I |’ ‘! / ‘ في صباح يوم عيد الفطر المبارك، وجدت نفسي أتجول في حي غرنيتش-فلايج العريق بمانهاتن ، حاملاً معي شوقي لروح شاعر عاش بين ثقافتين ومات بين لغتين.
سرت على غير هدى حتى وصلت إلى تلك الساحة العامة حيث ينتصب تمثال جبران خليل جبران، نحته الفنان بإتقان على نصب رخام عاجي اللون، وكأنه يستعد لإلقاء خطبة على جمهور غائب.
وقفت أمام النصب التذكاري وحيداً في ساعة مبكرة من الصباح، لم يكن هناك أحد سواي. تأملت ملامحه المحفورة بعناية، عينيه الغائرتين المليئتين بالحكمة والألم معاً، وجهه الناتئ من النصب، متدفق منه كعرجون وقار ،بملامح كأنها يد نبي مفتوحة للعطاء. بدا وكأنه يدعوني للإصغاء.
جلست على المقعد الحجري المقابل للتمثال، وأغمضت عيني للحظات. كنت أسمع أصوات المدينة البعيدة، لكنني شعرت بسكون غريب يلف المكان. وفجأة، كأن نسيماً عابراً حمل إلى مسامعي همساً لم يكن صوتاً بقدر ما كان أفكاراً تتسلل إلى وعيي. كانت الوشوشة تتحول إلى كلمات واضحة، كأن روح جبران ذاتها تخاطبني، متجاوزة الزمان والمكان، لتنقل رسالة لم يقلها في حياته، لكنها امتداد لروحه المتمردة، لفكره النافذ / | / 1، لنظرته الثاقبة التي تتجاوز عصرها:
نزل من خلوته ،خلتها جبال الأرز، وقف على صخرة تطل على وادي قاديشا ، ثم رفع صوته في الناس قائلاً:
أيها الشعب الذي ينام على أمجاد الماضي ويستيقظ على جراح الحاضر، اسمع كلماتي واحفرها في روحك قبل أن يحفرها الزمن بإزميل الندم.
رأيت في رؤياي أمة عريقة تعبد لغتها وتنسى لغة العصر، تقدس خطها وتهمل خط المستقبل
أيها الباحثون عن الخلود في قصائد الحماسة، هل تعلمون أن المجد الحقيقي ليس في تصفيق الحناجر، بل في صمت المختبرات؟
الحق أقول لكم:
إن سنابل المعرفة لا تنمو في حقول الشعر، بل في مزارع السيليكون.
اليوم، لا يقاس عمق الأمة بعمق تاريخها، بل بعمق معادلاتها. ولا تقاس قوتها بعدد شهدائها، بل بعدد علمائها.
ما أشبه حالكم اليوم بقبيلة تتباهى بسيوفها أمام جيش يملك طائرات بلا طيار!
أيها المفتونون بالكلمة الجميلة، هل تعلمون أن الكلمة وحدها لا تصنع حضارة، وأن البلاغة لا تبني مجداً، وأن الشعر لا يحمي حدوداً؟
أتبكون على أطلال ممالك زالت، وتنسون أن تبنوا ممالك الغد؟ أتحفظون قصائد المتنبي، وتجهلون نظريات فاينمان؟
رأيتكم ترقصون حول أصنام الكلمات، بينما العالم يرقص على إيقاع الخوارزميات.
أيها الباكون على القدس، هل تعلمون أن طريق القدس لا يمر عبر خطب الجمعة، بل عبر مختبرات الفيزياء؟
سألت طفلاً غربياً: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ قال: مخترعاً يغير وجه الأرض.
وسألت طفلاً شرقياً: ماذا تريد أن تكون؟ فقال: شهيداً يدخل الجنة.
فقلت في نفسي: أمة تربي أبناءها على الموت، كيف تنتظر منهم أن يصنعوا الحياة؟
الحق أقول لكم:
إن الشهادة الحقيقية ليست في الموت من أجل وطن، بل في الحياة من أجل بنائه.
أيها الساجدون في محاريب التاريخ، انظروا إلى الأمم من حولكم: بنت حضارتها على ألواح السيليكون، فأصبحت تملك مصيرها ومصيركم معاً.
لو أن كل قطرة دم سالت على ترابكم تحولت إلى ساعة في مختبر، لكنتم اليوم سادة الأرض وليس عبيدها.
آباؤكم بنوا حضارة على الأرقام والحساب والجبر، فماذا بنيتم أنتم سوى أهرامات من الكلمات الجوفاء؟
في زمن العبيد، كان السوط يصنع التاريخ. وفي زمن الفرسان، كان السيف يصنع التاريخ. أما اليوم، فالمعادلة الرياضية تصنع التاريخ.
الأمم لا تنتصر بعدد القتلى، بل بعدد براءات الاختراع. والحروب لا تربح بشجاعة المقاتلين، بل بذكاء المهندسين.
أيها الصارخون « الله أكبر »، هل تعلمون أن الله أعطاكم عقولاً لتفهموا آياته في الكون، لا لتحفظوها فقط في الكتب؟
هل تعلمون أن المصحف الأول هو الكون بمجراته وذراته؟ وأن قراءته لا تكون بالتلاوة، بل بالتجربة والاختبار؟
سألت حكيماً شرقياً: لماذا تكرهون الغرب؟ قال: لأنه استعمرنا وسرق ثرواتنا.
فقلت له: ألم تسألوا أنفسكم كيف استطاع أن يفعل ذلك؟
الكراهية لا تبني حضارة، والحقد لا يخترع صاروخاً، واللعنات لا تصنع دواءً.
أيها الشعب الذي يعبد الماضي، انظر إلى أطفالك: إما أن تزرع في عقولهم بذور العلم، أو ستزرع الأقدار في قلوبهم سيوف الهزيمة.
ما أعجب أمة تطلب النصر من السماء، وتنسى أن تصنعه على الأرض!
لو كان النبي محمد (صلوات الله عليه) بينكم اليوم، لقال: « اطلبوا العلم ولو في الفضاء ». ولو كان المسيح (عليه السلام) معكم، لقال: « ليس بالإيمان وحده تحيا الأمم، بل بكل نظرية تخرج من فم العالِم ».
هل تعلمون أن المعجزة الحقيقية ليست في انشقاق البحر، بل في فهم قوانين الفيزياء التي تجعل البحر ينشق؟
أيها الساجدون للقدر، هل تدركون أن القدر الحقيقي يصنعه من يفهم سنن الكون، لا من ينتظر تغييرها؟
صلاتكم لا تبني مستقبلاً، ما لم تتحول إلى معادلات على ألواح السيليكون.
أحلامكم لن تتحقق بالدعاء، بل بأنامل تعزف على لوحات المفاتيح لحن العصر الجديد.
الأمم العظيمة لا تصنع مجدها بالكلام، بل بالعمل الصامت في محاريب العلم.
ألم تسألوا أنفسكم لماذا تخسرون معارككم؟ لأنكم تجيدون صناعة الشهداء، وتجهلون صناعة العلماء.
أيها الشعب المغروس في تراب الماضي، اقتلع جذورك من أرض الأجداد وازرعها في تربة المستقبل.
لا أدعوك لنسيان هويتك، بل لتجديدها. لا أدعوك لترك دينك، بل لفهمه بعقل العصر.
الحق أقول لكم:
ليس العار في هزيمتكم، العار في أن تجعلوا من الهزيمة قدراً.
لست أبشر بدين جديد، بل بفهم جديد لدين قديم. لست أدعو إلى ثورة ضد الإيمان، بل إلى ثورة الإيمان بالعلم.
أيها الشعب، اصنع من كل صلاة معادلة، ومن كل سجدة اختراعاً، ومن كل ركعة اكتشافاً.
إما أن تصنعوا حضارتكم بأيديكم، أو ستظلون عبيداً في حضارة صنعها غيركم.
هكذا نادى من جبال الأرز، ثم صمت وعاد إلى خلوته، تاركاً كلماته تتردد في الوادي كصدى يقتحم آذان النائمين… مستيقظين على صباح جديد، أو غارقين إلى الأبد في سبات عميق.
فتحت عيني ببطء، والشمس الآن ترتفع في سماء نيويورك، تلقي بأشعتها على وجه التمثال الرخامي، فتضفي عليه حياة لم تكن فيه قبل لحظات.
نظرت حولي، كانت الساحة لا تزال خالية إلا من عابر سبيل يُسرع الخطى دون أن يلتفت إلى هذا الشاهد الصامت على حضارتين.
وقفت وقد امتلأت روحي بكلمات لم ينطق بها جبران، لكنها تحمل روحه وتمرده ونظرته للمستقبل. تمرده الذي لو عاش في عصرنا، لتمرد على سكوننا العلمي كما تمرد على جمودنا الروحي. لو رأى هزائمنا المتكررة، لصرخ في وجوهنا أن طريق المجد لا يمر عبر الكلمات الجميلة، بل عبر المعادلات العميقة.
ودعت التمثال بنظرة أخيرة، وسرت في شوارع مانهاتن حاملاً معي صوتاً من الماضي يتحدث عن المستقبل، وهمساً من الرخام يصرخ في وجه الصمت.
في يوم العيد هذا، كان أجمل هدية تلقيتها هي تلك الوشوشة الغامضة التي جعلتني أرى وجهاً جديداً لجبران -ليس جبران الشاعر الحالم، بل جبران المفكر المتمرد، الذي يمد إصبعه نحو جرح الأمة، ويُسمّي الداء باسمه
د عيسى محمدي
259
