية، وتداخلات لغوية ودينية وثقافية. لغاتها متعددة، ولهجاتها متنوعة، واستمرارياتها معقدة. وكل محاولة لتجميد هذا التعقيد في هويةٍ صماء لا تنتمي إلى العلم، بل إلى الأيديولوجيا.

وتكفي الإشارة إلى التجارب اللغوية المعاصرة لفهم المأزق. فقد كشفت سنوات من “الهندسة المؤسساتية” حدودَ محاولات توحيد اصطناعي لألسنٍ متباينة. ولم يكن الإخفاق لغويًا — فاللغات تحيا دون مراسيم — بل سياسيًا: جرى الخلط بين اللغة كواقع اجتماعي واللغة كأداة سلطة رمزية. وحين بدأ الاعتراف الضمني بهذا الإخفاق، استمر الخطاب التعبوي، لأن الهدف لم يكن اللغة ذاتها، بل إعادة تشكيل المجال الرمزي الوطني.

وفي الأثناء، بقيت الاستعجالات الحقيقية قائمة. فالحضارات المعاصرة الكبرى تقدم دروسًا واضحة. الصين تُعلِّم أبناءها سورها العظيم واكتشاف البارود، لكن بوصلتها اليوم هي التنمية والصناعة والقوة التكنولوجية. الهند تُجلّ نصوصها القديمة دون أن تجعلها بديلًا عن سياستها الاقتصادية. أما مصر، صاحبة أعرق حضارة موثقة عرفها الإنسان، فتنتج السينما والأدب والمعرفة — بلغةٍ حيّة، لا بلغةٍ متحفية.

ومن هنا يبدأ الاستشراف.

على المدى المتوسط، يُنذر هذا الاندفاع الهوياتي بإنتاج نتيجتين واضحتين، وإن جرى تجاهلهما عمدًا. الأولى هي نشوء منافسة لغوية مصطنعة وعقيمة. فمن جهة، لغة وطنية ورسمية توقفت، بشكل غير طبيعي، عن الصعود نحو مسارات التميز الأكاديمي، وهجرتها النخب الصاعدة لا ازدراءً ثقافيًا، بل لانعدام الآفاق الرمزية والمؤسساتية المُجزية. ومن جهة أخرى، مشروع لغوي رُفع إلى مقام الشعار السياسي، لكنه يصطدم بعجزٍ بنيوي حين يُراد له أن يكون لغة علم، وتعليم، وانفتاح على العصر. ومن هذا الانسداد تولد تلقائيًا “حلول” زائفة: اللجوء المتزايد إلى لغة ثالثة تُقدَّم بوصفها محايدة وعملية. غير أن حجة هذه اللغة بوصفها الوعاء الحصري للعلم والحداثة تآكلت مؤخرًا، بعدما أربكها صعود لغة عالمية أخرى، كاشفًا أن المشكلة لم تكن علمية ولا بيداغوجية، بل رمزية وأيديولوجية في جوهرها.

أما النتيجة الثانية، والأشد تآكلًا، فتتعلق بالكتابة ذاتها. فالإصرار المتنامي على حصر هذا المشروع اللغوي في الحرف اللاتيني، مع الرفض الصاخب لأي نظام كتابي آخر قابل تاريخيًا وثقافيًا للتشارك، لا يُفهم بوصفه خيارًا تقنيًا، بل إشارة سياسية صريحة. فحيث كان يمكن للكتابة أن تكون جسرًا، تتحول إلى علامة فصل. وهذا الرفض الممنهج لأي وساطة كتابية مشتركة، مقرونًا بإقصاء نظام كتابي تتقنه الأغلبية، لا يمكن إلا أن يعمّق الفتور ويؤسس، مع الزمن، لتعايشٍ بارد بدل عيشٍ مشترك واعٍ.

والحقيقة أن التاريخ المعاصر هو تاريخ التكتلات. الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الكتل الآسيوية: لم يُنكر أيٌّ منها تنوعه الداخلي، لكنه أدرك أن تجاوزه استراتيجيًا شرط للبقاء. فالوحدة ليست نفيًا للاختلاف، بل توتيرًا منتجًا له.

وعلى النقيض، فإن تقديس الخصوصيات يقود إلى الجمود. يُثقل البنية الاجتماعية، ويضاعف النزاعات الثانوية، ويُبقي الطائرة رابضة على المدرج فيما الآخرون يقلعون.

ليست المسألة إذن من سبق من، ولا أي سردية تستحق تمثالًا. السؤال الحقيقي — القاسي والملحّ — هو: كيف نحول ذاكرةً مجزأة إلى مستقبلٍ مشترك؟ كيف ننتقل من انفعال الهوية إلى عقلانية السياسة؟ وكيف نغادر الأسطورة إلى الاستراتيجية؟

خاتمة

الأمم لا تموت دائمًا بالفقر أو بالهيمنة الخارجية. بعضها يتصلب ببطء، من فرط ذاكرة غير مهضومة، ومن شحّ مشروع جامع. وحين تنشغل أمةٌ بلا نهاية بماضيها بدل التفاوض على مستقبلها، فهي لا تُكرم التاريخ — بل تُهدر الزمن.

You may also like

Leave a Comment

error: Content is protected !!
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00